الزارة بين الحقيقة والفرضية (9) – بقلم صادق علي القطري

ليس كل ما يطويه الزمان يفنى، ولا كل ما يحجبه الغياب يُمحى من الذاكرة. فثمّة مدنٌ واراها التراب، غير أنها بقيت نابضةً في وجدان التاريخ، تتردد أصداء أسمائها في بطون المصادر، وتقاوم النسيان بما خلّفته من آثارٍ في مسيرة الحضارات وذاكرة الأمم, من بين تلك المدن تبرز الزارة بوصفها واحدةً من المدن التي غابت معالمها، بينما ظل حضورها راسخًا في المدونات التاريخية والجغرافية، شاهدةً على ماضٍ لم تستطع القرون أن تطمس معالمه الفكرية، وإن غيّبت آثاره العمرانية.

{ الزارة بين الحقيقة والفرضية }

قراءة نقدية في الروايات التاريخية وفرضيات الموقع

تُعد الزارة من أكثر مدن شرق الجزيرة العربية إثارةً للجدل في الدراسات التاريخية والأثرية. فبينما لا يكاد يختلف المؤرخون المسلمون في أنها كانت مدينة ذات شأن في إقليم البحرين، فإن موضعها الدقيق، وحجمها العمراني، وتاريخ اندثارها، لا تزال موضوعًا للنقاش العلمي. وقد أدى غياب التنقيبات الأثرية الحاسمة إلى ظهور عدد من الفرضيات، حاول أصحابها التوفيق بين النصوص التاريخية والواقع الجغرافي الحالي.

الحقائق التاريخية التي تكاد تجمع عليها المصادر:

رغم اختلاف الروايات، فإن هناك مجموعة من الحقائق التي تحظى بقبول واسع بين المؤرخين والباحثين، منها: أن الزارة كانت مدينة من مدن إقليم البحرين التاريخي, أنها كانت تقع في نطاق واحة القطيف وعلى مقربة من ساحل الخليج العربي, أنها كانت ميناءً مهمًا يخدم الحركة التجارية في شرق الجزيرة العربية, أنها خضعت للنفوذ الساساني قبل الإسلام، وكان بها مقر لحاكم ساساني (مرزبان), أنها ارتبطت بأحداث حروب الردة في عهد الخليفة أبي بكر الصديق وأنها تعرضت للتراجع ثم الاندثار خلال العصور الإسلامية اللاحقة، ويُرجَّح أن الغزو القرمطي أسهم في هذا التراجع.

موضع الزارة… أين كانت؟

يُعد تحديد موضع الزارة أبرز قضية ناقشها الباحثون. و هنا نستعرض الاّراء المتعددة التي تحدد الموقع المفترض لمدينة الزارة:

الرأي الأول: الزارة هي العوامية الحالية

يُنسب هذا الرأي إلى الباحث حمد الجاسر، الذي رأى أن أوصاف الجغرافيين المسلمين تنطبق على المنطقة الواقعة عند العوامية، غرب القطيف الحالية بنحو خمس كيلومترات. واستند إلى توافق الموقع مع البيئة الزراعية القديمة وقربه من الساحل القديم. وتكمن نقاط القوة في هذا الراي: توافقه مع أوصاف المصادر الإسلامية، قربه من الواحة، وجود مؤشرات أثرية متناثرة. واما نقاط الضعف فتكمن في عدم وجود حفريات تثبت بصورة قاطعة أن الموقع هو الزارة.

الرأي الثاني: موقع الرمادة

يرى الباحث فاروق عمر أن اسم “الرمادة” يحفظ موضع الزارة القديم وهو راي شاد، ويستند إلى المقارنة بين النصوص التاريخية والأسماء المحلية المتوارثة، مع ملاحظة وجود دلائل على استيطان قديم في المنطقة. ويُعد هذا الرأي من أكثر الفرضيات تداولًا في الدراسات الحديثة، لكنه لا يزال بحاجة إلى أدلة أثرية مباشرة.

الرأي الثالث: الظهران أو نطاقها

اقترح الباحث (Daniel T. Potts) أن الزارة ربما كانت تقع جنوب القطيف، في نطاق الظهران الحالية، مستندًا إلى إعادة بناء جغرافية الساحل القديم وتغير خطوط الشاطئ عبر الزمن. وتلفت هذه الفرضية الانتباه إلى أثر التغيرات الساحلية، لكنها لم تحظَ بإجماع الباحثين.

لماذا اختفت الزارة؟

لا يوجد مصدر واحد يذكر سببًا قاطعًا لاندثار الزارة، لكن الدراسات تجمع على مجموعة من العوامل المحتملة وهي التدمير الذي رافق الصراعات العسكرية، الغزو القرمطي في أواخر القرن الثالث الهجري، تحول طرق التجارة البحرية، انتقال مراكز العمران إلى مدن مجاورة وتغير الخط الساحلي وردم أجزاء من السواحل بالرواسب الطبيعية. ومن المرجح أن اندثار الزارة كان نتيجة تراكم هذه العوامل، لا نتيجة حادثة واحدة.

ماذا يقول علم الآثار؟

حتى اليوم، لم يُكتشف موقع أثري يمكن الجزم بأنه يمثل مدينة الزارة حيث تشير الدراسات الحديثة إلى أن هذا الغياب لا ينفي وجود المدينة، بل يعكس:

• محدودية الحفريات.

• اتساع المنطقة المرشحة.

• التوسع العمراني الحديث.

• صعوبة العمل الأثري في بيئة واحة شهدت تغيرات جيومورفولوجية متعاقبة.

قيمة المصادر الإسلامية:

تمثل المصادر الإسلامية الأساس الذي اعتمد عليه الباحثون المحدثون في إعادة بناء تاريخ الزارة وتبرز أهميتها في أنها: حفظت اسم المدينة، وثقت دورها في صدر الإسلام، ربطتها بإقليم البحرين والقطيف وأشارت إلى مكانتها السياسية والاقتصادية. غير أن هذه المصادر كُتبت بعد الأحداث بمدد متفاوتة، وبعضها ينقل عن مصادر أقدم، مما يجعل المقارنة بينها ضرورة منهجية.

حدود المعرفة الحالية:

يمكن تلخيص الوضع العلمي الراهن في النقاط الآتية:

• وجود الزارة التاريخية حقيقة تؤيدها المصادر.

• موقعها التقريبي معروف في نطاق واحة القطيف، لكن موضعها الدقيق غير محسوم.

• لم يُعثر حتى الآن على دليل أثري قاطع يحدد المدينة.

• لا تزال فرضيات العوامية والرمادة والظهران مطروحة للنقاش.

• من المرجح أن تحسم الحفريات المستقبلية هذا الجدل.

إن حل لغز الزارة يحتاج إلى مشروع علمي متكامل يجمع بين: الدراسات التاريخية, علم الآثار, الجغرافيا التاريخية, الاستشعار عن بعد, نظم المعلومات الجغرافية (GIS), تحليل صور الأقمار الصناعية ودراسة التغيرات الساحلية القديمة. ولا شك أن مثل هذا المشروع سيضيف صفحة جديدة إلى تاريخ شرق الجزيرة العربية، وقد يعيد اكتشاف واحدة من أهم مدنه المفقودة.

إن الزارة ليست مجرد مدينة ضاعت معالمها، بل هي قضية تاريخية ما تزال مفتوحة أمام البحث العلمي. فالمصادر القديمة تؤكد وجودها وأهميتها، بينما تؤكد الدراسات الحديثة أن غياب الدليل الأثري القاطع لا يعني غياب الحقيقة التاريخية. ولعل الزارة تمثل اليوم نموذجًا فريدًا لمدينة بقيت حاضرة في الذاكرة المكتوبة، وغائبة عن المشهد العمراني، تنتظر أن يكشف عنها التراب كما كشفت المصادر عن اسمها، وأن تعود إلى خريطة التاريخ بعد قرون من الصمت.

قريبا: الجزء العاشر: المدينة التي لم تمت
لقراءة الجزء الأول: https://www.qatifscience.com/?p=36109
لقراءة الجزء الثاني: https://www.qatifscience.com/?p=36121
لقراءة الجزء الثالث: https://www.qatifscience.com/?p=36129
لقراءة الجزء الرابع: https://www.qatifscience.com/?p=36134
لقراءة الجزء الخامس: https://www.qatifscience.com/?p=36149
لقراءة الجزء السادس: https://www.qatifscience.com/?p=36157
لقراءة الجزء السابع: https://www.qatifscience.com/?p=36166
لقراءة الجزء الثامن: https://www.qatifscience.com/?p=36174
المهندس صادق علي القطري

أهم المصادر:
• Michael Lecker، دراسات عن البحرين قبل الإسلام وإدارتها الساسانية.
• Daniel T. Potts، The Arabian Gulf in Antiquity.
• Farouk Omar، Urban Centres in the Gulf during the Early Islamic Period.
• معجم البلدان.
• فتوح البلدان.
• تاريخ الرسل والملوك.
• الكامل في التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *