الزارة في صدر الإسلام (4) – بقلم صادق علي القطري

ليس كل ما يطويه الزمان يفنى، ولا كل ما يحجبه الغياب يُمحى من الذاكرة. فثمّة مدنٌ واراها التراب، غير أنها بقيت نابضةً في وجدان التاريخ، تتردد أصداء أسمائها في بطون المصادر، وتقاوم النسيان بما خلّفته من آثارٍ في مسيرة الحضارات وذاكرة الأمم, من بين تلك المدن تبرز الزارة بوصفها واحدةً من المدن التي غابت معالمها، بينما ظل حضورها راسخًا في المدونات التاريخية والجغرافية، شاهدةً على ماضٍ لم تستطع القرون أن تطمس معالمه الفكرية، وإن غيّبت آثاره العمرانية.

{ الزارة في صدر الإسلام }

من الإدارة الساسانية إلى الدولة الإسلامية:

شكّل ظهور الإسلام في مطلع القرن السابع الميلادي نقطة تحول كبرى في تاريخ شرق الجزيرة العربية، إذ انتقلت المنطقة من دائرة النفوذ الساساني إلى الانضواء تحت راية الدولة الإسلامية. وكانت الزارة، بما تمتعت به من مكانة سياسية وإدارية، في قلب هذه التحولات؛ فقد كانت مقرًا للحكم في إقليم البحرين، وميناءً رئيسًا على الخليج العربي، الأمر الذي جعلها إحدى أولى مدن الإقليم التي ارتبط مصيرها بالأحداث السياسية والدينية التي رافقت انتشار الإسلام. ولم يكن دخول الإسلام إلى البحرين نتيجة مواجهة عسكرية واسعة، بل جاء في البداية عبر الدعوة والمراسلات السياسية، وهو ما يميز تاريخ البحرين عن كثير من الأقاليم الأخرى التي دخلها الإسلام.

البحرين قبيل الإسلام:

عشية البعثة النبوية، كان إقليم البحرين التاريخي يخضع للنفوذ الساساني، بينما كانت القبائل العربية تمثل الأغلبية السكانية، ومن أبرزها: قبيلة عبد القيس، بكر بن وائل، تميم وقبائل عربية أخرى استقرت في الواحات والسواحل. وكانت الإدارة الساسانية تعتمد على حاكم محلي (مرزبان) يشرف على الأمن وجباية الضرائب وتنظيم التجارة البحرية، حيث تشير المصادر الإسلامية إلى أن الزارة كانت من أهم المراكز الإدارية في هذا النظام.

دعوة النبي (صل الله عليه واّله) إلى أهل البحرين:

بعد استقرار الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، وجّه النبي محمد (صل الله عليه واّله) رسائل إلى عدد من حكام الأقاليم والملوك، ومن بينهم حاكم البحرين المنذر بن ساوى حيث تفيد المصادر الإسلامية بأن المنذر استجاب للدعوة، فأسلم، ودخل معه عدد كبير من سكان البحرين في الإسلام، بينما بقي آخرون على ديانتهم، مع استمرارهم في العيش داخل الإقليم وفق ما تقرره أحكام الدولة الإسلامية آنذاك. وقد كان لهذا التحول أثر بالغ؛ إذ انتقلت البحرين إلى الدولة الإسلامية دون وقوع حرب شاملة، وظلت مراكزها العمرانية، ومنها الزارة، تؤدي وظائفها الإدارية والاقتصادية.

الزارة في ظل الإدارة الإسلامية:

مع دخول البحرين في الإسلام، لم تفقد الزارة أهميتها، بل أصبحت مركزًا من مراكز الإدارة الإسلامية في الإقليم حيث تشير الروايات إلى أن المدينة احتفظت بدورها في: إدارة شؤون الساحل الشرقي، الإشراف على التجارة البحرية، ربط الواحات الداخلية بالموانئ وجمع الموارد المالية للدولة. ويرجح أن كثيرًا من النظم الإدارية الساسانية استمر في السنوات الأولى مع إدخال التعديلات التي فرضها النظام الإسلامي الجديد، وهو أمر شهدته أقاليم أخرى دخلت الإسلام في الفترة نفسها.

وفاة النبي (صل الله عليه واّله) وأحداث ما يسمى بحرب الردة:

شكلت وفاة النبي محمد (صل الله عليه واّله) سنة 11هـ / 632م مرحلة دقيقة في تاريخ الجزيرة العربية، إذ شهدت بعض القبائل اضطرابات سياسية عُرفت في المصادر الإسلامية بحروب الردة حيث لم تكن أوضاع البحرين بمعزل عن هذه الأحداث، فقد شهد الإقليم انقسامًا بين جماعات بقيت على ولائها للدولة الإسلامية، وأخرى خرجت عليها. وتشير الروايات إلى أن بعض مناطق البحرين أصبحت مسرحًا للمواجهات، وأن الزارة كانت من المواقع التي اكتسبت أهمية عسكرية خلال تلك المرحلة، نظرًا لموقعها الحصين وصلتها بالإدارة الإقليمية.

دور العلاء بن الحضرمي:

كان العلاء بن الحضرمي واليًا على البحرين في صدر الإسلام، وقد اضطلع بدور مهم في تثبيت سلطة الدولة الإسلامية في الإقليم حيث تنسب إليه المصادر قيادة العمليات الرامية إلى إعادة الاستقرار بعد الاضطرابات التي أعقبت وفاة النبي (صل الله عليه واّله)، كما ارتبط اسمه بإعادة تنظيم الإدارة وتعزيز الأمن في المنطقة حيث أسهمت هذه الجهود في عودة النشاط التجاري والاقتصادي إلى مدن البحرين، ومنها الزارة.

الزارة بين السياسة والتجارة:

تكشف الأحداث المبكرة أن أهمية الزارة لم تكن عسكرية فحسب، بل كانت أيضًا اقتصادية حيث ظلت المدينة: ميناءً بحريًا نشطًا، محطة للتجارة مع وادي الرافدين وبلاد فارس، مركزًا لتسويق منتجات الواحات، ولا سيما التمور ونقطة اتصال بين الساحل والداخل. ومن هنا كان الحفاظ على استقرارها ضرورة للدولة الإسلامية الناشئة.

الزارة في الروايات الإسلامية:

ترد الزارة في المصادر الإسلامية بوصفها مدينة معروفة في إقليم البحرين، وترتبط أخبارها بأحداث الفتح والإدارة والاضطرابات التي أعقبت وفاة النبي (صل الله عليه واّله). غير أن تفاصيل هذه الروايات تختلف من مصدر إلى آخر في بعض الجزئيات، وهو ما يقتضي عند إعداد دراسة نقدية الرجوع إلى المصادر الأصلية ومقارنة نصوصها، وهو ما سيُعالج في فصل مستقل مخصص لروايات حصار الزارة وفتحها.

الأثر الحضاري لدخول الإسلام:

أحدث الإسلام تحولًا عميقًا في المجتمع المحلي، انعكس على مختلف جوانب الحياة. فقد أصبحت الزارة جزءًا من الدولة الإسلامية، وارتبطت بالمراكز الكبرى في المدينة المنورة ثم البصرة، كما ازداد اندماجها في شبكات التجارة الإسلامية، واستفادت من الاستقرار النسبي الذي شهدته المنطقة بعد انتهاء الاضطرابات ومع مرور الزمن، أصبحت المدينة محطة معروفة على طرق التجارة البحرية، واستمرت في أداء دورها الحضاري حتى القرون اللاحقة، قبل أن تتعرض للتراجع ثم الاندثار.

وتكشف دراسة الزارة في صدر الإسلام أن المدينة كانت عنصرًا فاعلًا في التحولات الكبرى التي شهدها شرق الجزيرة العربية. فقد انتقلت من كونها مركزًا إداريًا في ظل النفوذ الساساني إلى مدينة تنتمي إلى الدولة الإسلامية، محتفظةً بمكانتها الاقتصادية والإدارية. كما أن ارتباطها بأحداث الدعوة الإسلامية، ثم بمرحلة الاضطرابات التي أعقبت وفاة النبي (صل الله عليه واّله)، يؤكد أنها لم تكن مدينة هامشية، بل كانت إحدى الركائز الرئيسة لإقليم البحرين في القرن الأول الهجري.

المهندس صادق علي القطري

المصادر الأساسية:
• فتوح البلدان للبلاذري.
• نسخة أخرى من فتوح البلدان.
• تاريخ الرسل والملوك للطبري.
• الكامل في التاريخ لابن الأثير.
• البداية والنهاية لابن كثير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *