ليس كل ما يطويه الزمان يفنى، ولا كل ما يحجبه الغياب يُمحى من الذاكرة. فثمّة مدنٌ واراها التراب، غير أنها بقيت نابضةً في وجدان التاريخ، تتردد أصداء أسمائها في بطون المصادر، وتقاوم النسيان بما خلّفته من آثارٍ في مسيرة الحضارات وذاكرة الأمم, من بين تلك المدن تبرز الزارة بوصفها واحدةً من المدن التي غابت معالمها، بينما ظل حضورها راسخًا في المدونات التاريخية والجغرافية، شاهدةً على ماضٍ لم تستطع القرون أن تطمس معالمه الفكرية، وإن غيّبت آثاره العمرانية.

{ مدينة الزارة…المدينة المدمرة المفقودة في شرق الجزيرة العربية }
في تاريخ الأمم مدنٌ تموت، ومدنٌ تُهجر، ومدنٌ تتحول إلى أطلالٍ صامتة، غير أن هناك مدنًا يتجاوز غيابها حدود الخراب المادي، فتغدو ألغازًا تاريخية تستفز الباحثين جيلاً بعد جيل. والزارة واحدةٌ من تلك المدن الاستثنائية؛ فهي ليست مجرد موضع اندثر، بل صفحة كبرى من صفحات تاريخ شرق الجزيرة العربية، اختفى عمرانها، وبقي اسمها يتردد في بطون المصادر الإسلامية والجغرافية والأدبية، شاهداً على مدينة كانت يومًا مركزًا للسلطة والإدارة والتجارة، قبل أن تبتلعها تقلبات السياسة وصراعات التاريخ.
وتكتسب الزارة مكانة خاصة لأنها كانت من أهم مدن إقليم البحرين التاريخي، ذلك الإقليم الواسع الذي شمل الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية من البصرة شمالًا إلى عُمان جنوبًا، ولا يُقصد به حدود دولة البحرين الحديثة. وقد ارتبط اسمها بالأحداث الكبرى التي شهدتها المنطقة في أواخر العصر الساساني، ثم في فجر الإسلام، وفي حروب الردة، ثم في الصراع مع القرامطة، حتى انتهى بها المطاف إلى الخراب والاندثار.
ومع أن الزارة ذُكرت في عشرات المصادر العربية والإسلامية، فإن المفارقة الكبرى تكمن في أن موضعها الدقيق لا يزال محل نقاش بين الباحثين؛ إذ لم تُكتشف مدينة كاملة يمكن الجزم بأنها الزارة، على الرغم من كثرة اللقى الأثرية وانتشار الفخار الإسلامي والسابق للإسلام في محيط الواحة الشمالية للقطيف، ولا سيما في المنطقة الواقعة غرب وشمال العوامية الحالية. وقد أدى هذا الغياب الأثري إلى أن تتحول الزارة إلى واحدة من أبرز المدن المفقودة في الخليج العربي.
ولا تكمن أهمية الزارة في كونها مدينة مفقودة فحسب، بل لأنها كانت تمثل محورًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا بالغ الأهمية. فقد كانت مقر مرزبان الفرس في بلاد البحرين قبيل الإسلام، وكانت ميناءً بحريًا يتصل بطرق التجارة بين العراق وفارس والهند وعُمان، كما كانت بوابةً طبيعيةً إلى واحة القطيف الخصيبة، ومركزًا لإدارة واحدة من أغنى مناطق الخليج العربي آنذاك. وتشير الروايات التاريخية إلى أن سكانها كانوا يمارسون الزراعة وصيد الأسماك والتجارة البحرية، مستفيدين من موقعها على الساحل ومن وفرة عيون المياه والنخيل في واحة القطيف.
ومن اللافت أن ذكر الزارة لا ينقطع في كتب الجغرافيين والمؤرخين المسلمين، فمنهم من وصفها بأنها “قرية كبيرة”، ومنهم من جعلها حاضرة بلاد البحرين، ومنهم من ربطها بمقر الحاكم الساساني، ومنهم من أشار إلى حصانتها العسكرية وأهميتها الاقتصادية. وهذا التباين في الوصف لا يعكس تناقضًا بقدر ما يعكس اختلاف الأزمنة التي كُتبت فيها تلك الأخبار؛ فالمدينة التي كانت عاصمةً في القرن السابع الميلادي لم تعد بالضرورة تحتفظ بالمكانة نفسها بعد عدة قرون، خاصة بعد أن تعرضت للدمار خلال أحداث القرن الثالث الهجري.
ولعل أكثر ما يمنح الزارة قيمتها التاريخية أنها تقف عند ملتقى ثلاث مراحل كبرى من تاريخ الخليج العربي وهي المرحلة الساسانية التي كانت فيها مقرًا للحكم، ومرحلة صدر الإسلام التي شهدت دخول أهل البحرين في الإسلام وما أعقب وفاة النبي (صل الله عليه واّله) من أحداث ما يسمى بالردة، ثم مرحلة القرامطة التي انتهت فيها المدينة إلى الخراب، وانتقلت مراكز العمران تدريجيًا إلى مواضع أخرى داخل واحة القطيف.
ولذلك فإن دراسة الزارة ليست بحثًا في مدينة منسية فحسب، وإنما هي دراسة في نشأة السلطة بشرق الجزيرة العربية، وفي طرق التجارة البحرية، وفي العلاقة بين الجغرافيا والسياسة، وفي كيفية انتقال مراكز الحضارة عبر الزمن. إن تاريخ الزارة يمثل مفتاحًا لفهم تاريخ القطيف والخط وإقليم البحرين بأسره، كما يمثل نموذجًا حيًا للمدن التي بقيت حاضرة في النصوص التاريخية رغم غيابها عن المشهد العمراني.
وفي هذه الدراسة سنسعى إلى تتبع تاريخ الزارة منذ أقدم الإشارات إليها، مرورًا بموقعها الجغرافي، وأهميتها السياسية والاقتصادية، وما ورد عنها في المصادر العربية والإسلامية، ثم الروايات المتعلقة بحصارها وفتحها، وصولًا إلى أسباب اندثارها، مع عرضٍ نقدي لآراء الباحثين المحدثين حول موضعها، اعتمادًا على المصادر التاريخية والجغرافية والأثرية المتاحة.

المراجع المعتمدة في هذا الجزء:
• معجم البلدان.
• فتوح البلدان.
• تاريخ الرسل والملوك.
• صفة جزيرة العرب.
• دليل الخليج.
• Daniel T. Potts، The Arabian Gulf in Antiquity.
علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية