الكورة تجمع ما تفرق [شعار شيخ الرياضيين) – بقلم ماجد علي المزين

        الكورة تجمع ما تفرق….  شعار حياة لفقيد الرياضة عيسى عبدالله الجيراني

ملخص لقاء مع الكابتن عبد الله عيسى الدبيسي “أبو محمد”
أثناء إعدادي لكتاب “الحواري” الذي يؤرخ لفرق كرة القدم بالأحياء الشعبية في العوامية، تكرر على مسامعي اسم المرحوم عيسى الجيراني؛ ذلك الكابتن المحبوب الذي نال تقدير الجميع ولُقب بـ “شيخ الرياضيين”. دفعني ذلك لإجراء اتصالات هاتفية لتوثيق سيرة هذه الشخصية المرموقة، فتواصلت مع “أبو محمد” الحاج عبد الله عيسى الدبيسي، الذي عاصر الراحل وكان يُعد ساعده الأيمن، ليدلي بمعلومات قيمة زادتنا احتراماً وتقديراً لمسيرة الجيراني.

ساحة الشاطئ: قلب الرياضة النابض
كانت هناك ساحة شاسعة تضم عشرات الملاعب في منطقة “مخطط الشاطئ” قبل “مده” بالعمران. كانت هذه الساحة المقصد الرئيسي لفرق الحواري في القطيف وتاروت وما جاورهما، حيث تُقام عليها يومياً مباريات عديدة تصل في الإجازات الأسبوعية إلى العشرات. وكان الكابتن عيسى الجيراني هو المسؤول الأول عن تنسيق هذه الملاعب وإدارتها بالكامل.

امتد نشاطه التنسيقي من بقيق حتى رأس تنورة، حيث كانت تُنظم عبره أغلب المباريات الودية والدورات الرياضية. وقبل عصر “الجوالات”، لم يكن الهاتف في مجلسه يهدأ؛ اتصالات من الدمام، وسيهات، وصفوى، والكل يرغب في ترتيب مباراة أو المشاركة في دورة.

كان ينسق للكثير من المباريات الودية والدورات في جميع الملاعب المنتشرة في أنحاء المنطقة، وبالأخص تلك الواقعة في ساحة الشاطئ بتاروت، وملاعب ساحل سنابس، وساحة التعاون بالعوامية؛ لكونها الأكثر حركة رياضية. فقد كانت القطيف بشكل عام محدودة الملاعب؛ نظرًا لكثافة النخيل والمزارع وقلة الساحات التي تسمح بإقامة الملاعب، مع وجود بعض الاستثناءات المذكورة، إضافة إلى ملاعب في الأوجام وساحة سيهات التي يقع مكانها نادي الخليج حاليًا.

ريادة وتأسيس
لم يقتصر نشاط الجيراني على التنسيق، بل كان رائداً في عدة مجالات:
* أول منظم دورات: يُعد أول من نظم دورات كروية لفرق الحواري في المنطقة الشرقية.
* الإضاءة الليلية: أنشأ أول ملعب مضاء في التسعينيات الهجرية، ليتيح اللعب ليلاً ونهاراً، وذلك قبل أن توفر الأندية الرسمية (كالجزيرة والهدى والنور) هذه التقنية.
* مرجع للأندية: كانت الأندية الرسمية تستعين به لترتيب مباريات مع فرق الحواري القوية، أو لاستعارة الأطقم الرياضية والمعدات عند الطوارئ.

الصرامة الأخلاقية والروح الجامعة
كان الراحل صارماً في تطبيق الأخلاق الرياضية؛ فالفريق الذي يثير المشاكل أو يخرج عن النص الأخلاقي كان يُوقف عن اللعب لسنوات، وقد وصلت عقوبة أحد الفرق إلى المنع من اللعب لمدة عامين.

آمن الجيراني بأن “الكورة تجمع ما تفرق” عبارة كان يرددها دائمًا ، لذا فتح أبواب الملاعب للجاليات العربية (المصرية والسودانية وغيرهم)، مما ساهم في دمجهم في الحركة الرياضية بالمنطقة. ووفاءً له، شارك الكثير منهم في تشييعه وما زالوا يتواصلون مع أسرته حتى اليوم.

رحيل “الهداف” وتكريم لم يكتمل
كان من المقرر إقامة حفل تكريم مهيب له في نادي الترجي، وأُعدت الهدايا والجوائز، لكن القدر كان أسرع؛ حيث داهمه المرض ودخل المستشفى. ورغم استبشار الجميع بخروجه بعد فترة قصيرة، إلا أن حالته انتكست وتوفي مساء الجمعة، الثالث والعشرين من شهر صفر لعام 1445هـ رحمه الله بواسع رحمته، قفد كان مثالاً يُحتذى به في حب الخير، والعمل التطوعي، وحب الناس؛ وما ذلك العدد الكبير من الرياضيين وغيرهم الذين شاركوا في جنازته من القطيف ومن مختلف أنحاء المنطقة، ومن الإخوة العرب، إلا خير دليل على ذلك.

وقد جاء في مقال بعنوان “الكابتن عيسى الجيراني… هداف خارج المرمى” للكاتب عبد العظيم شلي، المنشور في صحيفة “الخط الإلكترونية” بتاريخ 10 يونيو 2024، نقلاً عن المعلق الرياضي زهير الضامن:

“كان يرتّب أغلب مباريات الحواري في المنطقة الشرقية، من الدمام إلى رأس تنورة. هذا المدى من التواصل لم يأتِ من فراغ، بل كان نتاج علاقاته الواسعة المبنية على الثقة والاحترام؛ فقد كان محبوباً ومقرباً من الجميع. ومن خلال مجلسه العامر بالشباب من مختلف الأعمار، كانت تأتيه الاتصالات بشكل متواصل، يرد على هذا ويجيب ذاك، ويعدهم بترتيب المباريات زماناً ومكاناً. لم يكن يردُّ طلباً لأحد، كالأب العطوف والأخ الودود، حريصاً على كسب رضا الكل، لدرجة أنه كان ينسق ويرتب خلال الإجازة الأسبوعية (الخميس والجمعة) لأكثر من 30 أو 35، وأحياناً 40 مباراة في اليوم الواحد! إنه جهد خارق امتاز به هذا الإنسان الخلوق الذي حظي بثقة كبيرة من الصغير والكبير بإخلاص وتفانٍ”.

كما ذكر الكابتن أحمد الشيخ (أبو محمد): “كان فريقنا (القادسية) إذا ذهب ليلعب مع فريق آخر ولم يحضر الخصم، يقوم الكابتن الخلوق عيسى الجيراني بإقامة المباراة مع فريقه (الهدف) كي لا نعود خائبين؛ فكل من يريد اللعب كان يجد لديه حلاً”.

الكابتن عبد الله عيسى الدبيسي: رفيق الدرب والمبدع الشامل
يُعد الكابتن عبد الله الدبيسي (مواليد 1946م) ركيزة أساسية في تاريخ رياضة المنطقة. لم يكن مجرد “ساعد أيمن” للجيراني، بل كان حارساً بارعاً ومعلقاً رياضياً وفناناً قديراً.

الرياضة في خدمة المجتمع:
ساهم الدبيسي والجيراني في تغيير نظرة المجتمع السلبية تجاه كرة القدم (التي كانت تُسمى “التمبة”)، من خلال تنظيم دورات خيرية يُخصص ريعها لـ “كافل اليتيم” والزواج الخيري. ومن أبرز تلك الأنشطة فعالية “ضربات الجزاء الخيرية”، حيث كان الدبيسي يقف حارساً، ويدفع المشارك مبلغاً رمزياً للمساهمة في دعم الأيتام، وقد وصلت مداخيل هذه الفعالية في إحدى السنوات إلى 30,000 ريال.

تكريم الكابتن عيسى الجيراني في بطولة شيخ الرياضيين عيسى الجيراني بتاروت – بتاريخ العاشر من يناير 2026م.

عائلة المبدعين:
ولا بأس أن نذكر شيئا عن الكابتن عبد الله عيسى الدبيسي حيث عطائه لا يتوقف عند الرياضة فحسب، بل يمتد لأبنائه الذين وُصفوا بالعباقرة؛ ابنه عيسى الذي لُقب بـ “المعجزة القطيفية” لتفوقه الدراسي المبكر، وابنته الطبيبة زهراء، وابنه أحمد المتميز بحافظته القوية. كما حصد الدبيسي جوائز سينمائية مرموقة، منها “النخلة الذهبية” من مركز (إثراء) عن فيلمه “أبو صالح”.

الأستاذ ماجد علي المزين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *