نزهة في تراث القطيف الجغرافي (ج7) – بقلم علي الجشي

يأتي هذا التوثيق بعنوان «نزهة في تراث القطيف الجغرافي» بوصفه قراءة، تاريخية معرفية، تفاعلية وغنية للبيئة الطبيعية والجغرافية لديموغرافية واحة القطيف، تُقدَّم بأسلوب مريح وسلس، بعيد عن الجفاف الأكاديمي، ليأخذ القارئ في رحلة معرفية ممتعة عبر المكان والزمان.

[نزهة في تراث القطيف الجغرافي – الجزء السابع: قرى المحيط: الجش]

بعد أن أكملنا جولتنا التراثية في أم الحمام والملاحة، اتجهنا إلى بلدة الجش المجاورة، عبر الطريق الذي يخترقها وصولًا إلى طريق الظهران–رأس تنورة السريع. وكان هذا الطريق من الطرق القديمة التي كنا نسلكها للوصول إلى الظهران وما جاورها.

تقع الجش في الطرف الجنوبي الغربي من واحة القطيف، وتتبع إداريًا محافظة القطيف، وتبعد عن تقاطع طريق أم الحمام–الملاحة مع شارع المحيط بأقل من كيلومتر واحد. ويحدها من الشمال الشرقي أم الحمام، ومن الجنوب الشرقي الملاحة، وغربًا البر، وشمالًا الجارودية، وجنوبًا نخيل سيهات.

وفي غربها كانت تقع محطة واستراحة «قهوة قريش»، التي عُرفت بتوقف السيارات والمسافرين عندها في طريقهم إلى مدن المملكة الشمالية وإلى دولة الكويت.

وقد أكسب موقع الجش البلدة أهمية خاصة بين قرى القطيف؛ فهي تمثل إحدى بوابات الواحة من جهة الغرب والجنوب الغربي، ويشقها الطريق العام الذي يصلها بالطرق الرئيسة المتجهة إلى الدمام والجبيل.

مسمى الجش

لعل أول ما يلفت انتباه المتأمل إلى هذه البلدة اسمها؛ فهو اسم قصير لا يتجاوز حرفين في رسمه بعد حذف أداة التعريف، لكنه يثير فضول الباحث. وقد كنت أتساءل منذ سنوات عن أصل هذا الاسم: من أين جاء؟ وما الذي يعنيه؟

ولعل ما زاد الاسم، بل القرية نفسها، قربًا إلى نفسي أنه يلتقي مع اسم عائلتي، والأسماء المشتركة كثيرًا ما تخلق نوعًا من الألفة بين الإنسان وما يرتبط بها من أشخاص وأمكنة.

ومن الطرائف المتعلقة بذلك أن ابن عمي حدثني ذات مرة أن مديره، وهو من بلدة الجشة بالأحساء، قال له يومًا مبتسمًا:

«أنا أحبك».

فلما سأله عن السبب، أجابه:

«لأنك جشي».

ومن اللطائف الشخصية أيضًا ما وقع سنة 2003م، حين أرسل شاعر أحسائي إلى الشاعر رائد الجشي، وهو من أفراد العائلة، أبياتًا ربط فيها بين اسم العائلة وبلدة الجش، فقال:

طوبى لأرضِ الجشِّ دومًا غادقةً
ولرائدي أُهدي النوايا الصادقة

حيُّوا القطيفَ بأهلها وترابها
يا شمسَنا الوهجاءَ دومًا شارقة

وهكذا أصبح السؤال عن تسمية «الجش» أكثر إلحاحًا.

الاستدلال الجغرافي

يمكن ملاحظة أن اسم الجش، أو ما يقاربه، لا يقتصر على هذه البلدة؛ فإضافة إلى جش القطيف، هناك الجشة في الأحساء، وقرية جِش التاريخية في الجليل بفلسطين، كما تحدث الباحث الأستاذ سامي الجشي عن قرية ساحلية قديمة في البحرين تحمل الاسم نفسه، غمرتها المياه وانتقل سكانها إلى مواضع أخرى في البحرين والقطيف. وترد كذلك أسماء متقاربة في بعض المواضع والأودية في اليمن.

ولا يكفي تكرار الاسم وحده لإثبات وحدة الأصل بين هذه المواضع، لكن فيه ما يدل على أن اللفظ قديم، وأنه لم ينشأ بوصفه اسمًا خاصًا بقرية القطيف وحدها. وربما كان في الأصل وصفًا جغرافيًا أو بيئيًا تحول مع مرور الزمن إلى اسم للمكان، أو انتقل مع جماعات بشرية من موضع إلى آخر.

الاستدلال التاريخي

تدل الشواهد التاريخية على قدم الجش ضمن قرى واحة القطيف، وإن كان تحديد أول ظهور لها بهذا الاسم يحتاج إلى التمييز بين الإشارات التاريخية الصريحة وبين ما يستنتج من مواقع الأحداث والروايات المحلية.

ويرجح الباحث الأستاذ لؤي سنبل أن جذور البلدة تمتد إلى زمن أقدم مما تثبته الوثائق المتوافرة بين أيدينا اليوم، ويستدل على ذلك بما ورد عن الأحداث التي شهدتها المنطقة في عصر القرامطة، ولا سيما ما يتصل بالموقع المعروف بعين الكعبة أو الچعبة (حسب اللهجة)، الواقع في النطاق الجغرافي بين سيهات والجش الحالية.

ويذكر الأستاذ لؤي أن رأي الشاعر عبدالله الجشي والأستاذ عبدالخالق الجنبي من “أن أول ذكر لاسم الجش جاء عند المؤرخ مسكويه (330-421هـ) في ذكر أحداث سنة 315هـ” ليكون بذلك أقدم مصدر تاريخي معروف. وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من أنها تنقل الحديث عن قدم الجش من الاستنتاج الجغرافي إلى ورود الاسم نفسه في مصدر تاريخي.

كما يظهر اسم الجش في «قانون نامه» العثماني سنة 959هـ/1552م، وهي من الوثائق المهمة لدراسة قرى القطيف وأوضاعها في تلك الحقبة.

وفي مطلع القرن العشرين وردت قرية الجش في دليل لوريمر الجغرافي الصادر سنة 1908م، ضمن قرى واحة القطيف، وهو من المصادر المهمة في وصف مدن الخليج وقراه وسكانه وزراعته في تلك الفترة، مما يؤكد رسوخ اسم الجش على البلدة قبل بداية القرن العشرين بمدة طويلة.

وهناك رواية محلية متداولة تذهب إلى أن الجش القديمة كانت في موضع يقع بين سيهات والجش الحالية، وأن عاصفة شديدة أصابت منطقة القطيف نحو سنة 216هـ/831م، فدفعت بعض السكان إلى الانتقال إلى مواضع أخرى، ومنها الموقع الحالي للجش. غير أن هذه الرواية تظل بحاجة إلى سند تاريخي صريح يثبت تفاصيلها.

الاستدلال اللغوي

ينطق الاسم محليًا «الجِشّ»، بكسر الجيم وتشديد الشين، مع وجود رأي لغوي يرى أن أصله ربما كان «الجَشّ» بفتح الجيم، ثم غلب عليه النطق المحلي بالكسر.

ويفتح اسم الجش بابًا واسعًا للاحتمالات؛ إذ ترد مادة «ج ش ش» في العربية بمعانٍ متعددة، بعضها ذو دلالة مكانية أو بيئية يمكن مقارنته بطبيعة موضع البلدة.

ومن المعاني التي تذكرها المصادر اللغوية:

* الجش من الشيء: وسطه.
* الجَشّ: الموضع الخشن أو الخشن الحجارة.
* الجش: اجتماع جماعة من الناس أو إقبالهم معًا.
* جشّ الناس: نفروا أو تحركوا دفعة واحدة.
* جشّ البئر: نقّاها مما تراكم فيها من طين ووحل.
* جشّ الحب: جرشه أو طحنه طحنًا خشنًا.

كما تذكر بعض الكتابات المحلية معنى قريبًا من اجتماع نبات المكان وحشيشه وكثرته. وقد رجح مؤلف «شيعة القطيف والأحساء» ارتباط الاسم بهذا المعنى، ورآه مناسبًا لطبيعة القرية الزراعية، كما أشار إلى اختلاف النطق بين كسر الجيم وفتحها.

بين مزارع الجش في السبعينات

وهناك رأي آخر يذهب إلى أن الاسم في الأصل «الحس» لا «الجش»، وأن اختلاف رسم بعض الحروف أو نقطها أدى إلى تحوله. إلا أن هذا الرأي يخالف ما ذهب إليه عدد من الباحثين والمؤرخين الذين يؤكدون أن الاسم التاريخي هو «الجش». وفي هذا الصدد يقول الأستاذ لؤي سنيل أنه لم يقرأ هذا الاحتمال، وقرأ للمرحوم الجنبي (وهو ما جعله يرجح بقوة أن الموضع الذي سُمّي في كتاب مسكويه بـ (الحس) بغير نقط هو (الجش)، وقد يكون السبب في ذلك أن المصدر الذي نقل عنه مسكويه في تاريخه لم يكن منقوطاً فكتبها كما وجدها، ولم يلتفت إليها محقق الكتاب لعدم إلمامه بمواضع المنطقة، فلم يصححها وكتبها هو الآخر كما وجدها، وإلا فهي الجش وليس الحس). فهو يرى أن الاسم (الجش) وكتابة (الحس) خطأ.

أي الاحتمالات أقرب؟

يصعب الجزم بأصل التسمية في غياب نص تاريخي قديم يقول صراحة لماذا سمي الموضع بالجش؛ ولذلك تبقى المعاني اللغوية والجغرافية قرائن يستأنس بها، لا أدلة قاطعة.

ومن الاحتمالات اللافتة أن يكون الاسم مرتبطًا بموقع المكان؛ فالجش تقع عند المنطقة الانتقالية بين واحة القطيف والأرض البرية الواقعة إلى الغرب منها، مما يجعل معنى «وسط الشيء» أو الموضع الواقع بين بيئتين احتمالًا يستحق النظر. ويرى الأستاذ لؤي أن “هذا الاحتمال وجيه عند ملاحظة الوضع الحالي، أما الوضع القديم الذي يرى أن غربها كانت توجد عدة قرى غلب عليها البر، فلعل الاحتمال يتغير”.

كما أن معنى الموضع “الخشن الحجارة” يمكن مقارنته بطبيعة الأرض الواقعة غرب الجش، فإذا صح هذا الارتباط فقد يكون «الجش» في الأصل وصفًا للمكان، ثم تحول بمرور الزمن إلى علم عليه.

ويأتي احتمال آخر لافت يرتبط بالمياه؛ إذ ورد في اللغة «جشّ البئر» بمعنى نقّاها وأزال ما تراكم فيها من طين ووحل، وهو معنى لا يبدو بعيدًا عن بيئة زراعية اعتمدت قرونًا على العيون والآبار، كالقطيف والأحساء.

وهناك كذلك احتمال يتلاءم بدرجة كبيرة مع طبيعة الموقع، وهو ارتباط الاسم باجتماع النبات والحشيش وكثرته، وهو تفسير يناسب الطبيعة الزراعية القديمة للجش وما عرفته من وفرة المياه والنخيل والمزارع.

أما معنى اجتماع الناس أو إقبالهم معًا، فقد ذكر الأستاذ لؤي سنبل، في سياق حديثه عن الجش، أن أهلها كانوا إذا أرادوا النزول إلى مركز القطيف لا ينزلون فرادى، وإنما يتحركون في جماعات. وهي ملاحظة طريفة من حيث موافقتها لأحد المعاني اللغوية، لكن لا يمك اعتمادها سببًا تاريخيًا للتسمية، كما يؤكد الأستاذ لؤي في توضيحه: ” أنه أيضا لا يرى هذا الاحتمال يتعلق بالتسمية، وذلك أن ما ذكره كان في حياة أحد شيوخ الجش وهو أحمد بن كاظم ، والتسمية سابقة له”.

كما ذهب بعض الباحثين إلى احتمال أن يكون الاسم منسوبًا إلى رجل أو بطن من قبيلة حمل اسم «جش»، ثم انتقلت التسمية إلى الموضع، كما وقع في كثير من أسماء القرى العربية.

وهكذا يبقى أصل اسم الجش مفتوحًا للاجتهاد والترجيح. ولعل تعدد المواضع العربية التي تحمل الاسم نفسه أو اسمًا قريبًا منه يقوي احتمال أن الاسم أقدم من القرية بصورتها الحالية، وأن وراءه أصلًا لغويًا أو جغرافيًا قديمًا، وإن تعذر علينا حتى الآن تحديده على وجه اليقين.

الجش القديمة

إذا كان أصل الاسم موضع اجتهاد، فإن قدم الاستيطان في منطقة الجش أكثر وضوحًا. فقد عرفت المنطقة نشاطًا بشريًا منذ قرون بعيدة، وارتبطت بعض مواقعها بالأحداث التي شهدتها بلاد البحرين التاريخية في العصر العباسي، ولا سيما زمن القرامطة.

وتربط بعض الروايات المحلية المنطقة بالأحداث التي أعقبت اقتلاع القرامطة الحجر الأسود من مكة المكرمة سنة 317هـ؛ إذ أخذوه إلى المنطقة التي كانت قد خضعت لسيطرتهم بعد توسعهم في إقليم البحرين التاريخي، ومنه القطيف، التي سبق أن غزوها وهاجموا عاصمتها الزارة وأحرقوها.

ويشار في هذا السياق إلى الموقع المعروف بعين الكعبة أو الچعبة، الواقع في المنطقة بين سيهات والجش الحالية. وقد دفعت هذه الصلة بعض الباحثين إلى الاستدلال بها على قدم الاستيطان في نطاق الجش، وإن كانت التفاصيل المتعلقة بالمكان الذي وضع فيه الحجر الأسود، وطبيعة البناء المرتبط به، تحتاج إلى التمييز بين ما تثبته المصادر التاريخية وما توارثته الرواية المحلية.

ولم تكن الجش المعروفة اليوم، بحسب الروايات المحلية وبعض الوثائق، تجمعًا سكنيًا واحدًا منذ البداية، بل تكونت من عدة قرى أو تجمعات صغيرة تقاربت ثم اندمجت مع مرور الزمن. ومن الأسماء التي ترد في هذا السياق: الهليلية، والشنية، وبرزة، والبقيلة، ويظهر بعضها في الوثائق العثمانية. ومن أبرز هذه التجمعات «القويع»، التي كانت قرية مستقلة لها مشيختها ووجهاؤها ومجالسها الخاصة.

تشكل الجش الحالية

وفي مرحلة لاحقة اندمجت القويع مع الجش بمبادرة من أحد وجهاء الجش، الحاج علي بن كاظم آل سنبل، على أن تبقى المشيخة الداخلية للقويع في أسرة آل عبد الحسن (المحسن)، بينما تتولى الجش إدارة العلاقات الخارجية.

ويعكس هذا الاتفاق، كما ترويه الذاكرة المحلية، صيغة اجتماعية هدفت إلى المحافظة على مكانة الطرفين وتجنب أسباب الخلاف. وكانت الزعامة في المجتمعات التقليدية تعتمد، إلى جانب الشجاعة والقدرة على القيادة، على المكانة الاجتماعية والقدرة المالية؛ إذ كان الشيخ أو الوجيه يتحمل جانبًا من أعباء الضيافة والمساعدة والدفاع عن الجماعة.

وتشير الروايات المحلية أيضًا إلى تعاون الجش والقويع في الدفاع عن المنطقة؛ فكانت الجش تجهز نحو خمسين مقاتلًا، بينما تجهز القويع قرابة مئة مقاتل، لتشكيل قوة مشتركة عند الحاجة.

ويعكس ذلك أهمية موقعهما عند الطرف الغربي من الواحة، في مواجهة الطرق البرية التي كانت تأتي منها بعض الغارات في أزمنة ضعف الأمن أو القحط.

وعندما وصف لوريمر الجش في مطلع القرن العشرين، كانت قرية مسورة تضم نحو 250 منزلًا، بعضها مبني بالحجارة والطين، مع وجود عدد من المنازل خارج السور. كما أشار إلى وجود ينابيع للمياه العذبة بجوار المسجد خارج سور القرية، وظلت آثار بعضها معروفة إلى عهد قريب.

وهكذا تبدو الجش الحديثة حصيلة تاريخ طويل من التجمعات السكانية الصغيرة التي تقاربت واتصل عمرانها حتى أصبحت بلدة واحدة.

الجش والبادية

أثر موقع الجش عند طرف الواحة في طبيعة علاقتها بالمناطق الصحراوية المجاورة وبجماعات البادية التي كانت تجاور بر القطيف. وقد تعامل أهل الجش مع هذه الجماعات في كثير من الأحيان بالكرم والمساعدة، إدراكًا منهم لطبيعة الحياة الصحراوية وما كانت تتعرض له من سنوات قحط وشح في الموارد. وكان بعض المارين بالجش يخرجون منها محملين بالتمر والمؤن.

وفي أوقات القحط الشديد كانت بعض جماعات البادية تلجأ إلى الإغارة على المزارع طلبًا للطعام والمؤونة، ولذلك حاول وجهاء الجش التعامل مع هذه الظروف بالحكمة وبناء علاقات تقوم على المساعدة والضيافة ما أمكن ذلك، اتقاءً للنزاع وحفاظًا على المزارع والأهالي.

ويروى أن الحاج علي بن كاظم آل سنبل والشيخ بدر آل سنبل كانا يتحملان جانبًا كبيرًا من أعباء الضيافة والمساعدات، حتى إنهما كانا يضطران أحيانًا إلى بيع شيء من أملاكهما من النخيل للوفاء بهذه الالتزامات.

وكانت تلك الالتزامات تأتي في وقت يرزح فيه المزارعون تحت أعباء الضرائب التي كانت تجبى في العهد العثماني، وكان الأهالي يشكون من ثقلها واستنزافها جانبًا كبيرًا من عوائد الزراعة.

ولعل المثل الذي ذكره الأستاذ لؤي سنبل «غناها سر بلاها» يلخص جانبًا من حال القطيف آنذاك؛ فخصوبة الأرض ووفرة الإنتاج جعلتاها في الوقت نفسه موضعًا للضرائب والأطماع.

ولهذا كان لبعض شخصيات الجش، إلى جانب وجهاء من بقية قرى القطيف، دور في المطالبة بتخفيف الضرائب والحد مما كانوا يرونه إجحافًا بحق المزارعين.

الحياة الاقتصادية

الزراعة: اعتمدت الجش، كسائر قرى واحة القطيف، على الزراعة بوصفها المصدر الرئيس للرزق طوال قرون. وكانت البساتين والمزارع تحيط بالبلدة من جهاتها المختلفة، وتتميز بكثافة نخيلها وتنوع محاصيلها.

وبعد ظهور صناعة النفط واتساع فرص العمل في شركة أرامكو السعودية وغيرها من القطاعات الحديثة، اتجه كثير من الأهالي إلى العمل في هذه القطاعات، فتراجعت مكانة الزراعة بوصفها المورد الاقتصادي الأول، لكنها لم تختف من حياة البلدة.

وظل الاهتمام بالفلاحة قائمًا، وظهرت محال لبيع المواد والمعدات الزراعية، إلى جانب المشاتل المتخصصة ومشتل وزارة الزراعة ومركز مكافحة سوسة النخيل.

وكانت مزارع الجش تنتج، إلى جانب أصناف الرطب والتمور المعروفة في المنطقة، الليمون بنوعيه الصغير والكبير «الترنج»، واللوز، والعنب، والموز، والتوت، والباذنجان، والكوسة، والبطاطا، والطماطم، والبقول، إلى جانب أنواع من الورود وأشجار الزينة.

الورد الجشي: ومن السمات الزراعية التي ميزت الجش على وجه الخصوص زراعة الورد. فقد اشتهرت بعض مزارعها بإنتاج كميات كبيرة منه، حتى إن بعض المزارع كان ينتج في موسم الورد ما بين ألفين وثلاثة آلاف وردة في اليوم.

وبتشجيع من أهل الجش انتقلت عائلة من مركز القطيف إلى البلدة وأسست صناعة محلية لماء الورد وبعض المنتجات العطرية، ومنها دهن الورد، وهو ما يعكس اهتمام أهل الجش بتطوير مواردهم الزراعية وتحويل بعضها إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية أكبر.

ومن الشخصيات التي ارتبط اسمها بمحاولات تطوير موارد البلدة الاقتصادية الحاج علي بن كاظم آل سنبل. وكانت زراعة الورد وصناعته تمثل جانبًا مميزًا من هوية الجش الزراعية، قبل أن تتراجع في العقود الأخيرة حتى كادت تختفي.

العيون والمياه: وما كان لهذه الزراعة أن تزدهر لولا وفرة المياه التي عرفت بها الجش وواحة القطيف عمومًا. فقد اشتهرت المنطقة بكثرة العيون والآبار، ويقدر عدد ما عرف منها في نطاق الجش بنحو ثلاثين عينًا وبئرًا.

ومن أسمائها: عين العبي، والهليلية، والشنية، والبقلية، والكعبة أو الچعبة، والزيادية بفروعها الشمالية والوسطى والشرقية، وعين العمارة، والدالوة في القويع، والمليكيات، وأم بطي، وعوينة الوشل، والصايغية ، والعوينات، وبئر اليماحي، وبئر خالد، وبئر أم رحال، وبئر الإصباح، وبئر القويدي.

وقد اندثر معظم هذه العيون أو توقف جريانها مع التحولات التي أصابت المياه الجوفية في واحة القطيف خلال العصر الحديث، فاختفى معها جانب كبير من المشهد الزراعي الذي عرفته الجش أجيالًا طويلة.

التوسع العمراني

مع تغير الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة، أخذ عمران الجش يتجاوز حدود القرية القديمة، واتسعت الأحياء الجديدة على حساب جزء من البساتين والمزارع المحيطة بها.

وظهرت مخططات حديثة، من بينها مخططات الجش «أ» و«ب» و«ج»، وزودت البلدة ومحيطها بعدد من المرافق العامة، منها مركز الدفاع المدني الذي يخدم الجش والقرى المجاورة، وفرع لبلدية القطيف، ومركز للرعاية الصحية.

ولم يعد أثر التوسع مقتصرًا على احتياجات سكان الجش أنفسهم؛ فقد ساعد موقع البلدة واتساع الأراضي المحيطة بها على إقامة عدد من المنشآت التي تخدم محافظة القطيف عمومًا، ومن أبرزها مستشفى القطيف المركزي، ومدينة الأمير نايف الرياضية، وكلية التميز، ومقر الأحوال المدنية، ومشتل وزارة الزراعة ومركز مكافحة سوسة النخيل، وإسكان القطيف العام، إضافة إلى مقر نادي الترجي وملاعبه.

وقد زادت هذه المنشآت من أهمية الجش الجغرافية والإدارية والاقتصادية، ورسخت موقعها باعتبارها إحدى البلدات المهمة في جنوب غربي محافظة القطيف.

المنشآت التعليمية

عرفت الجش التعليم الديني التقليدي قبل ظهور التعليم النظامي الحديث. ويذكر أن الشيخ حسن علي البدر أقام في الجش فترة من الزمن، وقد تكفل أهل الجش بإقامته، ووفروا له مسكنًا ومكانًا للتدريس يقصده العلماء وطلبة العلم. وكان التلميذ الأساسي الذي جاء له الشيخ البدر هو الشيخ بدر آل سنبل. وكان من بين من درس على يدي الشيخ البدر نخبة من طلاب العلم من الجش والقرى المجاورة ومنهم العلامة الشيخ منصور المرهون، من أهالي أم الحمام، والملا علي آل درويش والملا عبدالله آل أبو علي من الملاحة، كما تذكر الرواية المحلية صلة الحاج علي بن كاظم آل سنبل بهذا المجلس العلمي.

وفي العهد الحديث نالت الجش نصيبها من التعليم الحكومي مبكرًا؛ إذ أنشئت فيها مدرسة الجش الابتدائية الأولى للبنين عام 1378هـ، في مبنى حديث بمقاييس ذلك الوقت.

ولم تقتصر المدرسة على أبناء الجش، بل درس فيها أيضًا طلاب من بلدتي الملاحة وأم الحمام إلى أن افتتحت المدارس الحكومية فيهما.

ثم توالى افتتاح المدارس للبنين والبنات مع ازدياد السكان واتساع البلدة؛ فافتتحت مدرسة الجش المتوسطة عام 1390هـ، ومدرسة الجش الابتدائية للبنات عام 1391هـ، ثم المدرسة الابتدائية الثانية للبنات والمدرسة المتوسطة للبنات عام 1403هـ، والثانوية للبنات عام 1411هـ، والمدرسة الابتدائية الثانية للبنين «ابن الجوزي» عام 1412هـ.

ويكشف هذا التوسع في المنشآت التعليمية عن التحول الذي شهدته الجش، شأنها شأن بقية بلدات القطيف، من أنماط التعليم التقليدي المحدود إلى انتشار التعليم النظامي للبنين والبنات.

الحركة العلمية والثقافية

لم تقتصر الحركة الثقافية في الجش على التعليم النظامي، بل نشطت فيها المؤسسات والمنتديات والمبادرات الأهلية التي أسهمت في نشر القراءة والأدب والشعر.

وكان للجمعية الخيرية والنادي ومكتبة العباس دور في هذا الجانب، من خلال إتاحة الكتب للقراءة والاستعارة، وإقامة المسابقات الثقافية والبحوث الرمضانية، إلى جانب المحاضرات والأنشطة المختلفة.

ومن التجارب الثقافية اللافتة في البلدة «منتدى الفجر الأدبي»، الذي تأسس نحو سنة 1416هـ، وشكل مساحة تجمع لعدد من شعراء الجش والمهتمين بالأدب.

وقد أصدر المنتدى عشرة أعداد من مجلة «الفجر الأدبي» وثلاثة ملفات أدبية، وأقام عددًا من الأمسيات الشعرية، وكان معظم أعضائه يمارسون كتابة الشعر.

ومن الأسماء التي ارتبطت بالمنتدى والحركة الشعرية في الجش: محمد الزاير، وقيس المهنا، وعون المهنا، وعلي المهنا، وعيسى العلي، وعيسى المهنا، وعباس المهنا.

وبرز في البلدة كذلك عدد من الشعراء والأدباء، من بينهم المرحوم الأديب حسن علي حسين آل خواهر، الذي نشأ وترعرع في الجش وعرف بقصائده الاجتماعية والولائية، وله ديوان مطبوع بعنوان «رماد البعد» صدر سنة 2005م، وديوان مخطوط بعنوان «مداد الرماد». وحظيت الجش بالكثير من الشعراء المبدعين، ومنهم:

• الشيخ نزار آل سنبل
• الشيخ منصور الجشي
• الشيخ جاسم حمود
• الشيخ عبدالله آل سنبل
• مجتبى علي سنبل
• علي أحمد آل خواهر
• حسن علي آل خواهر
• قيس عيسى المهنا
• علي عيسى المهنا
• عون مهدي المهنا
• عباس مهدي المهنا
• زهير عبد الله المهنا
• محمد عبد الله المهنا
• حسين الثواب
• السيد عباس الجراش
• عيسى أحمد العلي
• مهدي عيسى آل إبراهيم

وتشير المادة المتوافرة عن الحركة الأدبية فيها إلى وجود عدد ملحوظ من الشعراء المعاصرين وأصحاب الإنتاج الأدبي، فضلًا عن عدد من الكتاب الذين كانت لهم مشاركات في الصحافة السعودية.

ويبدو من هذا النشاط أن للجش تقليدًا شعريًا وأدبيًا ملحوظًا، لم يقتصر على أفراد متفرقين، بل أخذ في بعض مراحله صورة نشاط ثقافي منظم.

وتبقى أعداد مجلة «الفجر الأدبي» والملفات التي أصدرها المنتدى مصدرًا جديرًا بالرجوع إليه لاستكمال صورة الحركة الأدبية والثقافية في البلدة.

ومع هذا الثراء الشعري، لم أجد حتى الآن قصيدة تاريخية قديمة يمكن الاستشهاد بها بوصفها وصفًا للجش القديمة، وهو ما يترك المجال مفتوحًا لمزيد من البحث في الدواوين والمخطوطات والمجلات المحلية.

الحياة الاجتماعية

عرفت الجش نشاطًا اجتماعيًا أهليًا مبكرًا، ومن أبرز مؤسساته الجمعية الخيرية للخدمات الاجتماعية، التي سجلت رسميًا لدى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عام 1402هـ، ثم أنشئ لها مبنى مستقل بجهود العاملين فيها وأهالي البلدة.

وقدمت الجمعية على مر السنين خدمات متنوعة للأهالي، شملت المساعدات الاجتماعية والرعاية الصحية، ومساعدة الطلبة والمقبلين على الزواج، وتحسين المساكن وكفالة الأيتام، إلى جانب إدارة أنشطة روضة الطفل السعيد والحضانة.

كما أقامت دورات تعليمية وتثقيفية ومحاضرات وندوات صحية، وشاركت في المناسبات الوطنية والعامة.

وامتدت الخدمات الاجتماعية إلى الإرشاد والتوجيه الأسري، من خلال مركز اجتماعي يسهم في معالجة بعض المشكلات الاجتماعية والنفسية التي قد يتعرض لها أفراد المجتمع، بالاستعانة بمختصين في الخدمة الاجتماعية وعلم النفس والطب النفسي، وتقديم الاستشارات في إطار يحفظ السرية والمهنية.

ومن التجارب الاجتماعية التي اشتهرت بها الجش ريادتها في الزواج الجماعي؛ إذ أقيم فيها سنة 1411هـ/1990م مهرجان للزواج الجماعي شارك فيه 64 عريسًا وعروسًا، وتذكر المصادر المحلية أنه كان أول مهرجان من نوعه على مستوى المملكة.

واستمرت تجربة الزواج الجماعي في البلدة حتى عام 1424هـ. وقد شكلت هذه التجربة صورة من صور التعاون الاجتماعي وتخفيف تكاليف الزواج، وانتقلت الفكرة بعد ذلك إلى بلدات أخرى في القطيف.

كما ارتبطت مهرجانات الزواج الجماعي في المنطقة بالنشاط الثقافي والشعري، إذ كانت القصائد تلقى في كثير من تلك المناسبات إلى جانب البرامج الاجتماعية والاحتفالية.

نادي الهداية

يمثل نادي الهداية أحد أبرز المؤسسات الاجتماعية والرياضية والثقافية في الجش. وتعود بداياته إلى عام 1376هـ، ثم سجل رسميًا في الرئاسة العامة لرعاية الشباب عام 1399هـ، وكان منصور عبدالله آل سلام أول رئيس للنادي.

وتنوعت أنشطة النادي بين الرياضة والثقافة والعمل الاجتماعي، ووفرت منشآته صالات ومرافق لعدد من الألعاب، منها تنس الطاولة والمبارزة ورفع الأثقال وبناء الأجسام وكرة السلة والكرة الطائرة وكرة اليد.

وحقق النادي عددًا من الإنجازات الرياضية، من بينها بطولة كرة اليد على مستوى المنطقة الشرقية عام 1424هـ، كما حقق إنجازات على مستوى المملكة في بناء الأجسام، وبرز عدد من لاعبيه في رياضة المبارزة، ومثل بعضهم المنتخب السعودي في محافل خارجية، ومنهم جميل الثواب ومنصور الحماد.

ولم يقتصر دور النادي على الرياضة؛ فقد ضم مكتبة عامة ومرسمًا ومعرضًا دائمًا للمقتنيات الأثرية ومركزًا للهوايات العلمية، إلى جانب جماعات للعلوم القرآنية والخط العربي والفن التشكيلي والتصوير الضوئي ومصادر المعلومات والفنون المسرحية والأدبية.

وكان لهذا المناخ أثر في تنشيط الحركة الأدبية في البلدة. ويذكر الشاعر منصور الثواب أنه دخل عالم الشعر بتأثير عدد من زملائه في نادي الهداية، ويسمي من بينهم عيسى العلي وعون المهنا ومحمد الزاير، ممن كانوا يكتبون الشعر.

وهكذا لم يكن النادي مؤسسة رياضية فحسب، بل كان أحد الحواضن التي التقت فيها الرياضة بالثقافة والعمل الاجتماعي.

شخصيات الجش

برز في تاريخ الجش عدد من الوجهاء والعلماء والأدباء والشخصيات الاجتماعية الذين كان لهم أثر داخل البلدة وفي محيط القطيف. ومن أبرز الشخصيات القديمة الحاج علي بن كاظم آل سنبل، الذي ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من تاريخ الجش وعلاقتها بالقويع.

وقد وصفه الشيخ فرج العمران في كتابه «الأزهار الأرجية» بأنه «العظيم الشهير الطائر الصيت»، وهو وصف يدل على ما كان يتمتع به من حضور ومكانة اجتماعية. وكان الحاج علي ناظمًا للشعر، وعرف بالكرم والعطاء، حتى كني بـ«مْعشّي الطرفة»، في إشارة إلى امتداد كرمه إلى أهل الصحراء، حيث تنمو شجرة الطرفاء المعروفة بالأثل.

ومن شخصيات القويع التاريخية الحاج محمد بن حسين آل عبد الحسن (المحسن)، الذي عرف بحفظ الأنساب ومعرفته الواسعة بأهالي المنطقة وأسرها. ومن الشخصيات العلمية الشيخ أحمد بن عبد الباقي، المنتمي إلى أسرة علمية عرفت بالثراء والمكانة، ثم انقرض عقبها من الرجال في مرحلة لاحقة. ومن أبناء الجش الذين كان لهم حضور اجتماعي وعلمي كذلك صالح العكري وهو أحد زعماء الجش القدامى.

ولم يخل تاريخ الجش من شخصيات نسائية تركت أثرًا في مجتمعها؛ ومنهن طيبة بنت علي بن بدر، التي عرفت بالثراء وسعة الحال، وحصة المغاسلة، التي بنت مسجد عين العمارة داخل سور الجش وأوقفته.

ومن الأسر القديمة المعروفة في الجش آل عبد الحسن (المحسن)، وآل سنبل، والمغاسلة، والمحفوظ، وآل مُسَلَّم، وقد انتقل بعض أفراد الأسرة الأخيرة في مرحلة لاحقة إلى بلدة الملاحة.

ومن الشخصيات التي يشار إلى دورها في تاريخ الجش الحديث الحاج أحمد آل سنبل «أبو منصور»، جد الشيخ/المهندس كمال سنبل، الذي كان من الشخصيات المعروفة على مستوى القطيف، وأسهم في عدد من الأعمال المرتبطة بتطور الجش الحديثة.

وفي المجال الديني برز عدد من العلماء والخطباء، ومن الشخصيات المعاصرة المعروفة:

الشيخ نزار بن محمد شوقي بن عبد الرزاق بن الشيخ بدر آل سنبل، ولد سنة 1385هـ/1965م. وهو من أبرز الشخصيات العلمية في القطيف عرفت ببحوثها في المجال العلمي، إضافة إلى المجال الأدبي والشعري. درس الشيخ نزار في الحوزة العلمية في القطيف، والنجف الأشرف، وقم المقدسة، وله مشاركات في النوادي الأدبية والثقافية، كما نشر عددًا من قصائده في مجلتي «الموسم» و«التوحيد». وله عدد من المؤلفات العلمية والأدبية، منها: «المغني في الأصول»، و«توحيد العبادة»، و«معالم مهدوية»، و«حديث الطير»، و«أهل البيت عليهم السلام في الشعر القطيفي المعاصر»، و«المختصر في العقائد»، و«حديث الغدير برواية ابن كثير»، و«استصحاب العدم الأزلي»، و«بغية الراغب في مباني المكاسب»، و«وارثة خديجة»، و«أم سلمة أم المؤمنين»، ورواية «عندما يُرفع الستار»، وديوان «الحسين (ع) بين الولادة والشهادة في روايات الذهبي والهيثمي».

الشيخ منصور السلمان «الجشي»، الذي عرف بنشاطه الاجتماعي ومبادراته في خدمة المجتمع، إلى جانب حضوره الخطابي وما يتميز به من بلاغة وقدرة على التأثير والتواصل مع الجمهور.

كما برز الأديب والمؤرخ الأستاذ لؤي آل سنبل، ومن شعراء البلدة منصور حسن الثواب، الذي عرف بكتابة الشعر العمودي المقفى، وبدأ تجربته الشعرية في وقت مبكر متأثرًا بالمناخ الأدبي المحيط به.

وبرز كذلك عدد من الكتاب والباحثين من أسرة المحفوظ وغيرهم ممن كانت لهم إسهامات في الكتابة عن المجتمع المحلي وشؤون المنطقة.

وفي العمل الاجتماعي يذكر المرحوم إبراهيم أحمد المحفوظ، الذي كان أول رئيس لمجلس إدارة الجمعية الخيرية، وكان له حضور في مرحلة تأسيس العمل الاجتماعي المنظم في البلدة.

ومن شخصيات الجش المعروفة في المجال الفني والإعلامي الفنان عبد الناصر الزاير، الذي امتدت تجربته الفنية إلى التمثيل والإخراج والتأليف والتلحين والعمل الإذاعي. بدأ مسيرته بدور صغير في مسلسل «جحا» عبر تلفزيون الدمام، ثم درس في المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت، وانضم إلى مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك، وشارك في عدد من أعمالها، من بينها «نساء في شعاع النبوة» و«مولد أمة»، قبل أن تتسع مشاركاته لتشمل المسرح والتلفزيون والإذاعة.

كما شارك في عدد من البرامج التوعوية الخليجية، من أبرزها «الكشاف» وبرنامج «سلامتك» الشهير، الذي ظل سنوات طويلة حاضرًا في وسائل الإعلام الخليجية. وكان عضوًا في المسرح الشعبي بالكويت، وتولى عددًا من المسؤوليات الفنية والإدارية، منها رئاسة قسم الدوبلاج ومراقبة التخطيط والبرامج في مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك، ورئاسة قسم المسرح في الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالدمام.

ولا بد، قبل الختام، من الإشادة بالأستاذين الكريمين: علي المغاسلة (أبو رائد)، والأستاذ طاهر حسن عبد الله العلي (أبو جمال)، اللذين يعكسان صورةً ناصعةً عن الجش وأهلها؛ بما عُرفا به من كرم الأخلاق، والوعي الثقافي، والذكاء الاجتماعي، والقدرة على بناء العلاقات الاجتماعية على مستوى المنطقة، إلى جانب اهتمامهما بجيل الناشئة، وتشجيع الكفاءات، ودعم المبادرات المجتمعية.

كما أشيد بما قدّمه الشيخ كمال آل سنبل والأستاذ لؤي آل سنبل من مراجعةٍ لهذا العمل، وإبداء ملاحظاتٍ قيّمة. والشكر موصول للأستاذ طاهر العلي على ما قدّمه من صور توثيقية رائعة عززت مادة هذا المقال.

معدن الخير

وقد حظيت الجش وأهلها أيضًا بحضور في الشعر، ومن ذلك ما قاله المرحوم الشاعر محمد الزهيري مادحًا البلدة:

هي الجش عين الخط … أم معدن الخيرِ
أرى أهلها اعتدوا … إلى نصرة المهدي

و«اعتدوا» من التعبير المحلي، وهي هنا بمعنى «استعدوا».

ولعل هذين البيتين، على بساطتهما، يختصران شيئًا من الصورة التي أراد الشاعر أن يرسمها للجش: قرية من قرى «الخط» القديمة، ارتبط اسمها في ذاكرته بالخير وأهلها.

خاتمة

وهكذا تبدو الجش واحدة من القرى التاريخية العريقة في واحة القطيف؛ ورد اسمها في المصادر منذ قرون طويلة، وشهدت انتقالها من تجمعات سكانية صغيرة متجاورة إلى بلدة واحدة، ثم من قرية زراعية تحيط بها النخيل والعيون إلى بلدة حديثة تحتضن عددًا من المنشآت المهمة التي تخدم محافظة القطيف بأسرها.

ومع هذا التحول بقيت في الذاكرة أسماء القرى القديمة والعيون والبساتين، وظلت حكايات الورد والنخيل والماء، وأخبار رجالات البلدة وشعرائها ومؤسساتها الاجتماعية، تحفظ جانبًا من هويتها.

وما يزال تاريخ الجش يحمل صفحات تستحق مزيدًا من البحث في الوثائق والمخطوطات والمجلات القديمة والروايات الشفوية؛ فلعل الأيام تكشف عن نصوص أو شواهد جديدة تضيء بدايات هذه البلدة، وتوضح أصل اسمها، وتروي مزيدًا من تفاصيل تطورها عبر الزمن.

” مَوَدَّةُ الجَشِّ “

يا جَشُّ، حُبُّكِ في الفؤادِ تأصَّلَا
مَهْمَا نَأَيْتُ، يَظَلُّ فِيكِ مُخَلَّدَا

فِيكِ الحَبِيبُ، وَفِي ثَرَاكِ مَوَدَّتِي
وَإِلَيْكِ شَوْقِي دَائِمًا مُتَجَدِّدَا

إِنْ مَرَّ طَيْفُكِ فِي الصَّبَاحِ بِخَاطِرِي
عَادَ الحَنِينُ، وَفِي الفُؤَادِ تَوَقَّدَا

وَأَعَادَ لِي عَهْدَ الجُدُودِ كَأَنَّمَا
ذَاكَ الزَّمَانُ عَلَى ثَرَاكِ تَجَدَّدَا

إِنْ بَاعَدَتْ بَيْنِي وَبَيْنَكِ أَدْهُرٌ
ظَلَّ الحَنِينُ إِلَى ثَرَاكِ مُؤَبَّدَا

حَتَّى إِذَا شَاءَ الإِلَهُ تَقَارُبًا
عُدْتُ إِلَيْكِ، وَكُنْتِ أَنْتِ المَوْرِدَا

لِأَخُطَّ مِنْ حُبِّي إِلَيْكِ قَصِيدَةً
وَتَظَلَّ ذِكْرَاكِ الجَمِيلَةُ سَرْمَدَا

قريبا: نزهة في تراث القطيف الجغرافي (ج8)
لقراءة الجزء الأول: https://www.qatifscience.com/?p=33195
لقراءة الجزء الثاني: https://www.qatifscience.com/?p=33311
لقراءة الجزء الثالث: https://www.qatifscience.com/?p=33579
لقراءة الجزء الرابع: https://www.qatifscience.com/?p=34101
لقراءة الجزء الخامس: https://www.qatifscience.com/?p=34627
لقراءة الجزء السادس: https://www.qatifscience.com/?p=34892
المهندس علي الجشي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *