لماذا تأتينا أفضل الأفكار أثناء الاستحمام؟ – بقلم صادق باقر بوعبدالله

ربما لاحظت هذا من قبل. تقضي ساعات أمام ورقة بيضاء أو شاشة مضاءة تبحث عن حل، ثم فجأة، تحت الماء الدافئ، تنقدح الفكرة التي كنت تبحث عنها. ليس صدفة، وليس سحراً.

{العلم يشرح ما يجري في رأسك تحديداً في تلك اللحظة}

عندما تركز بجد على مشكلة ما، يكون دماغك في وضع يسميه علماء الأعصاب “الشبكة التنفيذية” وهي حالة تحليلية مشدودة، لكنها تُضيّق مجال الرؤية. حين تدخل الحمام وتستسلم لدفء الماء، يتحول الدماغ إلى “شبكة الوضع الافتراضي” (Default Mode Network)، وهي الشبكة التي تنشط تحديداً حين تتوقف عن التفكير المقصود.

وهنا يبدأ الإبداع الحقيقي.

هذه الشبكة هي التي تربط أفكاراً تبدو متباعدة، وتجمع تجارب قديمة بمشكلات حديثة وكل ذلك بعيداً عن وعيك المباشر.

يُضاف إلى ذلك أن الحمام الدافئ يرفع مستويات الدوبامين في الجسم الناقل العصبي المرتبط بالإبداع والتفكير الجانبي. كما أن الخصوصية التامة وغياب الإشعارات والمشتتات تُهيئ بيئة نادراً ما نجدها في يومنا المزدحم.

[بمعنى آخر: الحمام هو المكان الوحيد المتبقي في حياة الإنسان المعاصر الذي لا يوجد فيه شاشة تنتظر منك شيئاً]

هناك دراسة نُشرت في مجلة (Psychological Science) وجدت أن المشاركين في حالة مزاج إيجابي وتشتت ذهني خفيف كانوا أكثر قدرة على حل مسائل تتطلب “أفكاراً مفاجئة” مقارنة بمن كانوا في حالة تركيز شديد. الحمام يجمع هذين الشرطين معاً: مزاج مريح، وتشتت لطيف.

فإن كنت عالقاً في مشكلة ما، توقف عن التحديق فيها. اذهب لنزهة قصيرة، أو استحم، أو افعل أي شيء روتيني لا يحتاج تفكيراً. الدماغ لا يحتاج أحياناً إلى مزيد من الضغط، بل يحتاج إلى مساحة.

الفكرة العبقرية لا تُولد من الإجهاد بل تنتظر لحظة الصمت لتطفو إلى السطح.

صادق باقر بوعبدالله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *