قراءة في حنين الجذع وتجليات النور عند حبيب المعاتيق.. دراسة أسلوبية – بقلم السيد قصي الخباز

” تمهيد “
توقفت وأنا أُطالع ديوان ند عند قصيدة ولا يكف الحنين وأعدتُ قراءتها مرات عدة وكأن شيئًا مجردا يوجهني للوقوف وعدم التجاوز وقد جادت قريحة الشاعر المبدع “حبيب المعاتيق” في هذه الرقيمة النورانية بما يسرُّ الأرواح وتخضع له القلوب، فقد أجرى الله على لسانه نفحاتٍ جليلة، واستدعاءً صوفياً شفيفاً لحنين الجذع الشريف، فنَظَم قلادة العشق المحمدي، فصلوات الله وسلامه على صاحب المقام الأسمى وعلى آله الطيبين الطاهرين، وجزى الله الشاعر خير الجزاء ورفع درجاته وبارك في أثره وقلمه ودام عزه ملاطفًا أوتار القلوب المتذوقة.
وقد استأذنته في أن أقدم قراءة اسلوبية تحليلية بحسب ذائقتي البسيطة فإن أخطأت فمن عندي، وإن أصبت فمن عند الله وبه استعين.
وقبل الولوج إلى هذه الدراسة لابد من إيراد النص كاملا حتى تعيش معي أيها القارئ أجواء هذه الدراسة:

{ ولا يكف الحنين }
سَهلٌ عَلَى خَاطِرِ الدُّنيَا تَحَوُّلُهُ كَأَنَّ أَصعَبَ مَا فِي الحُبِّ أَسهَلُهُ
وَرُبَّ جَارِحَةٍ فِي القَلبِ يَقتُلُهَا هَذَا الحَنِينُ وَحُضنٌ مِنهُ يَقتُلُهُ
وَقَد يُجَازَى مِنَ الأَحضَانِ مُرتَعِدٌ فِي البَردِ أَدفَأَ مِمَّا كَانَ يَأمَلُهُ
كَأَنَّ بِي وَالهَوَى العُذرِيَّ يَنقُلُنِي هَونًا إِلَى وَجهِكَ الأَسنَى وَأَنقُلُهُ
وَحَيثُ قَلبِيَ قَد أَزرَى الحَنِينُ بِهِ يَذُوبُ فِي البَردِ لَا حُضنٌ يُعَلِّلُهُ
تَنَزَّلَت مِن شُعُورِ الجِذعِ لِي لُغَةٌ مِنَ الحَنِينِ الَّذِي يُوحَى تَنَزُّلُهُ
كُنتُ انطَفَأتُ طَوِيلًا، مَن أَعَادَ دَمِي! وَرَاحَ فِي مِجمَرِ الأَشوَاقِ يُشعِلُهُ
وَصَارَ يُشرِقُ فِي ذَاتِي وَيَهمِسُ لِي هَمسًا عَلَى هَيئَةِ الأَنوَارِ يُرسِلُهُ
فكُلَّمَا مَاتَ فِيَّ الضَّوءُ يَهمِسُ لِي وَكُلَّمَا عَنَّتِ الظَّلمَاءُ أَسأَلُهُ
تَأَمَّلَتهُ جُذُورِي؛ كَادَ يُحْرِقُنِي مِن شِدَّةِ الضَّوءِ يَا رَبِّي تَأَمُّلُهُ
وَهَا أَنَا فِي جَدِيبِ العُمرِ لِي كَبِدٌ حَرَّى وَقَلبٌ يَبِيسٌ غِيضَ مَنْهَلُهُ
أَتَيتُ أَتبَعُ فِي المَمشَى غَمَامَتَهُ فَقِيلَ لَا مَطَرٌ؛ كَانَت تُظَلِّلُهُ
المَاءُ فِي ظِلِّهَا يَمشِي عَلَى قَدَمٍ تَبتَلُّ مِنهُ السَّمَا لَيسَت تُبَلِّلُهُ
تَجرِي الجَدَاوِلُ لَا جَذرٌ تَلُوذُ بِهِ وَهُوَ الَّذِي فِي جُذُورِ الغَيبِ جَدوَلُهُ
وَقَد رَمَيتُ بِثَغرٍ ظَامِئٍ كَلِفًا يَفُورُ بَينَ الظَّمَا وَالعِشقِ مَرجَلُهُ
وَرُبَّمَا ذَابَ فِي فَرطِ الهَوَى ظَمَئِي فَجِئتُ لِلمَاءِ ظَمآنًا أُقَبِّلُهُ
مَا كَوثَرُ الغَيبِ إِلَّا فِي حَقِيقَتِهِ نَعتٌ لِذَاتِكَ لَا مَعنًى نُؤَوِّلُهُ
وَمَا السَّنَا مِنكَ إِلَّا وَقدُ بَارِقَةٍ هُنَاكَ لِلشَّمسِ لَمْ تَبرَح تُجَلِّلُهُ
وَمَا الحَمَامَةُ إِلَّا دَورُ غَيرَتِنَا عَلَيكَ فِي الغَارِ يَا طَه تُمَثِّلُهُ
وَالعَنكَبُوتُ وَمَا خَاطَت وَمَا غَزَلَت كَانَت تُخِيطُ وَنَحنُ الحُبَّ نَغزِلُهُ
مُسَافِرُونَ مِنَ الأَصلَابِ يَحمِلُنَا هَذَا الهَوَى دَارُكَ الأُولَى وَنَحمِلُهُ
وَسَائِرُونَ يَسِيرُ الْحُبُّ فِي خَجَلٍ زَحفًا إِلَيْكَ إِذَا خَانَتهُ أَرجُلُهُ
مُوَلَّهُونَ قُدَامَى فَاضَ خَاطِرُنَا فَمَن يُجِيرُ قُدَامَى الحُبِّ لَو وَلِهُوا
سِرنَا الشَّآمَ شَهِدنَا حَبلَ أَسئِلَةٍ عَلَى وَسَامَتِكَ الرُّهبَانُ تَفتِلُهُ
هُم وَحَّدُوا اللَّهَ قَالُوا: هَكَذَا أَبَدًا لَا بُدَّ يُؤتَى تَمَامَ النُّورِ مُرسِلُهُ
مَشَى الجَمَالُ بَعِيدًا وَانتَهَى أَلَقًا إِلَى مَلَامِحِ هَذَا الوَجهِ أَجمَلُهُ
سِرنَا وَكَانَت ظِلَالُ الحُبِّ تَتبَعُنَا وَأَنتَ لَا ظِلَّ، أَنتَ النُّورُ أَكمَلُهُ
رُحنَا نَخِيطُ مِنَ الْأَزهَارِ مُنتَعَلًا مَقَاسَ خَطوِكَ فِي البَيدَا نُفَصِّلُهُ
وَكُلَّمَا قَصُرَت فِي الدَّربِ خُطْوَتُنَا أَلوَى هَوَاكَ لِهَذَا النَّقصِ يُكمِلُهُ
وَغَابَ خَطوُكَ عَن بَيدَاءِ رِحلَتِنَا أَفضَى إِلَى السِّدرَةِ العُليَا تَنَقُّلُهُ
هُنَاكَ رَاحَ يَحِنُّ الجِذعُ ثَانِيَةً وَعَادَ فِي آخِرِ الأَشوَاقِ أَوَّلُهُ

أعود لأسلك وإياكم المنهج الوصفي التحليلي لتفكيك بنيتها، اعتماداً على أدوات التشريح النقدي واللغوي متخذا من الاستقراء الدقيق والدلالة البلاغية معبراً لاستكشاف المحاور الخمسة التالية:
1. المحور اللغوي محور انتماء الصورة الشعرية
2. الفكرة والجمالية رمزية الجذع وتأثيث المعنى
3. المبحث الصرفي أوزان الأفعال ودلالاتها النفسية والجمالية.
4. الصور البلاغية بيانية التشكيل وعمق الأثر
5. خاتمة القراءة.

وإليك دراسة القصيدة حسب ما رتبناه:

1. المحور اللغوي وانتماء الصورة الشعرية
تعتمد القصيدة حشداً معجمياً متضاداً ومتقاطعاً، يُبنى على ثنائية (الجرد والخصب) و(الظلمة والنور)، لتجسيد المفارقة بين فقر الذات الإنسانية وغنى الذات المحمدية
فتراه في معجم الشوق والوجد (الخصب) يستعمل الألفاظ التالية: (الحنين، ينقلني، يشعله، كلفاً، ولهوا).
والتي تعبر عن حركة جوهرية مستمرة، فالشاعر لا يقف عند حدّ الشوق الساكن، بل يجعله طاقة تحريك ينقله هوناً إلى الوجه الأسنى.
ولا أعني أن اللفظ بمادته ودلالته المجردة هو الذي ينتمي إلى هذه الحركة، بل أن الصورة التي تعطيها الألفاظ عند التركيب والاستعمال.
أما في معجم الجفاف والظمأ (الجدب) فتراه يستعمل المفردات (جديب، كبد حرّى، يَبِس، غيض، ظامئ).
وهي مفردات تضع المتلقي أمام صحراء الروح الإنسانية قبل أن يشرق النور المحمدي فالقلب بلا هذا النور مجرد كبِدٍ حرّى ومنهلٍ مَغيض.
ومن طرف آخر تجده مع معجم النور يستعمل (الوجه الأسنى، مجمَر الأشواق، حياة الأنوار، الضوء، كوثر الغيب).
وهنا تتسامى المفردات لتنقل القارئ من الظمأ المادي إلى الارتواء الروحي.
وليتَ شعري، كيف استطاع الشاعر أن يزاوج بين مفردات “البيداء” و”الماء” و”النور” ليتسرب المحتوى الروحي عبر مفردات مادية حسية بكل هذا الاقتدار؟

2. أما عن الفكرة والجمالية في استلهام رمزية الجذع وتأسيس المعنى التأصيلي للقصيدة مبني على لقطة مركزية من السيرة النبوية المطهرة في حادثة حنين الجذع اليابس عندما فارقه النبي صلى الله عليه وآله للخطبة على المنبر.
والشاعر هنا لم يستحضر الحادثة كواقعة تاريخية مجردة، بل حوّلها إلى رمز كونيّ للحنين وتلاحظ ذلك أيها القارئ الكريم من خلال:
• تأنّس الجماد وتأنّق الحنين حيث يتخذ الشاعر من الجذع معبراً للغة صوفية رفيعة (تَنَزَّلَتْ مِنْ شُعُورِ الجِذْعِ لِي لُغَةٌ)، فالجذع لم يعد خشباً بل أصبح معلماً للحب، ومصدراً للغةٍ تُوحى.
• اختيار التصوير بأن حياتنا بدون اقتفاء خطى الرسول الأكرم أو استشعار وجوده الشريف يوجب علينا الحنين كما راح يحن الجذع لتكتمل الجمالية لهذا الربط العجيب بين حنين الجذع في الأرض، ورحلة العروج النبوي (وَغَابَ خَطْوُكَ عَنْ بَيْدَاءِ رِحْلَتِنَا… هُنَاكِ رَاحَ يَحِنُّ الجِذْعُ ثَانِيَةً).
ولعمري إنها دورة الحب الكاملة التي تبدأ بالحنين عند الفراق الأرضي، وتعود للحب ذاته في الأفق الأعلى.
• يظهر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله كعلةٍ للوجود المحورية فالماء يمشي في ظله، والشمس لا تبرح تجلّله، والحمام والعنكبوت ليسا إلا مظهراً من مظاهر حراسة الحب الإلهي لهذا النور.

3. المبحث الصرفي المتكامل وأوزان الأفعال ودلالاتها النفسية والجمالية
يُعد المبحث الصرفي المحرك الأكبر لدلالات هذه القصيدة، والمسؤول المباشر عن خلق الإيقاع الداخلي والحركية النفسية لدى المتلقي، وليس معنى ذلك أن الأوزان الصرفية ثابتة الدلالة دائما كما في أفعل التفضيل، بل هناك متسع لاكتساب الدلالة الصرفية وفق سياقاتها التركيبية للجمل الشعرية أو النثرية، وبناءً على الاستقراء الشامل لأفعال النص وتصريفاتها، نستعرض تشريح بنيتها الصرفية:
أ. الأفعال الثلاثية المجردة (يَفْعُل / يَفْعَل / فَعَل) وهي تفيد حركية الحقيقة وتلقائية الشعور ، جاءت الأفعال الثلاثية المجردة بكثرة لتعكس البساطة وعمق الصدق الوجداني، وجاءت أغلبها على باب (فَعَلَ – يَفْعُلُ) بضم العين في المضارع لتفيد الثبات والاستقرار والامتداد فنلاحظ:
• يَقْتُلُها – يَقْتُلُهُ على وزن (يَفْعُلُ) ورد الفعل متكرراً، ودلالته الصرفية تحمل طاقة حازمة فقتل الحنين أو قتله للقلب ليس زوالاً ماديّاً، بل هو استغراق تام وفناء في الحب.
• يَأْمُلُهُ على وزن (يَفْعُلُ) وله دلالة على التطلع والترقب الروحي الممتد.
• يَنْقُلُه – أَنْقُلُه على وزن (يَفْعُلُ) حيث أتى الفعل متعدياً بنفسه ليدل على حركة الانتقال النفسي والمكاني للشاعر بين يدي النور النبوي.
• يَذُوبُ على وزن (يَفْعُلُ) وهي تُصوّر تلاشي الذات العاشقة أمام البرد والحنين.
• يَمْشِي- يَسِير- يَحِينُ على وزن (يَفْعِلُ) ُ أفعال دالة على السير الحثيث نحو الحبيب، وهي تصوّر حركية السلوك والارتحال إلى الذات المحمدية.
• مَاتَ – غَابَ – سار- راح على وزن (فَعَلَ) وكلها أفعال جوفاء استعملها الشاعر بصيغة الماضي لتوثق تحولات وجودية قطعتها الروح ووصلت فيها إلى حالة الثبوت واليقين.
ب. الأفعال المزيدة بحرف واحد تفيد في النص طاقة التعدية والتأثير حيث أورد الشاعر صيغاً مزيدة بحرف واحد لتوسيع دلالة الفعل وتكثيف تأثيره على المتلقي:
• وزن (أَفْعَلَ – يُفْعِلُ) عندما استعمل في النص كان له عدة دلالات بحسب الاستعمال على النحو التالي:
أَزْرَى (أَفْعَلَ) وأصله الصرفي دالٌّ على الإلحاق بالحقارة أو الضعف فاستخدام الفعل مع الحنين في قوله: (أَزْرَى الحَنِينُ بِهِ) ينقل صورة بلاغية حادة لشدة تمكّن الشوق من القلب حتى أضعف بنيته المادية.
أَعَادَ (أَفْعَلَ) والتعدية بالهمزة هاهنا تفيد سلب الحالة الأولى وإيجاد حالة جديدة أي بعث الروح من جديد بعد الانطفاء.
أَفْضَى (أَفْعَلَ) ويفيد هنا الانتهاء والوصول التام إلى الغاية (السدرة العلياء).
• وزن (فَعَّلَ – يُفَعِّلُ) الذي يفيد التكثيف والمبالغة:
يُعَلِّلُهُ (يُفَعِّلُ) نلاحظ التضعيف في العين الذي ينقل المعنى من مجرد التعليل أو السببية إلى الملاطفة والترفيه المكرر المستمر للقلب.
تُظَلِّلُهُ – تُبَلِّلُهُ (تُفَعِّلُ) إفادة التكثيف في الظل والبلل، مما منح الغمامة بعداً إعجازياً متكرراً.
تُجَلِّلُهُ (تُفَعِّلُ) أفاد التكثيف في الإلباس والستر النوراني؛ فالشمس لا تتوقف عن تجليل نوره.
نُفَصِّلُهُ (نُفَعِّلُ) ويُكْمِلُهُ (يُفَعِّلُ) وهنا أفعال تبرز الدقة والعناية الفائقة في صنيع المحبين وهم يصنعون مقاس الخطو النبوي.
• وزن (فَاعَلَ – يُفَاعِلُ) وله دلالة المفاعلة والمشاركة:
يُجَازَى (يُفَاعَلُ) فعلٌ مبنيٌ للمجهول على وزن (يُفَاعَل)، ودلالته الصرفية تُفيد الحصول على المقابل والجزاء التشاركي بين الحضن والجسد المرتعد.
ج. الأفعال المزيدة بحرفين وجاءت في النص تفيد التحول والتطاوع والتماس حيث تُعتبر هذه الصيغ الصرفية من أذكى ما وظفه الشاعر لتجسيد دراما التحول الروحي:
• وزن (تَفَعَّلَ – يَتَفَعَّلُ) ويفيد مطاوعة التحول والنزول التدريجي:
تَحَوُّلُهُ على وزن (تَفَعَّلَ) إخَالُ أن اختيار هذا الوزن في مطلع القصيدة (سَهْلٌ عَلَى خَاطِرِ الدُّنْيَا تَحَوُّلُهُ) جاء ليعبر عن مطاوعة الكون وتغير أحواله وسهولة تدفقه حين يخضع لنواميس الحب.
تَنَزَّلَتْ (تَفَعَّلَتْ) وقد جاءت التاء والزيادة في الصيغة لتفيد التدرج والتمهل، فاللغة لم تهبط دفعة واحدة على الجذع، بل تنزلَت بوقار وهيبة كما تتنزل الرحمات والفيوضات الإلهية.
• وزن (افْتَعَلَ – انْفَعَلَ) وله دلالة الاكتساب والمطاوعة الذاتية:
انْطَفَأْتُ (انْفَعَلْتُ) وأفادت المطاوعة التي تعبر عن الاستسلام الكلي لظلمة الغياب قبل البعث النبوي.
تَأَمَّلَتْهُ – أَتَأَمَّلُهُ (تَفَعَّلَتْ – أَتَفَعَّلُ) أيضا أفاد المطاوعة والاستغراق وتكرار النظر بعمق.
تَفْتِلُهُ (تَفْعِلُهُ) وأصل الفعل الثلاثي فََتَلَ لإفادة الصنع المحكم للحبال وهنا أفاد فتل الأسئلة.
تَبْتَلُّ (تَفْتَعِلُ) والثلاثي منها بلَّ مضعفة وتفك بلَلَ ثم جاء المضارع غير المضَعَّف (تَبْتَلِلُ) ثم ضُعِّفت، ولها أيضا فائدة المطاوعة وهنا تبين أثر النور النبوي الذي تشرَّبته السماء حتى ابتلت به.
د. أفعال التفضيل وأسماء المشتقات:
• صيغة التفضيل (أَفْعَل) تكررت في عدة مواضع (أَصْعَب، أَسْهَل، أَدْفَأ، أَسْنَى، أَجْمَل، أَكْمَل).
وإجمالًا تُفيد الوصول إلى الذروة والإطلاق، فعندما يصف الشاعر النبي صلى الله عليه وآله بـ (الأكمل، الأسنى، الأجمل)، فهو ينفي الشبيه ويثبت مطلق الفضل، كما في بيته الأول حين قال: (كَأَنَّ أَصْعَبَ مَا فِي الحُبِّ أَسْهَلُهُ)، فإن الجمع بين صيغتي تفضيل متضادتين يُحدث صدمة شعورية لدى المتلقي ليُقرر حقيقة العشق والتي مفادها أن الاستسلام للحبيب يقلب مشقة التكليف إلى لذةٍ وسهولة.
• صيغ المبالغة وأسماء الفاعل والمفعول (مُوَلَّهون، قُدَامَى، ظَمْآن، ظامئ) تأتي صفة (مُوَلَّه) لبيان الوقوع الكلي تحت سطوة العشق النبوي، بينما تأتي صيغة (ظَمْآن) لتمثيل الحاجة الماسة للفيض الروحي.

هـ. تجد أدناه جدول استقراء الأفعال الصرفية وأثرها النفسي على المتلقي:

4. الصور البلاغية البيانية (التشكيل وعمق الأثر)
تزخر القصيدة بتشكيل بلاغي مركب، لا يقتصر على التزيين اللفظي بل يتعداه إلى البناء المعنوي وسوف نستعرض معك أيها القارئ الكريم مواطن الجمال بحسب ذائقة كاتب هذه السطور:
أ. الاستعارة بقسميها
• فالمكنية جاءت في النص: (تَنَزَّلَتْ مِنْ شُعُورِ الجِذْعِ لِي لُغَةٌ)
والذي ظهر لي أنه شَبَّه الجذع بإنسانٍ له شعور ولغة تتنزل، وحذف المشبه به وأبقى شيئاً من لوازمه، وهو الأثر اللغوي والشعوري حيث أضفى الحياة والوعي على الجماد.
• أما التصريحية جاءت في قوله: (مَجْمَرِ الأَشْوَاقِ)
(كُنْتُ انْطَفَأْتُ طَوِيلاً، مَنْ أَعَادَ دَمِي؟ … وَرَاحَ فِي مَجْمَرِ الأَشْوَاقِ يُشْعِلُهُ)
المشبه المحذوف: حَـرارة الشوق والوجد الداخلي اللامادي، والحرقة الروحية التي تكوي قلب العاشق.
المشبه به المصرَّح به: المَجْمَر (وهو وعاء إشعال الجمر والنار الحسيّ).
وجه الشبه: التوهج، شدة الحرارة، والقدرة على الاحتراق والإشعال وبثّ الدفء.
وقد أعطت هذه الاستعارة أثرًا حين حوّل الشاعر العاطفة الروحية المجرّدة أعني الشوق إلى مادةٍ حسيّة ملموسة جمر ومجمر، ليوحي للمتلقي حجم الانقلاب الشعوري الذي أحدثه الحب النبوي، لقد حول الشاعر الإنطفاء والغياب الروحي إلى اشتعال متوهّج حيث تشبيه الأشواق بالمجمر
ب. التشبيه
(وَمَا السَّنَا مِنْكَ إِلَّا وَقْدُ بَارِقَةٍ …هُنَاكَ لِلشَّمْسِ لَمْ تَبْرَحْ تُجَلِّلُهُ)
(من باب إضافة المشبه به إلى المشبه أو التشبيه الإضافي)، حيث شُبّه التجلي والفيض النبوي بالبارقة، والحرارة بالشعلة بالوقد
وجه الشبه: السرعة، والشدة، والسطوع الذي يضيء الظلمات فجأة، مع إثارة الأمل بالخير والخصب.
وهنا يُبرز الشاعر تواضع الذات العاشقة أمام عظمة الحضور المحمدي الشريف، فكل ما حظيت به الأرواح من إشراق وحياة لم يكن إلا مجرد وميض خاطف وشرارة خاطفة من ذلك النور العظيم الذي تكلله الشمس وتخضع له الكائنات، وهذا التصوير يترك لدى المتلقي شعوراً بلامحدودية النور النبوي وعجز الطاقة البشرية عن استيعاب كماله.
ج. الكناية وأركز على الصورة المجملة والتي جاءت في عدة موارد في النص أعرض لها بشيء من السرد لوضوحها وسهولة هضم مادتها:
• (المَاءُ فِي ظِلِّهَا يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ): كناية عن شدة البركة والفيض الإلهي الذي يتبع النبي صلى الله عليه وآله حتى تصبح العناصر المادية خادمةً لنوره.
• (مُسَافِرُونَ مِنَ الأَصْلَابِ): كناية عن قدم هذا الحب المحمدي، وأنه ميثاق أزلي تسري عروقه عبر الأجيال.
د. عكس التشبيه
• هذا لعمري من أشد الأوجه التي تصيب المتلقي بالدهشة لما فيها من مخالفة الطبع والطبيعة فترى التشبيه المقلوب في قوله: (تَبْتَلُّ مِنْهُ السَّمَاءُ، لَيْسَتْ تُبَلِّلُهُ).
والمعتاد أن السماء هي التي تبلل الأرض والوجود بالمطر، لكن الشاعر عكس التشبيه والتأثير، فالسماء هي التي تتبرك وتصيبها البلل من فيض نوره صلى الله عليه وآله وكما قلنا هذا له أثر في إبهار المتلقي وكأنه تأكيد بأن الحبيب هو مصدر الخصب للكون بأكمله، ولست أعني بعكس التشبيه الاصطلاحي إنما صورة التشبيه الجمالية التي يخلقها الشاعر لتؤثر في نفس المتلقي.

هـ. البديع واتعرض للمطالب التالية:
• الطباق قد جاء في الاستعمالات التالية:
(أَصْعَب / أَسْهَل)، (البرد / يذوب)، (الظمأ / الماء).
التوظيف والمطابقة هنا ليست شكلية، بل لتجسيد الصراع الروحي والتحول من حالة الفناء الإنساني إلى البقاء بالنور النبوي.
• التوافُق الصَّوتي والترجيع اعتمد الشاعر على تكرار الصيغ المشتقة من جذر واحد (مثل: تأمّلته/تأمله، تنَزّلت/تنَزله) لخلق إيقاع موسيقي داخلي خفي، دون التكلف في ألوان الجناس اللفظي.
هذا الاستعمال منح القصيدة إيقاعًا موسيقيًا جذابًا ينبض بالهدوء والوقار.

6. ختاما وبعد هذه القراءة التحليلية المتواضعة التي قدمتُها أعلاه والتي عشتُ فيها مع القصيدة وقرأتها مرارًا إخَالُ أن هذا النص ليس مجرد تجربة شعرية ذاتية للشاعر حبيب المعاتيق، بل هو وثيقة عشق لكلِّ موله بالجمال والجلال المحمدي، ويقرب عندي أن لمسة من نفحات رسول الله لامسته.
ولقد نجح الشاعر بنسجه المحكم ولغته الرقيقة واستعمال الألفاظ السهلة في أن يجعل المتلقي يقرأ النص بقلبه ويعيش حالة الحب الصوفي، بل يتمثل حركة الجذع، ويشم رائحة مجمَر الأشواق، ويسير في بيداء الشوق بحثاً عن أثر الخطى المحمدية الشريفة. دعائي له بحسن القبول ، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

المراجع والمصادر:

1. حبيب المعاتيق، ديون ند
2. التفتازاني، مختصر المعاني
3. الحملاوي، شذا العرف
4. الزبيدي، تاج العروس
5. الفيروز أبادي، القاموس المحيط
6. السكاكي، مفتاح العلوم
7. الاسترأبادي، شرح رضي الدين الاسترابادي على شافية ابن الحاجب
8. جار الله الزمخشري، القسطاس في علم العروض.

الأستاذ السيد قصي الخباز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *