يأتي هذا التوثيق بعنوان «نزهة في تراث القطيف الجغرافي» بوصفه قراءة، تاريخية معرفية، تفاعلية وغنية للبيئة الطبيعية والجغرافية لديموغرافية واحة القطيف، تُقدَّم بأسلوب مريح وسلس، بعيد عن الجفاف الأكاديمي، ليأخذ القارئ في رحلة معرفية ممتعة عبر المكان والزمان.
[نزهة في تراث القطيف الجغرافي – الجزء السادس قرى المحيط نبض الوجدان]

نبض الوجدان
في الجنوب الغربي من واحة القطيف تقع ثلث قرى متقاربة مهمة هي أم الحمام والجش والملاحة. وهي رغم بعدها الجغرافي بمقياس ذلك الزمان إل إن قربها من مركز القطيف كان روحيًا يتناسب تناسبًا عكسيًا مع بعد المسافة. وربما يكون ذلك لأسباب نفسية اجتماعية.
ولم يكن القرب الذي جمع أم الحمام والجش والملاحة بمركز القطيف قربًا تحدده الأميال ولا تضبطه مسافات السير وحدها، وإنما كان قربًا تصنعه الحيوية الاجتماعية التي نبضت في هذه القرى، وما انبثق منها من شخصيات ذات حضور وفاعلية استطاعت أن تمد بين أطراف الواحة وجدانًا من التواصل المستمر. فقد كانت هذه القرى، على ما بينها وبين المركز من بعد نسبي بمقياس المكان، أكثر اتصالًا به من خلال رجالها ووجوهها وذوي المبادرات فيها؛ أولئك الذين تجاوز أثرهم حدود قراهم الضيقة، فكان لهم في المجالس، وفي دوائر العلم، وفي شؤون الزراعة والتجارة، وفي العلاقات العامة، صوت مسموع وذكر حاضر.

ومن هنا نشأ ذلك القرب الروحي؛ إذ لم تعد هذه القرى مجرد تجمعات متاخمة من بعيد، بل غدت أطرافًا فاعلة تشارك في صنع المشهد القطيفي العام، وتُسهم في حركته اليومية بما لديها من كفاءات وطاقات اجتماعية. لقد حمل أبناؤها أسماءها إلى المركز، وحملوا معهم سمعة الحزم، ووجاهة الرأي، وكرم المشاركة، فصار ذكر القرية مقترنًا بذكر رجالها، وصارت قيمة المكان مستمدة من قيمة من يمثلونه في المحافل والمناسبات وشبكات التأثير.
ولعل هذا ما جعل المسافة تنكمش في الوعي الجمعي؛ لأن الطريق إلى المركز لم يكن يُقطع بالأقدام وحدها، بل كانت تقطعه المكانة أيضًا. فحين يكون للقرية رجال تعرفهم المجالس، وتأنس بهم الأسواق، وتُستشار آراؤهم في الشأن العام، فإن اسمها لا يبقى عند تخوم الجغرافيا، بل يدخل في قلب المجال الاجتماعي، ويصبح لها حضور يتجاوز حدودها الطبيعية. وهكذا غدت أم الحمام والجش والملاحة قرىً ذات صلة وثيقة بالمركز، لا لأنها الأقرب ترابًا، بل لأنها الأقرب إسهامًا ومشاركةً وتمثيلًا.

لقد أسهمت الشخصيات البارزة المنحدرة من هذه القرى في ترسيخ هذا المعنى؛ إذ كانت كل شخصية ذات شأن بمنزلة جسر يصل قريته بالمركز، ويمنحها نصيبًا من الضوء والاعتبار. ومع تراكم هذه الأسماء الفاعلة تشكلت صورة ذهنية خاصة لهذه القرى بوصفها قرى حاضرة في الوجدان القطيفي، معروفة برجالها، معتبرة بمكانتها، ومميزة بما تقدمه من عناصر قوة اجتماعية وثقافية. وبذلك لم يكن قربها من القطيف قرب جوارٍ فحسب، بل قرب مشاركة في صناعة القيمة، وإسهام في تشكيل المكانة، حتى غدت جزءًا لا يُقرأ على هامش المشهد، بل في متنه. وسيتضح هذا التحليل جليًا ونحن نستكشف التراث الجغرافي الثقافي الاجتماعي لهذه البلدان.
{ أمُّ الحمام }
المعرفة الأولى
لأمِّ الحمام في الذاكرة صورةٌ قديمة تعود إلى ما قبل المرحلة المتوسطة، إلى سنوات الطفولة الأولى حين كنت أرافق والدي إلى مجلس الشيخ علي المرهون في حسينية الأسود بمياس. هناك كنا نصغي إلى أحاديثه الإرشادية باهتمام بالغ، وكان مما يعين على حسن الإصغاء بلاغته الهادئة، وسهولة مفرداته، وقدرته اللافتة على مزج اللفظة المحلية بالتعبير الفصيح في أسلوب يجذب السامع ويستبقي انتباهه حاضرًا. ولم يكن حضور مجلسه مقتصرًا على تلقي الفائدة وفهم المعلومة، بل كان درسًا عمليًا في فن الحديث، وأدب الخطابة، وحسن التواصل مع المتلقي.

ولم تقتصر صلتنا به على مجالس الحسينية؛ إذ كان الوالد حريصًا كذلك على ملازمة صلاة الجماعة التي كان الشيخ يؤمُّها في مسجد المسعودية، وفي الطريق ذهابًا وإيابًا كان يبدي إعجابه بشخصيته العلمية والاجتماعية، ويستحضر باعتزاز سيرة والده العلامة الشيخ منصور المرهون، ذلك الاسم الذي ترك مع ابنه أثرًا واضحًا في الحياة الدينية والثقافية والتعليمية في القطيف. كما نبغ في هذه الأسرة عدد من الأفاضل من رجال العلم والفضل، وكلهم امتداد لبيت عُرف بالعلم والخطابة والخدمة الاجتماعية.
وما يعنينا هنا أن هذه الأسماء جميعًا كانت تشير إلى موطن واحد هو هذه البلدة، التي أنجبت كثيرًا من أهل الفضل والمروءة، فكان لها في النفس منذ وقت مبكر هذا التقدير الخاص.
ثم اتسعت هذه المعرفة في المرحلة المتوسطة حين تعرفت إلى الزميل الأستاذ علي هلال. كان طالبًا مؤدبًا أنيقًا، رفيع الخلق، حاضر الهمة، مما جعله محبوبًا قريبًا من زملائه. وبعد انتهاء المرحلة المتوسطة التحق بمعهد المعلمين، فافترقنا، غير أنه ظل في الذاكرة صورةً جميلة لهذه البلدة؛ فكلما حضرت في خاطري حضرت معها ابتسامته الوادعة التي كانت تزيد محيّاه إشراقًا.
ثم تدرج الأستاذ علي في السلك التعليمي حتى أصبح مديرًا وقائدًا تربويًا يثني عليه كل من تعامل معه، لما عُرف عنه من تفانٍ في العمل وحرصٍ على أن يجعل المدرسة التي يعمل فيها نموذجًا يُحتذى. وبعد ذلك تعرفت إلى ضيف بن عبد الرسول الخباز، الذي كان يومئذ قريبَ الجوار بعيدَ المعرفة، ثم اكتشفت أن خاله وعمه من جيراننا، وأن والده جاء إلى البلدة للعمل ثم تزوج فيها فأصبح من أهلها.
وفي ذلك الزمن كانت القرى، التي نراها اليوم متقاربة، تبدو متباعدة لا تسمح بالتنقل اليومي ولا حتى الأسبوعي كما هو الحال الآن؛ فكان من ينتقل إلى بلدة لعمل أو زواج أو رغبة شخصية يستقر فيها ويغدو واحدًا من أبنائها، وكان مما يعين على ذلك أريحية الناس وكرمهم وطيب معشرهم. ولهذا حين نسمع من يقول: «زمن الطيبين» ندرك أن المقصود ليس جمال المكان وحده، بل جمال الأرواح التي عمرته؛ فمع ضيق ذات اليد كان ذلك الزمن بحق زمن الطيبين.
وكان ضيف اسمًا على مسمى؛ مضيافًا كريمًا، وصولًا لا يمل ولا يكل، يحيّي من أتى، ويسأل عمّن غاب. ومن خلاله تعرفنا إلى قريبه حسن معتوق آل محمد، وإلى صديقه عبد الله مويس، فأصبحوا جميعًا من أصدقاء العمر. وأثناء العمل تعرفنا كذلك إلى الأخ سعيد الحايك، وإبراهيم العاقول، وكلهم نماذج للجد والاجتهاد والأمانة والمثابرة وحسن الخلق، بما يرسم صورة ناصعة عن إنسان هذه البلدة الجميلة.
ولم تقف ملامح التميز فيها عند الأخلاق والعمل وحدهما، بل امتدت إلى الفنون أيضًا. فمن الملاحظ اهتمام شبابها بالتصوير الفوتوغرافي؛ فافتتح الفنان محمد شبيب ستوديو شبيب في القطيف بتقنيات تصوير متقدمة جعلت الناس يشعرون بأن التصوير ليس مجرد «عكس» كما كان يسمى قديمًا، بل فنٌّ يُظهر الجمال ويواكب روح العصر. وكذلك برز منها المصور الفنان خالد الطلالوة، رحمه الله، الذي كانت عدسته وطائرته الدرون تلاحقان الجمال في القطيف، على ترابها ومن سمائها، فترك لوطنه وللأجيال القادمة بصمات بصرية لا تُقدَّر بثمن.

وجاءت هذه الوجوه المتتابعة، من رجال العلم والفضل، ومن الأصدقاء وأهل المروءة، ومن المبدعين وأصحاب الحس الجمالي، لتمنح اسم أم الحمام في النفس صورة أوسع من مجرد اسم لبلدة؛ صورة مكان يقترن بالإنسان الطيب، والخلق الرفيع، والعمل الجاد، والذوق الجميل.
“ومن اللطائف اختيار اسم «الابتسام» للنادي الرياضي بأم الحمام، ولا بد أن هذا الاختيار جاء دلالةً على رفعة وسمو أخلاق هذه البلدة الطيبة، وانعكاسًا لدماثة خُلُق أهلها، وتعبيرًا عن البشاشة التي ترتسم على وجوههم”.
الطريق إلى البلدة
وإذا كانت الوجوه الأولى قد منحت الاسم وقعه الإنساني، فإن المكان نفسه كان كفيلًا بأن يرسخ لهذا الاسم صورته التي لا تُنسى.
تقع أم الحمام وسط بساتين خضراء تتكاثف حولها عيون الماء ومزارع النخيل من كل جهة، حتى إن القادم إليها لا يكاد يرى قبل بيوتها سوى خضرة ممتدة تتخللها الطرق الترابية والسواقي الزراعية. كما تقع على مقربة من ساحل الخليج العربي، بمسافة لا تزيد على ثلاثة كيلومترات، فجمعت في تكوينها بين الصحراء والبحر؛ من الصحراء صلابة المراس، ومن البحر انفتاحه واتصاله، ومن النخيل سكينته ورسوخه.

وفي طريقنا إليها قادمين من مركز القطيف نمر بالخويلدية والجارودية، وبعد الجارودية نسير جنوبًا في طريق يبلغ طوله قرابة ثلاثة كيلومترات. فالجهة الغربية الواقعة على يمينه كلها نخيل وبساتين خضراء نضرة، أما الجهة الأخرى المحاذية على اليسار شرقًا فتمتد فيها قناة صرف مياه زراعية، وعلى جانبيها ممرات ترابية، وتظهر خلفها نخيل ومزارع حلة محيش. وقيادة السيارة على هذا الطريق ممتعة للنظر، مريحة للنفس، ومسرة للخاطر، حتى يسكن هذا المشهد الوجدان ويرسم له صورة لا يمحوها الزمان:
إن مرَّ صبٌّ بهذا الطريق … رأى جمال بلادي بيانْ
وشاهد من حسن البديع … ماءٌ وزرعٌ يُغْني الإنسانْ
رزقٌ من الله كثيرٌ ومغنمٌ … ونعمةٌ توجب العرفانْ
ومع نهاية هذا الامتداد نصل إلى «القوع»، وهو حي من أحياء البلدة يستقبل الآتي إليها بهدوء تام. وعند هذه النقطة يمكن الدخول عن طريق المعابر الزراعية، أو بالانعطاف شرقًا ليأخذك طريق المحيط إلى الطرف الشرقي من ديرة أم الحمام.
ومن المداخل الأخرى التي تؤدي إليها سد العياشي، وكان هذا السد في تلك السنوات واحدًا من المواضع التي ارتبطت في أذهاننا بالرياضة واللقاء وكثير من الذكريات الجميلة. ففي بداية التسعينات من القرن المنصرم كنا نجتمع بعد الغروب بوقت يسير عند الزاوية الشمالية الغربية لتقاطع السد، وهو مصرف المياه الزراعية المؤدي إليها من جهة الشرق مع طريق القطيف سيهات، ونظرًا لقرب هذا الموضع من بستان ومنتجع العياشي فقد اشتهر بين الناس باسم «تقاطع العياشي».

وكان جانبا هذا المصرف يشكلان في ذلك الحين طريقًا ترابيًا ممهدًا تضيئه أعمدة الإنارة التي نصبتها البلدية، غير أنه لم يكن مزودًا بحواجز جانبية تمنع انزلاق السيارات إلى مجرى الماء الغزير، ولذلك لم يخلُ من بعض الحوادث المرورية. ومن ثم لم يكن طريقًا مشجعًا لاستخدام السيارات، ولا سيما الصغيرة منها، وإن ظل خيارًا بديلًا لسيارات وعربات النقل الزراعي التي كانت تسلكه ببطء وحذر.
وكان عرض الطريق يتراوح بين خمسة وستة أمتار، ومع الإضاءة الجيدة، والسطح المستوي، والفسحات الجانبية المتفرعة منه، غدا مكانًا مناسبًا لممارسة التمارين السويدية والجري والهرولة وركوب الدراجة الهوائية، وكانت هذه الأنشطة تستمر طوال العام إلا في الأيام التي تحول فيها الأحوال الجوية دون ذلك. وفي هذا الموضع كانت تجتمع أعداد من الشباب للتمرين وممارسة رياضة الجري في مجموعات، فأتاح ذلك فرصة للتعارف ونسج علاقات جديدة، كما أتاح للمكان أن يحتفظ في النفس بصورة تتجاوز كونه ممرًا زراعيًا إلى كونه متنفسًا وملتقى وذاكرة.
ولم يكن هذا الطريق موضعًا مناسبًا لممارسة الرياضة فحسب، بل كان أيضًا متنفسًا للتنزه والترفيه؛ فمن لا يجري أو يهرول كان يمشي متأملًا، أو يجلس مستمتعًا بسكون المكان. وكان جمال أشجاره، وتمايل أغصانه، وخرير مياهه المتدفقة لري المزارع، وسماقة نخيله، وصوت أبي جنيدب في هدوء الليل، كلها عناصر تبعث في النفس راحة خاصة وتمنحها صفاءً يعين على التفكير والتأمل.
وكان هذا المكان، فيما أظن، ولا يزال، بقعة من الريف الحالم المحيط بهذه القرية، التي عاشت قرونًا طويلة في دعة وسكون، شاكرة نعم الله بما وهبها من مياه وجنان وارفة، جادة في كسب معيشتها، ملتزمة بأخلاق الإنسان السامية.

ولعل الماء والنخيل يظلان المفتاح الأصدق لفهم هذه الصورة؛ فقد قامت حياتها على وفرة العيون وخصب الأرض، واشتهرت بكثرة ينابيعها التي حملت أسماءً ظلت محفوظة في ألسنة الناس، مثل السلاحف، والقحة، وأم زمزوم، وأرحية، وأم كردوس، والصايغية، وأم رحال، والسالمة، والثلث، والمحرقة وغيرها. وكانت هذه العيون تسقي البساتين وتغذي المصارف الزراعية التي تنساب منها المياه الفائضة، فتشكّل مع النخيل والحقول مشهدًا متصلًا لا ينفصل عن صورة البلدة في أذهان أهلها. ومن هذا الماء عاشت الزراعة، وعلى هذه الزراعة قامت معايش الناس، قبل أن تأتي تحولات العمران الحديثة فتقلص شيئًا من تلك المساحات الخضراء وتطمر عددًا من العيون، ويبقى منها في الذاكرة أكثر مما بقي في الأرض.
الجذور التاريخية
غير أن هذه البلدة، على رسوخ حضورها في الوجدان القطيفي، ليست قديمة الاسم بصيغته الحالية؛ فاسم أم الحمام من أحدث أسماء بلدان القطيف، ويعود تاريخه إلى ما يقرب من مائة عام.
وقد جاء تكون القرية في هذا الموقع نتيجة اندماج قرى متجاورة مثل الديرة والزويكية والقريعية والمحرقة والضبيبي ولرحية وغيرها من المواضع التي شكلت نواة البلدة الحالية، وغدت فيما بعد أجزاءً منها. وهذه التجمعات السكنية تكونت في الأصل نتيجة هجرة جماعية من قرية الرفيعة قبل ما يقرب مائتي عام.
وكان في البلدة موقع يسمى قديمًا «أم الخمام»، في إشارة إلى ما كان يلقى على أطرافه من مخلفات الزراعة، ولا سيما بقايا الأرز الذي عرفت المنطقة بزراعته قديمًا، ثم تطور اللفظ مع الزمن إلى أم الحمام، في إشارة إلى كثرة الحمام الذي يأتيها لالتقاط الحبوب. وهذا يكشف عن صلة الاسم الوثيقة ببيئتها الزراعية، مثلما يكشف حضور اسم «الرفيعة» المستمر في الوجدان الشعبي عن عمق الجذور الأولى التي لم يمحها الانتقال ولا تغير الموضع.
وتشير القصص المتوارثة بين الأجيال وسجلات التاريخ إلى أن السكان كانوا يقيمون في بلدة مندرسة تسمى الرفيعة، تقع على بعد خمسة كيلومترات تقريبًا إلى الغرب من مركز ديرة أم الحمام الحالية. فأم الحمام الحالية هي وريثة تلك القرية التاريخية التي هُجرت قبل نحو مائتي عام، لكنها ما زالت باقية في الذاكرة الشعبية بوصفها التاريخ الذي يربط البلدة بجذورها.

وكانت الرفيعة على مقربة من العين البرية المعروفة بعين الرفيعة، وقد شوهد في موضعها بقايا جدران وأحجار متناثرة وقطع فخارية وتنانير للخبز وآثار غرف مطمورة، حتى إن بعض من كانوا ينقلون الرمال لبناء البيوت في أم الحمام الجديدة كانوا يجلبون أيضًا بعض حجارتها.
ويبدو أن جملة من الأسباب دفعت السكان إلى الرحيل منها إلى موضعهم الحالي في أواخر القرن الثاني عشر الهجري؛ فمن جهة، كانت القرى الزراعية الواقعة على تخوم الصحراء، لبعدها عن باقي التجمعات السكانية المحلية، عرضةً للنهب والسلب، خاصة في أوقات الجفاف والجدب، ومن جهة أخرى أخذ زحف الرمال يضيّق على الأرض الخصبة ويهدد موارد العيش، فغدا القرب من الداخل الزراعي أكثر أمنًا وأيسر اتصالًا بما حوله.
وكانت الديرة تمثل قلب هذا التكوين الجديد، ومنها أخذت البلدة ملامحها الأوضح. ففي داخلها قامت القرية المسوّرة التي وصفها بعض الرحالة والمؤرخين بأنها محكمة البناء، بيوتها من الحجر والطين، ويحيط بها سور حصين وخندق دفاعي شُيّدا اتقاءً لغارات البدو. وتوزعت على جوانب السور وزواياه أبراج مستديرة تقوم مقام الحراسة والمراقبة، وكان للبلدة ثلاث دروازات تنظم الدخول إليها والخروج منها، بينما انتشرت في داخلها الأزقة الضيقة والساحات الصغيرة، وانقسمت أحياؤها الداخلية إلى مواضع عُرفت بأمطيرا وازريب والخان أو القعدة.
وفي هذه الديرة قامت أبرز مباني البلدة ومعالمها؛ فهناك المسجد الجامع، ومسجد آل عبد العال، ومسجد الغريري، وغيرها من المساجد التي كانت تقوم بوظيفة العبادة واللقاء الاجتماعي معًا. وكان سوق العريش قريبًا من دروازة السوق، فيتحول إلى موضع للحركة اليومية وتبادل السلع والأخبار. وبين البيوت توجد السوابيط، وهي الممرات المسقوفة التي تصل بين المنازل أو تنفتح بينها، وكانت تقي المارة حر الشمس ومطر الشتاء، وتمنح الأزقة شيئًا من الظل والحميمية، حتى غدت من العلامات الجمالية الباقية في الذاكرة القطيفية.
وهكذا تبدو هذه البلدة، لمن يتأمل سيرتها، مكانًا لم ينشأ دفعة واحدة، بل تكون من طبقات متعاقبة من السكن والماء والنزوح والعمل والاتساع؛ من الرفيعة المندثرة غربًا، إلى الديرة المسوّرة في القلب، إلى الأحياء التي تمددت على أطراف البساتين. وفي كل طبقة من هذه الطبقات ظل شيء من أثر الماضي ماثلًا، كأنها وهي تمضي إلى صورتها الحديثة لا تكف عن حمل ذاكرتها القديمة في ثناياها.
التحول الحديث
غير أن هذه الصورة الريفية الوادعة لم تبقَ على حالها طويلًا؛ فمع التنمية التي شهدتها أرجاء البلاد، توسعت أم الحمام وتطورت حتى غدت بلدة مكتظة بالسكان، مزدحمة بالمباني ومختلف المحلات التجارية التي توفر السلع الاستهلاكية والخدمات الحديثة. كما أُنشئت فيها المراكز الخدمية والصحية، والمرافق العامة، والبلدية، والبريد، ومدارس البنين والبنات لمختلف المراحل، إضافة إلى مبنى الجمعية الخيرية ومقرات النادي الرياضي ومرافقه.
أما نواة البلدة القديمة، وهي الديرة المسوّرة، فقد أصبحت حيًّا صغيرًا بين الأحياء الجديدة التي تمددت وأحاطت بها، وحلّت محل البساتين والمزارع التي كانت تفصلها عن الأحياء الواقعة خارجها، مثل القوع، والزويكية، والجبلة الصغيرة؛ وهي أحياء كانت تُعدّ محلات سكنية متميزة بحدودها وعناوينها ومواقعها، وبسكانها المنتمين إليها.
وهكذا غدت البلدة ذات مبانٍ من الكتل الخرسانية وطرق مسفلتة تختلف كثيرًا عن صورتها الأولى؛ فلم تعد تلك القرية التي تحيط بها الأرياف، ويشعر من يسكن فيها أنه يعيش في جنينات تنبض بالحياة الريفية الهادئة. ولا شك أن هذا التمدد العمراني جاء على حساب البساتين والأراضي الزراعية التي كانت تطوقها من كل صوب.

وكما يقول الناس: «يا ذي يا ذي»؛ فلا يمكن للمرء أن يجمع بين الشيء ونقيضه. ففي الماضي كان المكان جميلًا والأجواء شاعرية، ولكن الحياة المادية صعبة ومضنية؛ أما اليوم فقد أصبحت الحياة أكثر سهولة ويسرًا، لكنها أشد جفافًا وضغطًا.
وكان من الممكن أن يتحقق قدر من التوازن بين هذين النمطين لو صاحب التطور وعيٌ وتخطيطٌ أكثر اتزانًا، يستفيد من الأراضي الجرداء الواقعة غرب القرية في استيعاب التوسع العمراني، مع إبقاء مساحة أوسع من الأرض الخضراء، حتى وإن قل إنتاجها الزراعي لأسباب واقعية.
أعلامها ومعالمها الثقافية
ومن الأسماء التي يبرز حضورها كلما ذُكرت أم الحمام، اسم الشيخ منصور بن علي بن محمد بن حسين المرهون، طيب الله ثراه، وهو من أبرز العلماء العاملين الأفاضل في القطيف خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين.
ولد عام 1290هـ، ونشأ في ظل أسرة متدينة. بدأ دراسته في الكتاتيب، ثم واصل تحصيله العلمي عند أكابر علماء القطيف في زمانه، قبل أن يهاجر إلى النجف الأشرف ويحضر دروس الأعلام ويشارك في تدريس العلوم الدينية، ثم يعود إلى بلاده بعد خمسة عشر عامًا من التحصيل والعطاء.
واهتم بالخطابة المنبرية والتدريس، وعُرف عنه العمل المثابر في التجديد ومبادرات التطوير العلمية، ويُعد المجدد الأول للخطابة الحديثة في القطيف من ناحية الموضوع والأسلوب وتطعيمها بالمواد العلمية والأخلاقية. وكان، طيب الله ثراه، صاحب مآثر جليلة ما زال صداها يتردد في المحافل العلمية وعند عامة الناس. وقد أقر باجتهاده الشيخ عبدالله المعتوق، ونال عدة شهادات في الاجتهاد من حوزة النجف الأشرف، ومن مؤلفاته «القواعد العربية».
ولا تقف معالم أم الحمام الثقافية عند أعلامها من رجال العلم، بل تمتد كذلك إلى مؤسسات المعرفة التي نشأت فيها، ومن أبرزها مكتبة «جدل» التي أسسها الأستاذ علي معتوق الحرز، وهي مكتبة شخصية ذات طابع أرشيفي توثيقي اكتسبت سمعة واسعة في المنطقة، وغدت مقصدًا للباحثين والمهتمين ومحبي الاطلاع.

وترجع البدايات الأولى لهذه المكتبة إلى كتاب واحد اقتناه مؤسسها، هو كتاب سيرة عنتر للدكتور شوقي ضيف، وكان ولا يزال يعدّه من أحب كتبه إلى نفسه وأثمنها لديه. ثم مضى بعد ذلك في جمع الكتب والمطبوعات بشغف دؤوب حتى اتسعت لتضم ما يزيد على ثلاثين ألف كتاب، إضافة إلى أكثر من مائة ألف جريدة ومجلة، يعود تاريخ بعض أعدادها إلى أكثر من قرن، فغدت بذلك واحدة من أكبر المكتبات الشخصية بما احتوته من كتب ووثائق ومقتنيات نادرة.
ولا تقتصر محتوياتها على الكتب والدوريات، بل تحتفظ كذلك بأرشيف متكامل لكل ما كُتب عن القطيف في الصحف المحلية، إلى جانب مجموعات كبيرة من قصاصات الجرائد والعملات والطوابع القديمة، وقد أُلحق بها جناح متحفي يضم عددًا من الساعات والكاميرات والمقتنيات التراثية النادرة، مما أضفى عليها بعدًا توثيقيًا وحضاريًا جميلًا.
وقد حظيتُ مع مجموعة من زملائي بزيارتها، فتنقلنا بين أرففها العامرة ووثائقها النادرة ومقتنياتها التراثية، فكان لكل ركن فيها حديث عن شغف مؤسسها وصبره وطول عنايته. وخرجنا من تلك الزيارة بإعجاب كبير وتقدير عميق للجهد الذي بُذل عبر سنوات طويلة حتى غدت هذه المكتبة كنزًا من كنوز المعرفة، ومعلمًا ثقافيًا بارزًا من معالم المنطقة.
وهكذا لا تبدو أم الحمام مجرد بلدة قامت على الماء والنخيل، ولا مجرد قرية تمددت فوق البساتين، بل تبدو كذلك بيئةً أنجبت رجال علم، واحتضنت وجوهًا كريمة، وأنتجت مبادرات ثقافية تحفظ للمعرفة مكانتها وللذاكرة معناها. ومن هنا ظل اسمها في النفس مرتبطًا بالإنسان بقدر ارتباطه بالمكان، وبالأثر بقدر ارتباطه بالصورة.
وبعد هذه الرحلة في وجوهها وطرقاتها وعيونها وتاريخها ومأثرها التي لا يمكن حصرها، يكون بعض الشعر وسيلة لأداء ما يفيض في النفس من تقدير ومحبة للبلاد وأهلها:
من أين أبدأ فيكِ؟ أينَ انتهائي
وأنتِ روحُ الوجدِ والإيحاءِ
فيكِ المآثرُ والمعالي أشرقتْ
سطعًا تنيرُ صحائفَ الأنباءِ
ومن الربوعِ تهاطلتْ أنوارُها
فبدتْ كبدرٍ ساطعِ الإضواءِ
وفيكِ رجالٌ أخلصوا في سعيهم
ومضوا على دربِ الوفا الوضّاءِ
قومٌ إذا خالطتَهم ألفيتَهم
سهلَ الخليقةِ، معدنَ الإثراءِ
وتجسدتْ أخلاقُهم في فعلِهم
حتى غدوا عنوانَ كلِّ صفاءِ
لا ينزلُ الضيفُ الغريبُ بدارهم
إلا أفاضوا من ندىً وسخاءِ
فغدا الفؤادُ متيّمًا بحبِّهم
ورأى المروءةَ سيرةَ النبلاءِ
فيهم رجالُ العلمِ كم رفعوا اللوى
ومشوا بهديِ الشرعِ والآراءِ
والعالمُ المرهونُ أزكى مثلِهم
في الفقهِ والتقوى وحسنِ بناءِ
أعني به المنصورَ والدَ فتيةٍ
رفعوا الخطابةَ ذروةَ العلياءِ
فيهم وقارٌ، والفعالُ شواهدٌ
تنبي بفضلٍ ساطعِ اللألاءِ
أمُّ الحمامِ ولي لديكِ شواهدٌ
تنبي بأنكِ موردُ الظمآءِ
تلك هي أم الحمام كما استقرت في الذاكرة: بلدةٌ تبقى في ذاكرة محبيها، ويظل الوفاء في نفوس أهلها.
{ الملاحة }
الموقع
بعد المرور بأم الحمام، نصل إلى تقاطعٍ رباعيّ الاتجاهات، تتفرع منه جنوبًا وصلةُ طريقٍ مسفلتة تأخذنا إلى قرية الملاحة، المحاطة بالنخيل والمزارع من جهاتها الأربع. أما الاتجاهان الآخران، فيؤدي أحدهما غربًا إلى قرية الجش، والآخر شرقًا إلى عنك.
والملاحة، بفتح الميم واللام، قرية هادئة جميلة. وأول ما يستقبلك عند دخولها خزانُ مياه الشرب الذي أنشأته وزارة الزراعة، ليزوّد بيوت القرية بالمياه الصالحة للشرب من بئرٍ ارتوازية حفرتها الوزارة في الموقع، وذلك قبل وصول مياه التحلية.
السور القديم
كانت القرية محاطة بسورين، أحدهما أقدم وأوسع من الآخر، ولم تكن بيوت القرية تتجاوز حدود السور الذي يضم حارتي الديرة والراحة. وتشير المصادر التاريخية، ومنها «دليل الخليج»، إلى أن القرية كانت تتكوّن من نحو خمسين منزلًا مبنية من الطين والحجارة.
وكان السور عبارة عن جدار واحد، يتراوح ارتفاعه بين ثلاثة وستة أمتار، وتصل ارتفاعات الأبراج إلى نحو سبعة أمتار. وكان له بوابتان: الشمالية، والغربية الملاصقة لمسجد العباس من جهة الحي الشمالي.
أما السور الثاني، فقد اندثرت معظم آثاره، ولم يبقَ من السور الأول إلا أجزاء يسيرة، إلى أن شبّ حريقٌ شبه شامل للقرية بعد ظهر يوم السبت الموافق 2/11/1375هـ، فبدأ السور بعده في الانهيار.
مسمّى الملاحة
أول اسم عُرفت به المنطقة هو «أرض المنزل»، ولا يزال هذا الاسم مرتبطًا ببعض مواقع النخيل، وتحديدًا النخل المعروف باسم «عرض المنزل». وبعد اندثار القرية القديمة، بقي الاسم ملازمًا للبقعة المزروعة التي تحوّلت لاحقًا إلى ما عُرف بالملاحة.

وسُمّيت الملاحة بذلك لارتباطها قديمًا باستخراج الملح من مواقع قريبة من مساكن الأهالي، حيث كان يُستخرج ويُصدَّر إلى الأسواق المجاورة. ولفظ الملاحة في اللغة يشير إلى منبت الملح.
“ومسمّى «الملاحة» اسمٌ لطيفٌ في معناه ودلالته، وعندما يُقال: «ملاحة القطيف»، فكأنما يوحي ذلك بأن قرية الملاحة لبلدات القطيف كالملح في الزاد، الذي لا يُستساغ الطعم بدونه. والملاحة، بفتح اللام، تعني الجمال والحلاوة المتعلّقين بالذوق والسمو الروحي؛ فيُقال: رجلٌ مليح، وفتاةٌ مليحة، أي محبوبٌ أو محبوبةٌ إلى القلب”.
ساحة الجبيلات
في شمال الملاحة كانت تمتد ساحة كبيرة منبسطة تُعرف بالجبيلات، شكّلت متنزّهًا طبيعيًا للأهالي. وتقع بين المقبرتين، في الموقع الذي يشغله اليوم ملعب نادي الزهور. ويتراوح ارتفاعها بين ثلاثة وأربعة أمتار، وكانت تنبت فيها الأعشاب وتتجمع فيها مياه الأمطار.
وكانت مقصدًا للتنزه بعد هطول المطر في فصل الشتاء. وكنا نقصدها في ليالي القيظ، لبعدها نسبيًا عن البحر، فيكون هواؤها أخف رطوبة وأكثر حركة.

وقد أُزيلت الجبيلات عام 1381هـ، واستُخدمت بعض أحجارها في الجسر الذي يربط تاروت بالقطيف. كما توجد قطعة جبلية أخرى في الجهة الجنوبية من المقبرة الكبيرة، شرق النخيل، تُعرف أيضًا بالجبيلات، وهي أقل ارتفاعًا. ويبدو أن هذه المواضع كانت في الأصل كتلة واحدة، غيّرت عوامل الزمن واستخراج الحجارة من هيئتها.
الحياة الاجتماعية
تمثل الملاحة نموذجًا حيًا لتطور القرى الزراعية في واحة القطيف، حيث تداخلت الحياة الاقتصادية الزراعية مع بنية اجتماعية متماسكة، وتطورت خدماتها الأساسية عبر الزمن.

وتوجد في القرية مجالس وأماكن اجتماعية معروفة، إلى جانب نادي الزهور، الذي أسهم في تنشيط الحركة الثقافية والاجتماعية بين أبنائها. وقد أسهمت هذه المجالس في المحافظة على خصوصية القرية الثقافية وتراثها الاجتماعي، وعززت من تماسك نسيجها الاجتماعي.
بداية التعليم الحديث
تأسست المدرسة الابتدائية للبنين في الملاحة عام 1391هـ في مبنى مستأجر، ثم انتقلت إلى مبنى حكومي عام 1397هـ. وقبل ذلك، كان طلاب الملاحة يدرسون في مدرسة الجش الابتدائية التي تأسست عام 1378هـ.
أما مدرسة الملاحة الابتدائية للبنات، فقد تأسست عام 1403هـ.
الخدمات العامة
أنشأت وزارة الزراعة بئرًا ارتوازية لتأمين مياه الشرب، وافتُتح خزان المياه رسميًا عام 1387هـ. ووصلت الكهرباء إلى القرية عام 1388هـ، ثم أُدخلت خدمة الهاتف في أوائل القرن الخامس عشر الهجري، مما أسهم في تطوير الحياة اليومية وربط الملاحة بالمراكز المجاورة. كما تأسس مركز الرعاية الصحية الأولية عام 1406هـ.

اقتصاد القرية
تحتل مزارع الملاحة ونخيلها مكانة مهمة في واحة القطيف، إذ تمتد أراضيها من النخيل المجاورة لعين المليجيات قرب الجش غربًا إلى عنك شرقًا، ومن أم الحمام شمالًا إلى سيهات جنوبًا. وكانت هذه المزارع تزوّد سوقي القطيف والدمام بالمحاصيل الزراعية.
وقد بلغ عدد النخيل نحو خمسة عشر ألف نخلة في ستينيات القرن الماضي، ثم ضعف حالها مع مرور الزمن.
كما كان الأهالي يستخرجون الملح ويصدّرونه إلى سوق الخط والقرى المجاورة حتى نحو عام 1395هـ، ثم اندثر هذا النشاط ولم يبقَ له أثر.
محطة التجارب الزراعية بالقطيف
إلى الشرق من الملاحة تقع محطة التجارب الزراعية بالقطيف، وهي محطة بحثية تعتمد على التجارب البيئية، أُنشئت عام 1963م بموجب اتفاقية بين المملكة العربية السعودية ومنظمة الأغذية والزراعة الدولية والصندوق الخاص التابعين للأمم المتحدة.
وتُعد الأكبر من نوعها بين أربع محطات متشابهة الأهداف مختلفة التخصصات في المملكة، إذ تتجاوز مساحتها مئتي فدان، قُسّمت إلى سبعةٍ وعشرين حقلًا.
وفي بداياتها، تولّت شركة هولندية إدارتها، ثم تسلّمت وزارة الزراعة السعودية تشغيلها عام 1969م. وقد أسهمت هذه المحطة في تطوير الزراعة في المنطقة، وقدّمت بحوثًا متقدمة، وتعاملت مباشرة مع المزارعين للإرشاد، وفي ذات الوقت الاستفادة من خبراتهم.
وركزت المحطة على النخيل والخضروات، إلى جانب تجارب على الفواكه مثل الموز والعنب، والزهور التجميلية، إضافة إلى الاهتمام بالثروة الحيوانية، وخلايا النحل، والبذور، وعلم الحشرات.
كما أُنشئت فيها حقول نموذجية لتشجيع استخدام الأساليب الحديثة في الزراعة، ومعرفة احتياجات المحاصيل من المياه، بما يسهم في المحافظة على الموارد المائية.
وزُوّدت المحطة بمعمل لتحليل التربة، ومحطة أرصاد صغيرة لرصد درجات الحرارة والرطوبة وسرعة الرياح، دعمًا للبحوث العلمية.
وكانت تُعقد في هذه المحطة مؤتمرات علمية تُعنى بالأبحاث الزراعية التي يجريها المهندسون الزراعيون والعلماء من منسوبيها. ومن العلماء الباحثين الذين عملوا في هذه المحطة وحققوا اكتشافات عالمية المهندس الزراعي رضي أبو زهيرة رحمه الله تعالى. وقد سبق المرحوم المهندس رضي ابو زهيرة في هذا المجال أيضا، المهندس مهدي علي العمران كأول مهندس زراعي في القطيف بل من أوائل المهندسين في المملكة والمتخرج من جامعة بغداد في اواسط الستينيات الميلادي. وهو أول مؤهل سعودي عمل فيها وكان له دورا في تطويرها ونشاطها في خدمة الزراعة وتحديثها في منطقة القطيف.
ووفرت المحطة لمنسوبيها السكن المناسب في منازل حديثة، محاطة بحديقة غنّاء، وصالة رياضية تضم حمام سباحة، وذلك لتوفير وسائل العيش المريحة.
أعلام الملاحة
من أعلام الملاحة: الشاعر علي خواهر، والشاعر جواد العلي، والشاعر معتوق العلي، والخطيب عيسى أحمد مهنا، والخطيب سلمان آل إبراهيم، والخطيب عبدالله المسلم، والخطيب حسن آل مبارك، والخطيب عبدالله آل عقيل، والخطيب عبدالله آل أبو علي، والخطيب علي آل درويش.

ومن أبرز عوائلها: الدرويش، إبراهيم، مبيريك، عقيل، مويس، ياسين، شعيب، العلي، أخو الصايغ، الناصر، مسلم، فردان، مهنا، عاشور، العبود، المنصوري، مضجر، القاسم، الكحلي، راضي، الوادي، أبا زيد، المر، عبدالوهاب، السيد، حيدر، والعرب. ومن أعيانها: حسين النرويج، حسين بن حمود بن علي بن درويش، وابناه عبدالله وصالح.
قريبا: نزهة في تراث القطيف الجغرافي (ج7)
لقراءة الجزء الأول: https://www.qatifscience.com/?p=33195
لقراءة الجزء الثاني: https://www.qatifscience.com/?p=33311
لقراءة الجزء الثالث: https://www.qatifscience.com/?p=33579
لقراءة الجزء الرابع: https://www.qatifscience.com/?p=34101
لقراءة الجزء الخامس: https://www.qatifscience.com/?p=34627

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية