الزارة قبل الإسلام (3) – بقلم صادق علي القطري

ليس كل ما يطويه الزمان يفنى، ولا كل ما يحجبه الغياب يُمحى من الذاكرة. فثمّة مدنٌ واراها التراب، غير أنها بقيت نابضةً في وجدان التاريخ، تتردد أصداء أسمائها في بطون المصادر، وتقاوم النسيان بما خلّفته من آثارٍ في مسيرة الحضارات وذاكرة الأمم, من بين تلك المدن تبرز الزارة بوصفها واحدةً من المدن التي غابت معالمها، بينما ظل حضورها راسخًا في المدونات التاريخية والجغرافية، شاهدةً على ماضٍ لم تستطع القرون أن تطمس معالمه الفكرية، وإن غيّبت آثاره العمرانية.

{ الزارة قبل الإسلام }

النشأة، والدور الحضاري، والمكانة السياسية في شرق الجزيرة العربية:

لا يمكن فهم تاريخ الزارة في العصر الإسلامي دون العودة إلى جذورها السابقة للإسلام؛ إذ لم تكن المدينة وليدة الفتح الإسلامي، بل كانت قائمة قبله بزمن طويل، وتشكل إحدى الحلقات المهمة في شبكة المدن الساحلية التي ازدهرت على الساحل الغربي للخليج العربي. وتشير المصادر التاريخية والدراسات الحديثة إلى أن الزارة كانت، قبيل الإسلام، مركزًا تجاريًا وإداريًا مهمًا في إقليم البحرين التاريخي، وخضعت للنفوذ الساساني، واتخذها الفرس مقرًا لحاكمهم الإقليمي (المرزبان)، الأمر الذي يكشف عن أهميتها الإستراتيجية في حماية طرق الملاحة والتجارة بين العراق وفارس والهند وسواحل الجزيرة العربية.

شرق الجزيرة العربية قبل الإسلام:

كان إقليم البحرين القديم من أكثر أقاليم الجزيرة العربية ازدهارًا قبل الإسلام. ولم يكن اسم “البحرين” يقتصر على الجزر المعروفة اليوم، بل كان يطلق على مساحة واسعة تمتد على الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية، وتضم الأحساء والقطيف وجزر البحرين وأجزاءً من قطر والكويت الحالية.

تميز هذا الإقليم بخصائص جعلته مختلفًا عن معظم أنحاء الجزيرة العربية، منها وفرة المياه العذبة والعيون الطبيعية، انتشار الواحات الزراعية، كثافة بساتين النخيل، وجود موانئ بحرية نشطة ووقوعه على طريق التجارة البحرية بين الهند وبلاد فارس وبلاد الرافدين لهذه الأسباب أصبح الإقليم مقصدًا للتجار والمستوطنين منذ عصور مبكرة، وأسهم في ازدهار مدن ساحلية عديدة، كان من أبرزها الزارة.

الزارة ونشأتها:

لا تحدد المصادر تاريخًا دقيقًا لتأسيس الزارة، إلا أن الدلائل التاريخية تشير إلى أنها كانت قائمة قبل الإسلام بزمن غير يسير، وأنها نشأت بوصفها ميناءً يخدم واحة القطيف والمناطق الزراعية المجاورة ويُرجح أن اختيار موقعها لم يكن عشوائيًا، بل استند إلى عوامل جغرافية واضحة، أهمها قربها من الساحل, اتصالها بالواحات الزراعية, سهولة الرسو البحري, إشرافها على طرق التجارة البحرية وقربها من مراكز النفوذ السياسي في إقليم البحرين حيث تنسجم هذه السمات مع طبيعة المدن الساحلية التي ازدهرت في الخليج خلال العصر الساساني.

الزارة تحت الحكم الساساني:

يمثل العصر الساساني (224–651م) أهم مرحلة في تاريخ الزارة قبل الإسلام. فبعد بسط الدولة الساسانية نفوذها على شرق الجزيرة العربية، أصبحت المنطقة جزءًا من منظومتها الدفاعية والإدارية. وتشير المصادر إلى أن الزارة كانت مقر المرزبان، وهو الحاكم العسكري والإداري الذي كانت الدولة الساسانية تعينه لإدارة إقليم البحرين، وهو منصب يعكس المكانة السياسية والعسكرية للمدينة.

وهذا يكشف اختيار الزارة مقرًا للإدارة عن عدة حقائق وهي أنها كانت مدينة مستقرة ذات عمران دائم، امتلاكها منشآت إدارية وعسكرية، اتصالها المباشر بالسلطة الساسانية وأهميتها في حماية الملاحة في الخليج. ومن ثم، لم تكن الزارة مجرد قرية ساحلية، بل كانت مركزًا سياسيًا ضمن التنظيم الإداري الساساني.

التركيبة السكانية:

تجمع الدراسات الحديثة على أن سكان الزارة لم يكونوا جماعة واحدة، بل تألفوا من مزيج سكاني وثقافي، ضم قبائل عربية مستقرة، وفي مقدمتها عبد القيس، بطونًا من بكر بن وائل، جماعات من تميم، موظفين وجنودًا فرسًا تابعين للإدارة الساسانية وسكانًا محليين من غير العرب استقروا في المنطقة منذ عصور أقدم حيث أسهم هذا التنوع في جعل الزارة مدينة متعددة الثقافات، تتفاعل فيها التقاليد العربية مع التأثيرات الفارسية، وهو ما يفسر مكانتها الاقتصادية والسياسية.

الحياة الاقتصادية:

اعتمد اقتصاد الزارة على ثلاثة أعمدة رئيسة:

التجارة البحرية:

كان الخليج العربي شريانًا رئيسًا للتبادل التجاري بين الهند وبلاد فارس وبلاد الرافدين، حيث استفادت الزارة من موقعها على هذا الطريق البحري، فأصبحت محطة لتبادل السلع وإعادة توزيعها. ومن أبرز السلع المتداولة: التمور، اللؤلؤ، الأسماك، المنسوجات، التوابل القادمة من الهند والبضائع القادمة من بلاد فارس والعراق.

الزراعة:

ارتبطت الزارة بواحة القطيف الغنية بالعيون الطبيعية، مما أتاح زراعة النخيل والحبوب والخضروات، وشكلت التمور أهم منتجاتها الزراعية.

صيد اللؤلؤ والأسماك:

كان الساحل الشرقي للجزيرة العربية من أشهر مناطق استخراج اللؤلؤ الطبيعي، وأسهمت الزارة في هذه الصناعة، إلى جانب اعتماد سكانها على الصيد البحري بوصفه مصدرًا مهمًا للغذاء والدخل.

الحياة الدينية:

تميزت المنطقة قبل الإسلام بتعدد الأديان والمعتقدات. فقد عاشت فيها جماعات وثنية عربية، زرادشتيون مرتبطون بالإدارة الساسانية، جماعات مسيحية، ولا سيما في أوساط بعض القبائل العربية ومجموعات يهودية في بعض مناطق إقليم البحرين التاريخي. ولا توجد أدلة مباشرة تثبت أن جميع هذه الجماعات كانت تقيم داخل الزارة نفسها، لكن المدينة كانت جزءًا من هذا المشهد الديني المتنوع.

الزارة مركزًا للتجارة الخليجية:

تكشف دراسة طرق الملاحة القديمة أن الزارة كانت تؤدي دور الوسيط التجاري بين داخل الجزيرة العربية والعالم الخارجي. فقد كانت السفن القادمة من الهند، سواحل فارس، وبلاد الرافدين، تمر بموانئ الساحل الشرقي، حيث تُفرغ البضائع أو يعاد شحنها إلى الأسواق الداخلية وهذا الدور التجاري يفسر اهتمام الدولة الساسانية بالمحافظة على المدينة وجعلها مقرًا للإدارة.

لماذا أصبحت الزارة عاصمة للإقليم؟

يرى عدد من الباحثين أن اختيار الزارة مقرًا للمرزبان الساساني لم يكن مصادفة، وإنما يعود إلى اجتماع عناصر القوة فيها وهي موقع بحري ممتاز، واحة زراعية غنية، قربها من طرق التجارة، إمكان الدفاع عنها وكثافة سكانية مستقرة. وقد جعلت هذه المقومات منها إحدى أهم مدن شرق الجزيرة العربية قبيل ظهور الإسلام.

الزارة عشية ظهور الإسلام:

عند بزوغ فجر الإسلام في أوائل القرن السابع الميلادي، كانت الزارة مدينة عامرة ذات أهمية سياسية وتجارية، وتخضع للإدارة الساسانية، بينما كانت القبائل العربية، وعلى رأسها عبد القيس وبكر بن وائل وتميم، تمثل القوة الاجتماعية الرئيسة في هذا الإقليم. كان هذا الواقع هو الذي واجه الدعوة الإسلامية لاحقًا، عندما أرسل النبي محمد (صل الله عليه واّله) العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، فدخلت المنطقة مرحلة جديدة من تاريخها، انتهت بانضمامها إلى الدولة الإسلامية ثم بالأحداث التي أعقبت وفاة النبي (صل الله عليه واّله)، والتي كان للزارة فيها دور بارز.

وتكشف الشواهد التاريخية أن الزارة لم تكن مدينة هامشية ظهرت في المصادر الإسلامية فجأة، بل كانت نتاج قرون من التطور العمراني والسياسي في شرق الجزيرة العربية. فقد جمعت بين خصائص الميناء التجاري، والواحة الزراعية، والمركز الإداري، والحصن العسكري، مما جعلها إحدى ركائز إقليم البحرين في العصر الساساني. وعندما بزغ فجر الإسلام كانت الزارة مدينة ذات ثقل سياسي واقتصادي، وهو ما يفسر حضورها اللافت في أحداث الفتح الإسلامي وحروب ما يسمى بالردة. ومن ثم، فإن دراسة تاريخها قبل الإسلام ليست تمهيدًا للأحداث اللاحقة فحسب، بل هي مفتاح لفهم مكانة الزارة في تاريخ الخليج العربي بأسره.

قريبا: الجزء الرابع: الزارة في صدر الإسلام
لقراءة الجزء الأول: https://www.qatifscience.com/?p=36109
لقراءة الجزء الثاني: https://www.qatifscience.com/?p=36121

المهندس صادق علي القطري

المصادر:
• Daniel T. Potts, The Arabian Gulf in Antiquity.
• Farouk Omar, Urban Centres in the Gulf during the Early Islamic Period.
• Ahmad al-Baladhuri, Futūḥ al-Buldān.
• Michael Lecker, دراسات عن البحرين وشرق الجزيرة العربية قبل الإسلام.
• دراسات عن تاريخ شرق الجزيرة العربية والعصر الساساني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *