أهازيج ألعاب البنات في القطيف – بقلم صادق علي القطري

حين كانت اللعبة تحفظ الأغنية، والأغنية تحفظ ذاكرة البنات، كانت أهازيج ألعاب البنات في القطيف جزءًا أصيلًا من طفولة الأمس، ارتبطت بساحات البيوت، والأحياء القديمة، وفناءات المنازل، وبالاجتماع اليومي للفتيات حول لعبة تبدأ بالضحك وتنتهي بأهزوجة تحفظها المشاركات عن ظهر قلب. لم تكن اللعبة عند بنات القطيف حركةً ولهوًا فحسب؛ فقد كانت الأهزوجة هي التي تمنح اللعبة إيقاعها، وتحدد أدوار المشاركات، وتخلق روح المنافسة والمرح. وكانت الفتاة تتعلم الأهزوجة من أختها الكبرى أو صديقتها أو قريبتها، ثم تعيدها في اليوم التالي مع مجموعة أخرى، وهكذا تنتقل من جيل إلى جيل.

الأهزوجة رفيقة لعبة البنات:

كانت الفتيات يجتمعن في مجموعات صغيرة، ويخترن اللعبة التي تناسب أعمارهن والمكان المتاح لهن. وما إن تبدأ اللعبة حتى تنطلق الأصوات متتابعة، أحيانًا في صورة جماعية، وأحيانًا تتولى فتاة دورًا معينًا بينما تردد الأخريات خلفها. وكان التكرار عنصرًا أساسيًا؛ فالأهزوجة القصيرة يمكن أن تتكرر عشرات المرات دون أن تفقد متعتها، لأن الكلمات كانت مرتبطة بالحركة وبانتظار الدور وبضحكات المشاركات. وهنا تظهر قيمة هذه الأهازيج؛ فهي ليست نصوصًا شعرية مستقلة دائمًا، وإنما نصوص أدائية لا تكتمل إلا عندما تُقال أثناء اللعب.

من ألعاب الطفولة إلى ذاكرة المجتمع:

ارتبطت أهازيج البنات بألعاب مختلفة، منها ألعاب تعتمد على:

الحركة والدوران.
القفز والتخطي.
التصفيق وتبادل الحركات.
الاختيار والعدّ.
الاختباء والمطاردة.
الحبل.
الألعاب الجماعية التي تتطلب تقسيم الفتيات إلى مجموعات.
الألعاب التمثيلية التي تقلد فيها الفتيات أدوارًا من الحياة اليومية.

وقد عُرفت في منطقة القطيف ألعاب أطفال ذات ترديدات شعبية، كما عُرفت في الأحساء أيضًا، وهو ما يؤكد أن دراسة ألعاب البنات تحتاج إلى التمييز بين المشترك الإقليمي وبين ما يمكن إثبات خصوصيته القطيفية من خلال روايات أهل المنطقة.

الفتاة الصغيرة… حافظة الأهزوجة القادمة:

من أجمل ما في هذا الموروث أن انتقاله لم يكن يتم عبر كتاب أو مدرسة، وإنما عبر المشاهدة والمشاركة. تجلس الصغيرة إلى جوار الأكبر منها، تستمع إلى الكلمات، تراقب الحركة، ثم تبدأ في تقليدها. وفي البداية قد تخطئ في بعض الألفاظ، فتضحك الأخريات وتعيد المحاولة، حتى تحفظ الأهزوجة وتصبح بعد سنوات هي الأخرى من حافظاتها. وبذلك كانت لعبة الأطفال تؤدي وظيفة ثقافية غير مقصودة وهي تعليم الفتاة اللغة الشعبية، والإيقاع، والتعاون، وانتظار الدور، والالتزام بقواعد الجماعة.

اللهجة القطيفية في أهازيج البنات:

تمثل هذه الأهازيج مادة مهمة لدراسة اللهجة المحلية؛ لأن الفتيات كن يرددنها كما يسمعنها في بيئتهن اليومية. ومن الخطأ في توثيقها أن تُعاد صياغتها بالفصحى أو أن تُستبدل كلماتها الشعبية بألفاظ حديثة؛ لأن المفردة المحلية جزء من هوية النص. بل إن اختلاف لفظ واحد بين قرية وأخرى داخل القطيف قد يكون ذا قيمة للباحث؛ فهو يكشف عن طريقة انتقال الأهزوجة وتطورها وانتشارها بين البيئات المحلية. ولهذا ينبغي عند جمعها أن يُسجل النص بالصيغة التي تتذكرها الراوية، مع الإشارة إلى أي اختلافات في الروايات بدل توحيدها قسرًا.

عالم البنات… عالم اجتماعي صغير:

كانت ألعاب البنات مساحة للتعارف وبناء الصداقة، وتعلم المشاركة، والتعبير عن المشاعر، وممارسة شيء من الاستقلال بعيدًا عن عالم الكبار. وفي بعض الألعاب كانت الفتاة تتعلم كيف تكون قائدة للمجموعة، أو كيف تختار زميلتها، أو كيف تنتظر دورها، أو كيف تتقبل الخسارة والفوز. ومن خلال الأهزوجة نفسها كانت الفتيات يصنعن عالمًا صغيرًا خاصًا بهن؛ عالمًا فيه الضحكة والمنافسة والحكاية والحركة والخيال.

المرأة ودورها في حفظ هذا التراث:

ولأن جانبًا كبيرًا من ألعاب البنات كان يجري في محيط النساء والأطفال، فإن كثيرًا من روايات هذا الموروث بقيت في ذاكرة الأمهات والجدات والنساء الأكبر سنًا. وهذه نقطة مهمة جدًا في مشروع توثيق “الأهازيج الشعبية القطيفية”. فالتراث الشفهي القطيفي لم يكن محفوظًا في الكتب وحدها؛ بل ظل حيًا في ذاكرة الناس، وخصوصًا لدى الأجيال التي عاشت تفاصيل الحياة المنزلية والبحرية والزراعية القديمة. وقد أشارت الكتابات التي تناولت جمع التراث الشفهي في القطيف إلى أهمية روايات كبار السن، ولا سيما النساء في البيئات المحلية.

لماذا تستحق أهازيج البنات التوثيق؟

لأننا إذا فقدناها فلن نفقد كلمات ألعاب قديمة فقط، بل سنفقد جزءًا من صورة كيف كانت الفتاة القطيفية تعيش طفولتها. إنها تكشف:

عن اللغة: كيف كانت الفتيات يتحدثن ويغنين.

عن المجتمع: كيف كانت الصداقة والتعاون والمنافسة تنشأ بين الأطفال.

عن المرأة: كيف شاركت الأمهات والجدات في نقل الذاكرة الشعبية.

عن المكان: كيف تحولت البيوت والأحياء والساحات إلى فضاءات للعب.

عن التربية: كيف كانت قيم التعاون والصبر واحترام الدور تُكتسب من خلال اللعب.

عن الذاكرة: كيف انتقل النص من طفلة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل.

ضرورة التفريق بين القطيفي والمشترك الشعبي:

ومن المهم، في عمل توثيقي جاد، ألا ننسب إلى القطيف كل أهزوجة شعبية كانت معروفة في الخليج أو المنطقة الشرقية. فبعض الألعاب والأهازيج مشترك بين مناطق متعددة، وقد تصل إلى القطيف بصيغ مختلفة. لذلك فإن وصف الأهزوجة بأنها “قطيفية أصيلة” يحتاج إلى توثيق محلي لمن قالتها؟ وأين كانت تُقال؟ وفي أي لعبة؟ وفي أي بلدة أو حي؟ ومن أي جيل وصلت؟ وهذه الدقة لا تقلل من قيمة التراث، بل تحميه من النسبة الخاطئة.

كانت بنات القطيف قديمًا يصنعن من أبسط الأشياء عالمًا من الفرح؛ حبلٌ يتحول إلى لعبة، وساحة صغيرة تصبح ميدانًا للمنافسة، وتصفيق الأيدي يتحول إلى إيقاع، وكلمات قليلة تتحول إلى أهزوجة تحفظها عشرات الفتيات. ولم تكن تلك الأصوات التي كانت ترتفع في أحياء القطيف القديمة مجرد أصوات طفلات يلعبن؛ كانت ذاكرة شعبية تمشي على قدمين، وتنتقل من فم إلى فم، ومن طفولة إلى طفولة. واليوم، حين نستعيد أهازيج ألعاب البنات، فإننا لا نستعيد لعبة قديمة فحسب؛ بل نستعيد صوت الفتاة القطيفية في طفولتها، وضحكتها، ولهجتها، وصديقاتها، وبيئتها، وعالمًا اجتماعيًا كاملًا كاد أن يختفي من الذاكرة. ولهذا فإن جمع هذه الأهازيج وتسجيلها بأصوات راوياتها، مع ذكر اللعبة، وطريقة الأداء، والبلدة، والجيل، واختلاف الروايات، يمثل خطوة أساسية في بناء أرشيف حقيقي للموروث الشعبي القطيفي.

المهندس صادق علي القطري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *