نزهة في تراث القطيف الجغرافي (ج2) – بقلم علي الجشي

“مقدمة”
يأتي هذا التوثيق بعنوان «نزهة في تراث القطيف الجغرافي» بوصفه قراءة، تاريخية معرفية، تفاعلية وغنية للبيئة الطبيعية والجغرافية لديموغرافية واحة القطيف، تُقدَّم بأسلوب مريح وسلس، بعيد عن الجفاف الأكاديمي، ليأخذ القارئ في رحلة معرفية ممتعة عبر المكان والزمان.

[نزهة في تراث القطيف الجغرافي – الجزء الثاني ّ شمالًا إلى صبيغاوي]

بدأت جولتنا في اتجاه شمال الواحة، انطلاقًا من باب الشمال وهو حي مفتوح نابض بالحركة يقع شمال السوق المركزية المعروفة بسوق “شمال”.

مع بداية طريقنا، نمر بـ الخنّاق؛ جدول ماء يجري كالنهر الهادر، يحمل الفائض الذي يسقي مزارع الشرق ثم يفرغه في سواحل الخليج، حيث تنمو أشجار القُرم في مناطق التقاء المياه العذبة بالمالحة. في هذا الجدول العريض نسبيًا، يتعلم الأطفال أولى مهارات السباحة قبل أن يخوضوا مياه العيون الغزيرة.

وبجانب هذا المجرى المائي قامت محطة وقود لتزويد السيارات بالبنزين والديزل، أنشأها المرحوم السيد جعفر العوامي لخدمة المركبات المتجهة شمالًا. وكانت واحدة من محطتين فقط في القطيف آنذاك، أما الثانية فأنشأها أبناء طه الحداد في الطرف الجنوبي من البلد.

وإلى جنوب المحطة كانت تُعقد سوق مسائية كبيرة لبيع “القت” تمتد حتى غروب الشمس، والقت باللهجة القطيفية الدارجة هو البرسيم. كان يجلب من مختلف مزارع القطيف بكميات وفيرة، ويُعدّ في ذلك الوقت من أبرز المنتجات الزراعية، إذ شكّل الغذاء الرئيسي للدواب من أبقار وأغنام وماعز، وهي المصدر الأساس الذي اعتمدت عليه البلاد في توفير اللحوم والألبان ومشتقاتها.

الوسادة

بعد أن نملأ خزان سيارتنا بالوقود، نتجه شمالًا نحو حي الوسادة، وهو حي صغير وادع، تفصله عن أحياء القطيف المركزية بساتين نخيل كثيفة تزيد المكان روعةً وجمالًا. وما بين النخيل والأشجار على جانبي الطريق المؤدي إلى الوسادة، تظهر مدرسة النعامي الابتدائية بمبناها الحديث المكون من طابقين، التي بنتها وزارة المعارف وفتحت فصولها للدراسة عام 1962م.

وبعدها ببضع أمتار ننعطف يسارًا نحو الغرب، لنصل إلى محلة الوسادة الواقعة على طريق الخبَّاقة، المعروف باسم الهدلة. هذا الطريق يمتد نحو ثلاث كيلومترات حتى ينتهي عند نهاية الحد الغربي لنخل الهمّال، حيث تبدأ الكثبان الرملية المتصلة بصحراء الدهناء. ويُعد نخل الهمّال، بمساحته الواسعة، من أكبر بساتين القطيف وأكثرها غزارة في إنتاج الرطب والليمون.


وعلى مقربة من الوسادة، تتوزع ثلاث تجمعات سكنية صغيرة هي: المزيرع، الخرارة، والخبَّاقة. وبالقرب من الأخيرة كانت تنتشر الدوغات، وهي تشير إلى اماكن المعامل التقليدية المتخصصة في صناعة الأواني الفخارية. هناك يُعجن الطين ويُشكَّل، ثم يُجفف بحرارة الشمس أو يُحرق بنار الدوغات (جمع دوغة)، وفي اللهجة البحرانية، تعني “الدوغة” الأفران التي يُحرق فيها الفخار، والكلمة لها علاقة باستخدام النار بالصناعة، وجذرها مشتق من داغ السومرية بمعنى حار أو ساخن جداً ويقال أن أصلها في سياق أفران الجص أو الفخار قد تكون كلمة فارسية تعني “الجص”. وشاع استعمالها في لهجات عربية للدلالة على الفرن الذي يشوى فيه الفخار، وطوب الآجر وأحجار الجص الجيري.

وقد تنوّعت منتجات هذه الدوغات بين تنانير المخابز، والقداوة (جمع قَدُو)، وأوانٍ لتبريد وحفظ المياه مثل الحُبُوب (جمع حَبّ) والشُّرْبَات (جمع شُرْبة) والجِحَلات (جمع جَحْلة)، إضافةً إلى قُدور الطبخ وسواها. وكانت هذه الدوغات من أبرز المراكز الصناعية التقليدية في المنطقة، إذ وفّرت جانبًا كبيرًا من احتياجات الأهالي، فيما كان يُستورد بعض الفخار المصنع من البصرة لسد النقص.


وفي قصيدته تحت عنوان “إلّا الشعر” الواردة في ديوان أبي البحر الخطي، والتي قالها هزلًا شاعرنا أبو البحر شرف الدين جعفر بن محمد بن حسن الخَطّي البحراني العَبيدي (1572 – 1619 م) (980 – 1028 هـ)، ومطلعها: «أو فاتَّخِذْ لكَ سِندانًا ومِطْرقةً». هزلًا فيمن لا يُحسن نظم الشعر.
وقد عدّد فيها الشاعر عددًا من المهن السائدة آنذاك في القطيف، فغدت بمثابة وثيقة مرجعية لتلك الحِرَف. ومن بين ما ذكره صناعة الجرار بالطين، فقال:

أو فاقتلِعْ مِنْ رَشَالَى الطِّينِ مُتَّخِذًا … منهُ الجِرَارَ وعِشْ في الخَطِّ جَرَّارَا

وتقع منطقة رَشَالَى (أو رشالة) التي أشار إليها الشاعر شمال موقع هذه الدوغات في بلدة القديح، وقد اشتهرت بجودة طينها المستخدم في صناعة الأواني الفخارية، وكذلك في غسل الملابس.

ويتذكر صديقنا سليم حِرص معلّمي العلوم في مدرسة النعامي الابتدائية على اصطحاب التلاميذ إلى تلك الورش. ويقول: كانوا يأخذونا إليها ونحن طلبة صغار لشرح المتغيرات الفيزيائية والكيميائية التي تطرأ على المواد أثناء الصناعة.

كان الحرفي يضع الطين على قرص خشبي سميك يديرها بقدميه الذي يحرك بهما بالتبادل حبالين في اتجاهين عموديين (reciprocal move) ينتجا طاقة حركية عمودية تتحول إلى قوة ميكانيكية تدور العجلة افقيًا تساعد في استنساخ هياكل وأواني فخارية بأشكال متعددة وأحجام مختلفة. وبعد ذلك تُدخل القطع في الدوغات لتزداد صلابة ومتانة، ثم تزين بألوان الطلاء اللامع.

كما كان التلاميذ يشاهدون الحرفيين وهم يستخدمون أيديهم وأدواتهم البسيطة لإحداث الثقوب أو تحديد العمق وزخرفة السطح. وهناك، كانوا يتعلمون أن المهارة اليدوية هي أساس الصناعة، وأن الطين يمكن أن يتحول بلمسات بشرية صابرة إلى ما هو نافع وجميل في آن واحد. لم تكن تلك مجرد دروس، بل رحلات في الذاكرة رسخت في نفوسهم معنى الصنعة، ومعنى أن يكون كل شيء في الحياة ثمرة جهد إنسان من أبناء البلد، من صغاره وكباره.

لقد جمعت تلك الزيارات بين التعليم والمتعة، إذ كان الأطفال يبهجهم مشهد خلط الطين بالماء ثم كبسه للتخلص من الفائض، قبل وضعه على العجلة أو صبّه في قوالب جبسية. وبعد أن يقوّى بالنار ويُزجّج بطلاء لامع متنوع الألوان، يصبح الفخار جاهزًا للبيع والاستعمال. وكان جميع الحرفيين من أبناء البلد، يعملون فيها جيلًا بعد جيل، ويفرحون بزيارة طلاب المدارس ومحبي التراث إلى ورشهم الصغيرة. ومن أهالي الوسادة الكرام الذي أعرف الأستاذ الشيخ الفاضل حسن خليف، وهو طالب علم مجتهد وملتزم.

البحاري
بعد نحو مئتي متر غرب الوسادة نتجه شمالًا نحو قرية البحاري، وهي من القرى المتوسطة حجمًا، عُرفت بهدوء أهلها وطيبة معشرهم. ويقال إنها سميت البحاري لأن كثيرًا من أهلها كانوا يعملون بالبحر إضافة إلى أعمال الزراعة شأنها في ذلك شأن أغلب بلدات القطيف.

ومن أبرز معالمها الأثرية مسجد الشرايع (الشرائع)، وهو مسجد عريق يعود تاريخه إلى مئات السنين، شُيّد على الطراز العمراني الإسلامي القديم بأعمدته الأسطوانية، وأقواسه المزخرفة، ونقوش آياته القرآنية التي منحت المكان روحانية خاصة تدعو العابرين للتوقف وأداء الصلاة. وكان منظره الخارجي يحمل ملامح معمارية مميزة تتناغم مع محيطه من النخيل الباسقة والأشجار الكثيفة، فتزيد الطريق بهجة وزينة. أما مرافقه من حمامات وأماكن وضوء وسبيل ماء للشرب، فقد وفّرت لعابري السبيل – ولدوابهم أيضًا – محطة للراحة والاستجمام.

وقد كان هذا المسجد يقع على الجانب الغربي من الطريق التاريخي الذي يربط البحاري بالوسادة، قبل أن يُزال مع إنشاء شارع الملك فيصل (المحيط). وبعد ازالته استحدث مكانه مسجد الشرايع الجديد الواقع على شارع أحد جنوب البحاري.

وفي شمال القرية يقع مسجد عزيز، وهو واحد من أشهر مساجد القطيف القديمة، وله مكانة خاصة وقدسية في نفوس الناس فاهتموا به وجددوه بطراز عمراني إسلامي حديث.

أما من جهة الشرق، فتُعرف منطقة النخيل المحيطة بالقرية باسم ساحة البحاري، وتُنطق محليًا سيحة البحاري. وتُطلق كلمة سيحة في اللهجة الدارجة على المساحات الواسعة التي فيها المزارع والنخيل وتنساب فيها مياه العيون. وتأخذ سيحة البحاري المياه اللازمة للزراعة من ثلاث عيون طبيعية كبيرة هي الرواسية والحليلة والبشري، وجميعها ضمرت وأصبحت أثرًا بعد عين.

كانت سيحة البحاري تمتد شرقًا حتى ساحل البحر، الذي لم يكن حتى أواخر السبعينات يبتعد عنها أكثر من خمسمئة متر. هناك كان يلتقي خضار المزارع بزرقة مياه الخليج الهادئة في مشهد بديع، تزينه ظلال النخيل السامقة وهي تتمايل مع نسيم البحر، كأن سعفاتها تُحيّي الموج وترد سلامه بوقارٍ وحنو، في صورة تبقى عالقة في الروح.

وفي قلب هذه السيحة، اتخذ شباب القرية ملعبًا لكرة القدم، يجتمعون فيه لمباريات الحواري، بين صفاء الأجواء وهدوء المكان، فتغدو اللعبة جزءًا من نبض الأرض ومسرّة أيامها.

لكن الزمن غيّر المشهد؛ إذ ابتعد البحر شيئًا فشيئًا حتى صار اليوم على بعد لا يقل عن ثلاثة كيلومترات، بعد أن رُدمت مساحات واسعة من مياهه لتُقام عليها مخططات سكنية كبرى، نشأ فوقها حيّ الحسين وما تلاه من أحياء حوت ألوف البيوت. كأن البحر قد انسحب إلى الخلف “بما كسبت أيدي الناس”، تاركًا مياهه ذكرياتٍ في الوجدان، وأرضه عمرانًا صاخبًا بدل تلك السكينة التي خيمت عليه آلاف السنين.

ومن رجالات البحاري المميزين المرحوم الفاضل الملا أحمد المحيسن، الرجل الضرير الذي امتلك مواهب عديدة؛ فقد كان صاحب حس فكاهي ومرح وسرعة بديهة، حافظًا للقرآن وكثيرٍ من الأذكار والأشعار، ومطلعًا على الأحكام الشرعية. امتهن الخطابة وأجادها حتى صار له مريدوه وشعبيته، ولازم سماحة الشيخ منصور البيات منذ عودته من العراق.

القديح
وما أن نغادر البحاري حتى تنعطف بنا الطريق غربًا نحو القديح، التي لا تفصلها عنها سوى مسافة قصيرة سرعان ما نقطعها لنجد أنفسنا في قلب القرية بين ظلال أشجارها الوارفة.

إنها قرية كبيرة متكاملة تحيط بها غابة كثيفة من النخيل وسيبان المياه النابعة من العيون التي تسقي السيح، وكانت مزارعها الشرقية تتصل قديمًا بمياه الخليج من جهتها الغربية، كما هو الحال في البحاري. ومن أشهر عيون الماء الكبيرة في محيط القديح: عين الرواسية جنوبًا في اتجاه التوبي، وعين اللبانية شمالًا في اتجاه العوامية. وتاريخيًا، اعتمدت القديح اقتصاديًا على الزراعة إضافة إلى البحر وما يستخرج منه من خيرات.

وفي وقت مبكر شهدت القديح حضور مؤسسات الدولة الحديثة، فأنشئت فيها مدرسة القديح الابتدائية، وفرع لبلدية القطيف، وسوق محلية مركزية، لتغدو نقطة عمران وحركة. وكان قائد رحلتنا المرحوم الأستاذ أمين قد عمل مدرسًا فيها بعد تخرجه مباشرة من معهد المعلمين في ستينات القرن الماضي، فحمل لها احترامًا وحبًا عميقين.

وعُرفت القديح بترابط أهلها وتنظيمهم الاجتماعي المميز، وما تحلوا به من نخوة وكرم وصبر ومثابرة. كانوا حريصين على الإنجاز بصمت ورويّة، حتى غدت قريتهم ذات حضور اجتماعي واقتصادي بارز في تاريخ القطيف. كما اشتهرت قديمًا بدفاع رجالها عن الواحة ضد تعديات البدو قبل قيام الدولة السعودية، وبسعيهم الحثيث لتأمين سبل العيش الكريم. وهي اليوم من أكبر قرى القطيف سكانًا، وقد أنجبت عبر العصور العديد من العلماء والأدباء ممن يصعب حصرهم.

ومن أبرز أعلامها الأستاذ الملا محمد علي بن الملا حسن الناصر، المعروف بكنية أبي سيبويه، لما عُرف عنه من تعلق عميق بلغة الضاد وإتقان تام لقواعدها، حتى ترك استخدام اللهجة المحلية في المحافل العامة والتزم بالفصحى البليغة. وقد أكد ذلك حين سمّى ابنه البكر “سيبويه” أيضًا. كان ذا اهتمامات أدبية وفقهية واسعة، جمع بين تعليم القرآن والخطابة وقرض الشعر والتأليف والتأريخ الموثّق. كما أنشأ متحفًا مرخّصًا ضم الكثير من التحف والمخطوطات النادرة، فكان شاهدًا على شغفه بالتراث وحرصه على حفظه للأجيال.

وبرز من شخصيات القديح اللامعة على مستوى الوطن المرحوم عبد الخالق الجنبي، الذي تميّز بجهوده في دراسة التاريخ والآثار، وأثرى المكتبة السعودية ببحوث دقيقة ومحاضرات قيّمة. ومن وجوهها البارزة أيضًا الدكتور جعفر علي آل توفيق، الذي نال بكالوريوس الطب بتفوق من جامعة الملك فيصل عام 1992م، وحاز على جوائز عدة، منها جائزة أفضل بحث من جامعة إنديانا الأمريكية عام 1999م، كما اختير لاحقًا ضمن قائمة أفضل 1% من العلماء الأكثر تأثيرًا في العالم بحسب مجلة صبرة.

أما من علمائها الأقدمين فيبرز الفقيه العلامة الشيخ علي بن حسن بن علي بن سليمان البلادي (1274 هـ – 1340 هـ)، المؤرخ والأديب والشاعر، الذي ترك أثرًا بارزًا في التوثيق العلمي والأدبي. وأشهر مؤلفاته كتاب أنوار البدرين ومطلع النيرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين، إضافة إلى تسع مؤلفات أخرى.

ولم تقتصر شهرة القديح على العلماء والأدباء، بل امتدت أيضًا إلى الصناعات المحلية. ومن أبرزها معمل قصقوص للحلقوم والحلوى، إذ استورد صاحبه حينها آلات متطورة للإنتاج والتغليف، فارتقت منتجاته إلى مستوى نافست فيه الحلقوم المستورد، وصارت مقصدًا للزبائن من مختلف أنحاء القطيف. وكان طعم الحلقوم الطازج علامة مميزة عالقة في ذاكرة الأطفال والكبار على حد سواء. كما أنها اشتهرت بإجادة صنع الفلافل المميز والذي اشتهر بجودته العالية في جميع مناطق القطيف والمناطق المجاورة فأصبح الزبائن يقصدون القديح لشرائه من الخبر والبحرين والأحساء والكويت.

ويُذكر إن تاريخ القديح يعود إلى أكثر من 450 عامًا. ويقول المؤرخ المعروف ب “أبو سيبويه” أن القديح سميت بأول رجلٍ سكن فيها. أما بالنسبة لتاريخ القديح فلا يوجد ضابط تاريخي مؤكد ولكن هناك احتمالات قريبة إلى الواقع، فهناك قبور في القديح لأعلام من القرن التاسع. أما تقديريًا فهي تعود إلى القرن الرابع الهجري أي لقبل أكثر من الف سنة هجرية.

الطريق إلى العوامية
بعد مغادرتنا القديح عبر منفذها الشرقي، نصل إلى الطريق المعبّد الذي أنشأته وزارة المواصلات قبل منتصف الستينات ليربط مركز القطيف بصفوى شمالًا مرورًا بالعوامية. وقد ظل هذا المنفذ لسنوات طويلة، تزيد على نصف قرن، هو المعبر الأساسي الذي يصل القديح بطريق القطيف–صفوى، قبل أن تلتحم تدريجيًا بشبكة الشوارع الحديثة وتتصل عمرانًا بالنسيج العمراني المتسع لحاضرة القطيف، وإن كان ذلك على حساب مساحات زراعية منتجة طواها العمران.

جبل الحريف
بعد مسافة قصيرة يلوح لنا مسجد الحريف، وهو مسجد أثري يطل مباشرة على الطريق الذي شُقّ وسط النخيل. ويبدو أن القائمين على فتح الطرقات آنذاك كانوا يحرصون على إبقاء المساجد وصونها أثناء أعمال التوسعة.

توقفنا عند المكان نتأمل معالمه التي كان أهمها مسجد جبل الحريف، ويقع في ساحة فسيحة منبسطة يعلوها البناء على أرض مرتفعة. وإلى الغرب منه تقع عينان سيح دائريتان؛ إحداهما واسعة بشكل لافت، وهي أكبر عين دائرية شاهدتُها في القطيف، ولا يوجد فيها “جلوف” — وهي الدكك التي يغمرها الماء لجلوس السباحين — ولذلك لم تكن السباحة فيها ممكنة للناس العاديين، لافتقادها أحد أهم عناصر السلامة. وتُعرف هذه العين باسم الوسايع (الوسائع)، ويبدو أن اسمها أُخذ من اتساعها. وتجاورها عين أخرى أصغر قطرًا، ماؤها صافٍ وبارد، خاصة في الصيف، فكانت مقصدًا للسباحة والاستجمام.

وعلى طرف الساحة بدت بعض بقايا آثار جبل الحريف، بعد أن أُزيل جزء كبير منه وكُسرت حجارته بغرض استخدامها في إنشاء جسر تاروت. ولولا ذلك لبقي هذا المعلم شاهدًا جيولوجيًا مهمًا يبرز الطبقات الصخرية للزمن الجيولوجي.

والجبل هنا ليس جبلًا بالمعنى المعروف، بل هو نتوء صخري من الحجر الجيري، مرتفع بشكل ملحوظ عن سطح الأرض، يمتد على شكل تعرّجات متفاوتة الارتفاع بطول يقارب المائة متر. وقد اتخذت هذه التعرجات مع مرور الزمن أشكالًا طبيعية منحوتة بفعل عوامل النحت والتعرية، أطلق الناس على بعضها أسماء خيالية من وحي هيئتها. وتمتد هذه الطبقة الصخرية الظاهرة على السطح بشكل متقطع في جهات متعددة.

وربما يكون هذا النتوء، الذي يُعد من التضاريس الطبيعية المميزة، امتدادًا لجيولوجية أرض الظهران التي تحمل هي الأخرى اسم “الجبل”. ومن المألوف في القطيف إطلاق اسم أرض الجبل على الأراضي التي تقترب فيها الطبقة الصخرية من السطح.

ويذكر بعض كبار السن أن ساحة جبل الحريف كانت تضم قديمًا قرية صغيرة هجرها أهلها وانتقلوا للاستقرار في قرى مجاورة. كما توجد بعض العائلات القطيفية التي تحمل اسم الحريفي، وربما نُسبت إلى هذا الموضع القديم.

السدود
وبعد أن استمتعنا بمشهد المسجد والعينين وما تبقى من معالم الجبل، واصلنا مسيرنا شمالًا نحو العوامية لنصادف أول قناة من قنوات تصريف المياه الرئيسية شمال القطيف. هذه القنوات عُرفت بين الناس باسم السدود (جمع سد)، رغم أن وظيفتها لم تكن حبس الماء بل تصريفه. وقد شُقّت هذه القنوات في أواخر خمسينات القرن الماضي لتصريف المياه الزائدة التي كانت تُغرِق التربة وتضر بالمزارع بسبب ارتفاع نسبة الملوحة المحتبسة. ويُعتقد أن تسمية “السد” استُعيرت من تسمية “السد العالي” في مصر، لا سيما أن المقاول الذي نفذ هذه الشبكة هو عثمان أحمد عثمان، صاحب شركة المقاولون العرب في ذلك الوقت.

وكان من الفوائد الجانبية لشق هذه القنوات فتح ممرات على جانبيها كحرمٍ (حمى) لها وللسماح بصيانتها وحماية أطرافها من الانهيار مما ساهم في تحسين المواصلات حيث استخدمت هذه الممرات لعبور السيارات والقواري (العربات) التي تجرها الدواب، فأصبح حرم الحماية على جانبيها طريقًا يستخدمه المزارعون وكل من يقصد المزارع والقرى. كما تحولت هذه الممرات مع الوقت إلى أماكن ترفيهية ومتنفس طبيعي للأهالي، وللطلبة والتلاميذ الذين كانوا يفضلون المذاكرة في ظلال الأشجار وعلى ضفاف المياه.

وعندما وصلنا إلى تقاطع السد، قررنا الاتجاه غربًا، وسرنا حتى بلغنا نهايته حيث هدير الماء وهو يصب في البحر. هناك تختلط مياه الآبار العذبة بالمياه المالحة بما تحمله من مخلفات وبذور، فتغني المنطقة الساحلية وتحوّلها إلى مرتعٍ لنمو الأسماك الصغيرة التي تراها تسبح في صفاء الماء، فتعطي المكان حيوية. كما تساعد هذه المياه في توفير غذاءٍ لأشجار القرم والنباتات الخضراء الأخرى التي شكلت ما يشبه الغابة الكثيفة، مشهد بديع يخيم عليه السكون فيزيده رونقًا وجاذبية.

وبعد أن قضينا وقتًا ممتعًا عند السد، عدنا نسلك الضفة الأخرى للسد لنقطع الشارع هذه المرة، ونواصل مسيرنا غربًا حتى وصلنا إلى عين اللبانية، وهي عين سيح يفيض منها الماء ليسقي المزارع، وفي وسطها يجد الشباب والكبار والصغار متعتهم بالسباحة في مياهها العذبة النقية. وتُعد عين اللبانية من أجمل وأشهر عيون القطيف بصفائها وخفة مائها.

وعند انتهاء زيارتنا لمحيط عين اللبانية، نستقل السيارة عائدين باتجاه الطريق القديم لنواصل مسيرنا شمالًا إلى العوامية.

الزارة

بعد عبور “السد” بمئات الأمتار، نصل إلى زارة القطيف الأثرية، وهي قرية تاريخية عريقة ارتبط اسمها بأحداث مهمة في منعطفات الزمن، وشهدت فصولًا من تاريخ المنطقة وسجلّ مجرياتها.

تقع الزارة جنوب شرق العوامية، وتحديدًا عند منعطف الطريق المسفلت المؤدي إليها. كانت هذه البلدة عاصمة بلاد البحرين القديمة، وحاضرة “الخط” في عصر ما قبل الإسلام والعصور الإسلامية الأولى، وهي اليوم جزء من بلدة العوامية.

يُقال إن أصل الاسم هو الزأرة، ويعني “المنطقة ذات الأشجار الكثيفة”، وهو تفسير ينسجم مع طبيعتها البيئية القديمة، ويُرجَّح أن الاسم خُفّف في النطق بمرور الزمن من “الزأرة” إلى “الزارة”.

تعرّضت الزارة لدمار شامل خلال حملات القرامطة، وأصبحت من القرى المهجورة، لكنها ما زالت تحتفظ ببعض الآثار المعمارية والأطلال القديمة التي تشهد على قِدمها وازدهارها السابق. ويمكن للزائر أن يشاهد بقايا أسوارٍ حجريةٍ وأبنيةٍ تاريخيةٍ، وما تبقّى من بساتين النخيل التي شكّلت رافدًا اقتصاديًا لسكانها حتى وقت قريب، إلى جانب عين الزارة وهي من أهم المعالم الأثرية ليس للزارة فحسب بل لكل تاريخ القطيف ففي ما يروى أن الرسول صلى الله عليه وآله قد وقف عليها.

وفي عام 1975م سُجّلت الزارة رسميًا كموقع أثري مهم في المنطقة الشرقية، لما تحمله من عراقة تاريخية وكنوز أثرية ثمينة، إذ كانت في الماضي مركزًا تجاريًا بارزًا، ومكانًا لعقد الأسواق الشعبية والملتقيات الأدبية والشعرية في فترة ما قبل الإسلام.

العوامية

ومن الزارة المختبئة خلف النخيل شرق الطريق، نتجه غربًا إلى العوامية وهي قرية كبيرة تستقبلك عند تخومها، من زاويتها الجنوبية الشرقية عين من عيون السيح، دائرية الشكل، استمر نبعها قرونًا لا يُعلم بدايتها. ويمنحك تدفق مياهها شعورًا بالحياة، ويبعث في النفس الحيوية والنشاط.

وبعد هذه العين بقليل يمكنك الدخول إلى مركز البلدة لتجد أمامك ساحة كبيرة تسمى ساحة كربلاء، وفيها تقام الاحتفالات الدينية والمناسبات العامة. وليس بعيدًا عن هذه الساحة تقع مسورة العوامية (الديرة) حيث تتركّز بيوتها العريقة التي سكنتها عبر مئات السنين أجيال متتالية حملوا نبراس العلم ووضعوا على عاتقهم النهوض بازدهار بلدتهم لتكون علمًا منيرًا يبن حواضر القطيف.

عُرف أهل العوامية بالشجاعة، والصراحة، وحب الخير، والحرص على تحصيل العلم والاهتمام بالزراعة والسعي في تحصيل الرزق والتجارة. وتميّز أبناؤها بالذكاء وبرز منهم كثير من العلماء والأطباء والأدباء الذين داع صيتهم وكثرت مؤلفاتهم.

ومن الشخصيات البارزة في العوامية، وهي كثيرة، الخطيب المفوه اللامع الملا سعيد بن الشيخ جعفر أبو المكارم وهو أديب مثقف ومؤلف وشاعر ومؤرخ وفي داره واحدة من اكبر المكتبات الشخصية في عموم القطيف. كنا نستمع له في مجلسه السنوي بحسينية السدرة فينال اعجاب مريديه بحسن طرحه وجمال مواضيعه التي تتوخى الدقة وتتبع المنهج العلمي في البحث والأسلوب الحداثي في الطرح. فكان محورًا من محاور الحركة الثقافية في المنطقة عبر ما يطرح من قضايا ثقافية فصار موئلا للمعلمين والمثقفين. ومن اعلام العوامية المتقدمين الشيخ محمد بن ناصر بن نمر، والشيخ عبد الكريم بن حسين الفرج، وعلماء أسرة آل الشيخ وأعلام آل ثويمر.

وبعد ديرة العوامية نواصل السير شمالًا حتى نصل إلى الجميمة، وهي حيّ كبير يتبع العوامية إنشاء سنة 1377 هجرية وتعتبر أفضلها تنظيمًا وقت إنشائها. والجميم تصغير “جمّة” وتعني الكثير، كما أنها تعني المكان الذي يجتمع فيه الماء. وفي كتابه عن العوامية، يذكر الأستاذ الشاعر سعود الفرج أن عمال بناء شاهدوا في الثمانينات الهجرية من القرن الماضي ألواحًا حجرية الخط المسند القديم وبقايا هياكل بشرية مدفونة في أرضها.

وعلى جانبي الطريق، يعرض المزارعون منتجاتهم الطازجة في مشهد نابض بالحياة الزراعية. ويُلاحظ تشابه في الاسم بين الجميمة والجعيمة، التي تحوّلت لاحقًا إلى منطقة صناعية تابعة لأرامكو، وتقع شمال صفوى في الطريق المؤدي إلى رأس تنورة.

وعلى تخوم الجميمة الشمالية، يمر السد الثاني (قناة تصريف المياه) المتجه نحو البحر. وبالسير بمحاذاته نصل إلى الرامس، وهي أرض زراعية منبسطة وواسعة تقع شرق العوامية، وتجاور الساحل من جهته الغربية. وقد اشتهرت الرامس بإنتاج الطماطم الذي امتاز بمذاقه الفريد، إذ يجمع بين الحلاوة والحموضة في توازن يجعله أقرب إلى طعم الفاكهة، فيستمتع آكله بمذاقه، مما أكسبه شهرةً واسعةً تجاوزت حدود المحلية إلى أصداءٍ عالمية.

ويمتاز طماطم الرامس بلونه الأحمر الداكن الموشّى بتشريحات دقيقة وببقعة خضراء على قشرته. كما اشتهرت الرامس بزراعة البطيخ والجراميز من النوعية الجيدة، وظلت أرضها من أشهر الأراضي الزراعية في المنطقة وعلى مستوى العالم العربي.

وكلمة الرامس تعني الأرض المستوية التي تكثر فيها الرياح والزافيات التي تنقل التراب وروامس فاعل من الرمس وهو تراب تحمله الرياح فترمس به الآثار أي “تعفوها”. وبسبب نوعية تربتها وقربها من ساحل البحر وانخفاض ارضها بالنسبة لباقي اليابسة من الجهة الغربية، ينضح ماء الأرض الباطني ليستقر في ارض الرامس حاملًا معه أملاح معدنية تسهم في تميز الإنتاج الزراعي وخاصة الطماطم في هذه الأرض.

لوحة فنية بريشة الفنان عبد الكريم الرامس

وبعد أن نشتري شيئًا من طماطم الرامس من أحد المزارعين، نعود غربًا باتجاه الجميمة، وفي طريقنا إلى الشارع العام المتجه إلى صفوى، نقف عند عينٍ تُسمّى الربيانة، يقصدها الأهالي للتنزّه والاستجمام. ومن معالم العوامية الزراعية أيضًا عين طيبة وعين الغميري الذي يقصدها العرسان للسباحة فيها مع اهاليهم واصدقائهم في أيام التحضير لمناسبات الزواج. ومن هناك نواصل مشوارنا إلى صفوى شمالًا، مارّين بحيّ القوع، وهو أحد الأحياء الكبيرة في العوامية.

وما إن نبتعد عن سيحة نخيل العوامية الشاسعة حتى تبدأ ملامح الواحة في الانحسار، فنصل إلى فضاءٍ مفتوحٍ ذي تضاريس جميلة، حيث تبدو مياه الخليج من بعيد تحتضنها خليج تاروت، ومختبئة خلف تلال مرتفعة متعرجة التكوين، تعانقها نسائم البحر الندية. وعندما نلتفت غربًا، تبدو نهاية الكثبان الرملية الصحراوية وقد التحفت بنخيل الواحة شمال غرب العوامية.

ومن هذا الفضاء، نشاهد خطوط أنابيب النفط (البيبّات) ممتدة بلا انقطاع حتى تغوص في مياه الخليج، في طريقها إلى ميناء رأس تنورة، حيث تقع محطة تكرير البترول وميناء تصدير النفط الرئيسي الأكبر من نوعه في المنطقة، والذي يستقبل السفن العملاقة التي تجوب البحر ناقلةً الطاقة من الزيت الخام والمنتجات المكررة إلى أنحاء العالم، عبر هذا الميناء الذي بدأ العمل به عام 1939م، وعلى مسافة قريبة من الميناء تبدو مصفاة رأس تنورة الرئيسية لتكرير النفط بالمملكة.

وقد استغل الناس طرق الخدمة والصيانة الفسيحة الموازية لأنابيب النفط في هذه المنطقة المسطحة، فجعلوا منها مكانًا لتعلم قيادة السيارات والتدرّب عليها استعدادًا للحصول على رخصة القيادة.

صفوى

وبعد الاستمتاع بجمال هذه التضاريس الجغرافية، لا نلبث حتى نجد انفسنا في صفوى، الواقعة عند طرف القطيف الشمالي.

تحتضن صفوى واحةً مفصولة عن الواحة الأم تقوم على أرض منبسطة بين البرّ والبحر، وتزخر بعيون ماء جوفية صافية، من أبرزها عين داروش الشهيرة.

تقع هذه العين جنوب شرق حيّ “الديرة”، وتُعدّ من أبرز المعالم التاريخية للبلدة. وهي بحيرة طبيعية متفرّعة، تتدفّق بغزارة عبر سبعة أنهر صغيرة تسقي نخيل ومزارع صفوى، المشهورة بجودة منتجاتها الزراعية.

عُرفت عين داروش قديمًا باسم الصفا، ومنها استمدّ نادي صفوى الرياضي اسمه. وقد ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان بقوله: “إنها نهر بالبحرين يتخلّج من عين محلم”. ولعلّ هذه العين كانت من الأسباب التي ساهمت في بروز سباحين صفوانيين محترفين على المستوى العالمي.

ومن معالم صفوى الأثرية أيضًا مدفن جاوان الأثرية. يقال أن هذه المدافن تعود للعصر الروماني، أي قبل حوالي ألفي عام. وهو موقع غنيّ بالمكتشفات التاريخية حيث عُثر فيه على مقبرة مكوّنة من طابقين، مبنية من صخور الملح ومغطاة بالجص، وقد تم تسويرها للحفاظ عليها.

وفي الجهة الغربية من طريق رأس تنورة، وعلى تخوم صفوى، كان يقع ما يُعرف بـ “حزم صفوى”، على تلة ترتفع قليلًا عن حاضرة صفوى في الديرة وتسكنها بعض العائلات من قبائل البَرّ القطيفي التي رأت في صفوى مكانًا مناسبًا لها.

وفي جوار الحزم، شرعت شركة أرامكو ببناء مساكن لموظفيها، امتازت بجمال التصميم المعماري ودقته، فأظهرت هذه الأحياء روعة البناء وتناسقه، في انعكاس لذوقٍ جماليّ رفيع، مستلهم من طبيعة البلدة الغنّاء.

عُرفت صفوى عبر الأجيال بكرم أهلها، وتماسك مجتمعها، وحميّتهم، وقوة رباطة جأشهم رجالا ونساء ، وتسامحهم الاجتماعي، وحفاوتهم بالغريب، وجِدّهم في العمل، واهتمامهم بالعلم والثقافة.
وقد أنجبت صفوى عددًا كبيرًا من العلماء والمثقفين والمبدعين في مختلف الميادين. وبعد اكتشاف النفط، التحق كثير من أبنائها بالعمل في شركة أرامكو، وكان لهم دورٌ بارز في مسيرة التنمية.

كما عُرفت صفوى أيضًا بحبّها للبحر، واحتراف أهلها لصيد الأسماك، سواء في الجانب التجاري أو الترفيهي.

أم الساهك

وبعد الفراغ من زيارة صفوى، نقصد بلدة أم الساهك، متجهين غربًا. وهي بلدة صغيرة تبعد نحو خمسة كيلومترات عن مدينة صفوى، وتضم عددًا من الأحياء المتقاربة، وفيها ديرة مسوّرة ونخيل كثيرة تنتشر حولها، مما يضفي عليها طابعًا ريفيًا هادئًا.

أم الساهك بلدة وادعة بأهلها الطيبين، وقد سكنتها بعض الأسر العربية ذات الأصول البدوية، مثل قبيلة بني خالد. كما كانت مستقرًا للعائلات الأحسائية القادمة إلى القطيف قبل أن تستقر في صفوى.

ومما يُذكر أن أهل صفوى اتخذوا من أرض أم الساهك موقعًا مناسبًا للزراعة، نظرًا لخصوبتها وتوافر عيون ماء طبيعية متدفقة، فأنشأوا فيها عددًا كبيرًا من المزارع التي أسهمت في ازدهار النشاط الزراعي في المنطقة.

ومن هذه البلدة، جاء الأستاذ سعد الرحيل، الذي كان مديرًا لمدرستنا – مدرسة الفلاح الابتدائية (الثالثة الابتدائية بالقطيف). وقد شغل أيضًا، في وقت سابق أو متزامن، إدارة مدرسة زين العابدين الابتدائية (الثانية الابتدائية بالقطيف). ويُعدّ الأستاذ سعد من أوائل الإداريين السعوديين الذين عملوا في سلك التعليم في بدايات الثمانينيات الهجرية من القرن الماضي، وربما قبل ذلك، وأصبح المسؤول عن شئون المدارس بالقطيف لفترة طويلة وكان محبوبًا عند الأهالي والطلاب وموضع احترامهم وتقديرهم.

كان الأستاذ سعد مثالًا في الرزانة والهدوء والحكمة الإدارية، مما مكّنه من التعامل بكفاءة مع الهيئات التدريسية، ومعظمهم من الدول العربية آنذاك، كما تميّز بقدرته على التواصل مع الطلاب وأولياء أمورهم بسهولة ولباقة. وكان إلى جانبه – إن لم تخنّي الذاكرة – شقيقه الأستاذ حمد، الذي شاركه المسيرة التربوية في تلك الفترة.

وبعد المرور من الطريق المتعرّج الذي يمر عبر زرانيق ام الساهك الضيّقة، والاستمتاع بهدوء الطبيعة وجمال المشهد الريفي، نتابع سيرنا غربًا.

ارض فضية

ومع ابتعادنا عن البيئة الريفية الغنّاء، بخضرتها وأشجارها وينابيع مياهها في الواحات، ينتابنا شعور بجمال من نوعٍ آخر… جمال يختلف عنها ويكملها. هنا، يبدو امامنا فضاءٌ رحب تتلألأ ارضه وكأنه فضة وتجول اعيننا في سماءٍ زرقاء صافية مفتوحة، ونستنشق نسمات هواء نقية عليلة.

في هذا المكان تشعر بجمال محسوس غير ملموس، وهنالك لابد وأن يكون سببًا لهذا الاحساس. فهذه المنطقة كانت واحات وعيون جار عليها زحف الرمال وغير حالها.

ومع مسيرنا في هذا الامتداد المنبسط، الساحر بصمته، تتجلّى أمامنا ملامحُ حياةٍ تُصرّ على البقاء، وتُواصل العطاء: طيرٌ يحلق في الفضاء، أو إبلٌ تسرح بين أشجار الأيك، أو أغنامٌ ترعى من نبات الأرض. ومن هنا وهناك، تنتشر فوق رقعتها أحراشٌ متفرقة، ونخيلٌ متباعد، وبِقعٌ من الماء في سبخاتٍ تكاد لا تُميّزها عن السراب. هدوء المكان يخلق سكينةً في الروح، وطمأنينةً في القلب.

نمر في طريقنا على بلدات صغيرة ومحلات متباعدة، يقطنها بعض البدو من المناطق القريبة، مثل الخترشية، والدريدي، وأبو معن التي تبعد عن القطيف حوالي عشرين كيلومترًا. وما بين الدريدي وأبو معن نمر بعين ماء سيح وقد أصبحت متنزهً يقصده طلبة المدارس في رحلاته المدرسية مع مدريسهم وصحبة أولياء امورهم.

تورد بعض المصادر أن أبو معن كانت يومًا ما غنيةً بالمياه، لكن معظمها اندثر نتيجة زحف الرمال، فهاجر أهلها شرقًا نحو صفوى والآجام. واليوم، عادت أبو معن لتصبح من أبرز المناطق الزراعية في القطيف، بفضل التكنولوجيا الحديثة التي مكنت من استغلال مياهها الجوفية، وتوفر وسائل النقل والمواصلات، مما دفع المزارعين للاستثمار فيها، واتخاذها مقرًا للاستراحات والمزارع الترفيهية.

نواصل السير حتى نصل إلى الصبيغاوي، التي تضم عين ماء طبيعية، وبعض مزارع النخيل، ومحطة وقود، واستراحة معروفة تقدم خدمات للمسافرين المتجهين نحو المناطق الشمالية من المملكة، وإلى الكويت والعراق وسوريا.

أسّس هذه الاستراحة الحاج علي آل قريش، أبو مؤيد من أهالي صفوى، وكان الزوار المسافرون إلى العراق يتخذونها محطة انطلاق رئيسية، حيث يستعدون فيها للسفر بعد صلاة المغرب، ليستمروا في مسيرهم ليلًا. اشتهر مطعمها ومقهى الاستراحة بجودة طعامه، وحُسن الخدمات التي يقدمها، فغدا مكانًا ترفيهيًا يرتاده الكثيرون لتناول وجباته الشهية في فضاءٍ مفتوح يزيد المتعة، ويستمتعون فيه بالشاي السنقيل المخدّر والمشروبات الباردة.

وهكذا نستمتع نحن أيضًا بتنزهنا في الصبيغاوي، التي تكون محطتنا الأخيرة في جولتنا شمال القطيف، قبل أن نقفل راجعين إلى بيوتنا عبر طريق الكويت القديم (أبو حدرية).

قريبا: نزهة في تراث القطيف الجغرافي (ج3)

لقراءة الجزء الأول: https://www.qatifscience.com/?p=33195

المهندس علي الجشي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *