كاتيوس حين نادت اليونان القطيف باسمها – بقلم صادق علي القطري

لم تكن «كاتيوس» مجرد لفظٍ عابرٍ في مدوّنات الجغرافيين الإغريق، ولا اسمًا هامشيًا تاه بين سطور الخرائط القديمة، بل كانت نداءً مبكرًا لمكانٍ أدرك البحر قيمته قبل أن يدركها التاريخ المكتوب.

هكذا حضرت القطيف في الوعي الكلاسيكي بل ساحلًا ينهض من الماء، ومرفأً يختزن حركة العالم، فتلتقطه العيون القادمة من الغرب بوصفه علامةً لا تُخطئها السفن، ولا تُغفلها الذاكرة.

حين نطق الإغريق اسم «كاتيوس»، كانوا يشيرون إلى أكثر من موضع جغرافي؛ كانوا يلتفتون إلى عقدةٍ تجارية نابضة، وإلى أرضٍ تتجاور فيها النخلة مع الملح، ويصافح فيها البرُّ البحرَ مصافحةً يومية. لم تكن القطيف بحاجةٍ إلى أسوارٍ عالية لتُعرّف نفسها، فالبحر كان سورها المفتوح، والسفن كانت رسلها، واللؤلؤ لغتها التي تُفهم في كل الموانئ. لذلك لم يكن الاسم وصفًا بقدر ما كان اعترافًا بحضورٍ حضاريٍّ يتجاوز حدوده المحلية.

في «كاتيوس» ارتعشت ذاكرة الخليج الأولى، تلك الذاكرة التي سبقت التسميات الحديثة وتحوّلات السياسة والجغرافيا. كان الاسم الإغريقي محاولةً لترجمة الدهشة, دهشة مدينةٍ لا تشبه الفراغ الصحراوي الذي تصوّره المخيال القديم عن الجزيرة العربية، بل تناقضه تمامًا، بوفرة الماء، وخصوبة الأرض، وكثافة التبادل الإنساني. ومن هنا، جاء الاسم شاهدًا على أن القطيف كانت تُرى قبل أن تُسمّى، وتُقصد قبل أن تُؤطَّر في خرائط لاحقة.

لم تكن كاتيوس اختراعًا لغويًا، بل انعكاسًا لصوت المكان حين وصل إلى آذان بعيدة. فالأسماء، في لحظات التاريخ الكبرى، لا تُفرض على المدن بقدر ما تنبع منها، ثم تُعاد صياغتها بلغات أخرى. وهكذا، عبرت القطيف إلى النصوص اليونانية لا بوصفها هامشًا، بل بوصفها نقطة توازن بين الشرق والغرب، بين الداخل الصحراوي والأفق البحري، بين المحلية والعالمية.

وحين نستعيد اليوم اسم «كاتيوس»، فإننا لا نستحضره بوصفه أثرًا لغويًا منسيًا، بل بوصفه مفتاحًا لفهم هويةٍ أعمق. إنه اسمٌ يذكّرنا بأن القطيف كانت، منذ بداياتها، مدينةً تعرف كيف تُقيم جسورًا لا تُرى، جسورًا من تجارةٍ ومعرفةٍ وحضور إنساني. وحين نادت اليونان القطيف باسمها، لم تكن تمنحها هوية، بل كانت تعترف بها، وتُثبت أن المكان، حين يبلغ قدره، يجد من يناديه ولو من وراء البحار.

المهندس صادق علي القطري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *