فيتنام… حضارة وتاريخ – بقلم علي عبد المحسن الجشي

{ تمهيد }
أودّ أن أُحدّثكم عن فيتنام بعد زيارةٍ امتدت اثني عشر يومًا، كانت حافلة بالمشاهدات التي تركت في النفس أثرًا طيبًا، وجعلتها مدعاةً للتأمل.

فيتنام ليست مجرّد وجهةٍ سياحية، بل تجربة إنسانية وثقافية متكاملة. فمن منتصف خمسينيات القرن الماضي إلى منتصف سبعينياته، كان اسم فيتنام يتردّد على ألسنة الناس في مختلف أنحاء العالم، ممّن تعاطفوا مع قضيتها، فأصبحت حاضرةً في القلوب لما عانته من ويلاتٍ ومآسٍ على مدى عشرين عامًا. وفي تلك الحقبة، انتشرت الصور المؤلمة التي وثّقت آثار قنابل النابالم الحارقة على الشعب الفيتنامي، وما خلّفته من دمارٍ واسع، وإحراقٍ لغابات البلاد بلا هوادة.

أمّا اليوم، وحين تزور هذا البلد، تشعر بأنه يروي قصته المثيرة بهدوءٍ ممتع، فتتأثّر بها وتستوعبها دون إقحامٍ أو عناء. لذلك رأيتُ أن أدوّن بعض ما علق في الذاكرة، للمتعة والإفادة، وحفظًا لهذه التجربة من محو الزمن.

الفصل الأول: الجغرافيا والموقع
تقع فيتنام في جنوب شرق آسيا، وتبلغ مساحتها نحو 331,690 كيلومترًا مربعًا، وتمتدّ بطولٍ يقارب 3,600 كيلومتر على هيئة شريطٍ طويلٍ يوازي الساحل الشرقي لشبه الجزيرة الهندية الصينية. يحدّها البحر من الجنوب والشرق، وتحدّها الصين من الشمال، ولاوس وكمبوديا من الغرب، كما لا تبعد تايلند وميانمار عنها كثيرًا.

يتّسع البلد في الشمال والجنوب ويضيق في الوسط، وكأن جغرافيته نفسها تعبّر عن تاريخٍ طويلٍ من التكيّف والصبر، لتغدو عنصرًا ثابتًا في حياة البلاد واقتصادها وذاكرتها.

هذا الموقع الاستثنائي منح فيتنام تنوّعًا لافتًا في الطبيعة والمناخ؛ من دلتا الأنهار الخصبة في الجنوب، إلى الجبال والغابات الاستوائية في الوسط، وصولًا إلى المرتفعات الشمالية القريبة من الحدود الصينية. لكنه في الوقت ذاته جعلها حلقة وصلٍ وتحكّم بين البرّ الآسيوي والبحر، وممرًا تاريخيًا للتجارة والهجرة، وساحةً للصراع بين القوى الإقليمية والدولية عبر قرونٍ طويلة، فكانت بحقّ ممّن قيل فيهم: «ربَّ نعمةٍ جرّت على صاحبها نقمة».

وهكذا، لم تكن الجغرافيا في فيتنام خلفيةً صامتة للأحداث، بل عاملًا فاعلًا في تشكيل مسار البلاد. فالساحل الطويل فتح الأبواب للتواصل والتجارة، كما جعلها عرضةً للتدخّل الخارجي. أمّا الشكل الطولي الضيّق، فقد فرض على السكان نمطًا من الانضباط والتكيّف مع المكان، حيث تتقارب المدن والمسافات، وتتداخل البيئات الطبيعية ضمن رقعةٍ جغرافية محدودة نسبيًا، ويتشكّل العمران بما ينسجم مع طبيعة المكان.

ومن ثمّ، يمكن قراءة فيتنام من خلال خريطتها قبل تاريخها؛ بلدٌ صاغه الموقع، وحدّد ملامحه البحر، وعلّم أهله كيف يعيشون بين الانفتاح والحذر، وبين الخصوبة والصراع.

الفصل الثاني: التاريخ

عرفت فيتنام تاريخًا طويلًا من الصراع والتشكّل، إذ لم يكن الاستقرار فيها هو القاعدة، بل الاستثناء. فبحكم موقعها الجغرافي، خضعت البلاد لقرونٍ من النفوذ والاحتلال، كان أقدمها السيطرة الصينية التي امتدّت لما يقارب ألف عام. وخلال تلك الفترة، تسرّبت إلى المجتمع الفيتنامي أنماط الحكم المركزية، والفلسفة الكونفوشيوسية، ونظم التعليم والإدارة، وهي تأثيرات ما تزال ملامحها حاضرة في بنية الدولة والمجتمع حتى اليوم.

ولا يمكن فهم فيتنام الحديثة دون التوقّف عند تأثيرات الحضارات التي مرّت بها؛ من الإرث الصيني العميق في القيم الاجتماعية، إلى التأثير الهندي في وسط وجنوب البلاد، ثم البصمة الفرنسية الواضحة في العمارة والمطبخ، وصولًا إلى الأثر الأمريكي بعد الحرب. ومع هذا التراكم الحضاري، لم تفقد البلاد هويتها، ولم تذب في غيرها، بل أعادت صوغ هذه التأثيرات ضمن سياقها الخاص.

فالثقافة الفيتنامية، في جوهرها، مزيجٌ من الثقافة الصينية والهندية، دخلت عليه لاحقًا بعض العناصر الغربية، وبخاصة الفرنسية، دون أن تطغى على الأساس المحلي المتجذّر.

ومع نهاية القرن التاسع عشر، دخلت فيتنام مرحلة جديدة من تاريخها تحت الاستعمار الفرنسي، الذي استمر قرابة قرنٍ من الزمن. ولم يكن هذا الاحتلال عسكريًا فحسب، بل امتدّ إلى الثقافة والنمط العمراني؛ فترك بصمته على تخطيط المدن، والعمارة، والمطبخ، وأنماط الحياة، خصوصًا في المدن الكبرى. وفي الوقت الذي فرض فيه واقعًا اقتصاديًا صعبًا، أسهم في المقابل في إدخال أنماط حديثة من الإدارة والبنية التحتية في بعض المراكز الحضرية.

وخلال الحرب العالمية الثانية، خضعت فيتنام للاحتلال الياباني، لتجد نفسها بعد ذلك في قلب واحدة من أطول وأقسى حروب القرن العشرين: الحرب الفيتنامية. ولم تكن هذه الحرب مجرّد مواجهة عسكرية بين شمال وجنوب، بل صراعًا سياسيًا وأيديولوجيًا عميقًا، ترك أثره في الذاكرة الوطنية، وأعاد تشكيل وعي الأمة بذاتها وبالعالم من حولها.

وفي خضمّ هذه المرحلة المضطربة، برز اسم هو تشي منه بوصفه رمزًا للتحرّر الوطني، وشخصيةً جامعة في التاريخ الفيتنامي الحديث. فلم يُقدَّم في الذاكرة الشعبية كقائدٍ سياسي فحسب، بل كأبٍ رمزي للأمة، ما يزال حضوره حاضرًا في الخطاب الوطني، والفضاء العام، والذاكرة الجماعية. فهو بالنسبة للفيتناميين “العم هو تشي منه”، بما تحمله كلمة العم من دلالة عاطفية في مجتمع يُقدّس الروابط العائلية.

ورغم قسوة الحروب وتتابع الاحتلالات، لم تُختزل تجربة فيتنام في الألم وحده. فقد خرج المجتمع مثقلًا بالخسائر، لكنه في الوقت ذاته أصبح أكثر انضباطًا، وأكثر وعيًا بقيمة العمل والاستقرار. وهكذا تحوّلت الذاكرة التاريخية من عبءٍ ثقيل إلى عنصر تشكيل، ومن جرحٍ مفتوح إلى درسٍ جماعي أسهم في رسم ملامح المسار الحديث للبلاد.

الفصل الثالث: الإنسان والعمل

فيتنام بلدٌ خرج شعبه من الحروب مثقلًا، لكنه لم يتوقّف طويلًا عند الألم. فقد اختار الانضباط، واحترم العمل، حتى أصبح جزءًا أصيلًا من ثقافته اليومية.

وانفتحت فيتنام بحذر على العالم، مستندةً إلى اقتصادٍ متصاعد، وعلاقاتٍ إقليمية متوازنة. واليوم، تقف كدولةٍ نامية واثقة، تعمل بلا كلل، وتُعدّ عضوًا فاعلًا في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وترتبط بعلاقات اقتصادية وتجارية متينة مع دولها، مثل تايلند، وإندونيسيا، وماليزيا، وسنغافورة. وقد أسهم هذا الانتماء في تعزيز دورها كمركزٍ صناعي وتجاري صاعد، ولا سيما في مجالات التصنيع، والتصدير، وسلاسل الإمداد العالمية، لتغدو أحد البدائل الآسيوية المهمة عن الصين في السنوات الأخيرة.

ويظهر أثر التاريخ الطويل في حياة الفيتناميين اليومية بوضوح، لا في الخطاب أو الشعارات، بل في السلوك وأنماط العيش. فالعمل في فيتنام ليس مجرّد نشاطٍ اقتصادي، بل قيمة ثقافية متجذّرة، تشكّلت عبر قرونٍ من التحدّي، وأعادت الحروب ترسيخها بوصفها وسيلة للبقاء وإعادة البناء.

ويميل المجتمع الفيتنامي إلى الانضباط والجدّية، وتنعكس هذه السمات في تفاصيل الحياة اليومية؛ من انتظام الحركة في المدن، إلى الإيقاع المتسارع للعمل في الأسواق والمصانع. ولا تُعرف عطلة نهاية الأسبوع بالمعنى الواسع المتداول في كثير من الدول، إذ تتركّز الإجازات غالبًا في المناسبات الوطنية والرسمية، بينما يستمر النشاط الاقتصادي بوتيرةٍ شبه دائمة.

ورغم هذا الانشغال المستمر، لا يبدو الإنسان الفيتنامي منهكًا أو متوترًا. بل يظهر قدرٌ لافت من التكيّف مع الضغط، وكأن المجتمع تعلّم، عبر تاريخه، كيف يعمل دون ضجيج، وكيف يوازن بين الجهد والاستمرار. وهذا الانضباط الهادئ أحد مفاتيح فهم التحوّل الاقتصادي السريع الذي شهدته البلاد في العقود الأخيرة.

وفي الشارع الفيتنامي، يتجسّد هذا الإيقاع اليومي في مشهد الدراجة النارية، التي أصبحت رمزًا للحياة الحضرية. فهي ليست وسيلة نقل فحسب، بل أداة متعددة الوظائف: عليها تنتقل العائلات، وتُنقل البضائع، ويُقضى العمل. وقد تبدو الحركة للوهلة الأولى فوضوية، لكنها في حقيقتها نظامٌ غير مكتوب، تحكمه قواعد ضمنية من الانتباه والتفاهم الجماعي.

ويعكس هذا المشهد اليومي قدرة المجتمع على التكيّف، وعلى ابتكار حلولٍ عملية تتلاءم مع الكثافة السكانية، وضيق المساحات، وتسارع الإيقاع. وكما في تاريخهم، يتحرّك الفيتناميون وسط الزحام دون توقّف، محافظين على الانسياب، ومتجنّبين الصدام، في صورةٍ رمزية لأسلوبهم في الحياة.

الفصل الرابع: الاقتصاد والتحوّل الحديث

بعد عقودٍ طويلة من الحروب والعزلة، دخلت فيتنام مرحلةً جديدة من تاريخها مع نهاية ثمانينيات القرن الماضي، حين بدأت إعادة النظر في نموذجها الاقتصادي. وشكّلت سياسة “دوي موي” (Đổi Mới)، التي أُطلقت عام 1986، نقطة تحوّل مفصلية، إذ انتقلت البلاد تدريجيًا من اقتصادٍ موجَّه إلى اقتصادٍ أكثر انفتاحًا، يقوم على تشجيع الإنتاج، وتحرير الأسواق، وجذب الاستثمارات.

لم يكن هذا التحوّل سريعًا أو مفاجئًا، بل جاء نتيجة عملٍ طويل النفس، اعتمد على إعادة بناء القدرات المحلية، وتدريب الكوادر، وتطوير القطاعات الزراعية والصناعية. ونجحت فيتنام خلال سنواتٍ قليلة في تحقيق الاكتفاء الغذائي، قبل أن تتحوّل إلى واحدة من أكبر الدول المصدّرة للأرز في العالم، مستفيدةً من دلتا الأنهار الخصبة، ومن تقاليد زراعية عريقة.

ومع مطلع الألفية الجديدة، توسّع النشاط الصناعي، ولا سيما في مجالات التصنيع الخفيف، والإلكترونيات، والملابس، وسلاسل الإمداد العالمية. وأسهم الموقع الجغرافي، وتكلفة الإنتاج التنافسية، والاستقرار السياسي، في ترسيخ مكانة فيتنام كأحد البدائل الآسيوية الصاعدة في ظل التحوّلات الاقتصادية العالمية.

وعلى الصعيد الإقليمي، عزّز انضمام فيتنام إلى رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) اندماجها في محيطها، وفتح أمامها أسواقًا جديدة، وشراكات اقتصادية وتجارية متينة مع دولٍ مثل تايلند، وماليزيا، وسنغافورة، وإندونيسيا. وأسهم هذا الانتماء في دعم نمو الصادرات، وتكامل سلاسل الإنتاج، وربط الاقتصاد الفيتنامي بالاقتصاد العالمي.

ورغم هذا الانفتاح المتسارع، حافظت فيتنام على قدرٍ من الحذر في إدارة تحوّلها الاقتصادي؛ فلم تُفرّط في استقرارها الاجتماعي، ولم تقطع صلتها بقيم العمل والانضباط التي شكّلت أساس نهضتها. وبهذا، تحوّل الاقتصاد من مجرّد وسيلة للتعافي بعد الحرب، إلى ركيزةٍ لهوية وطنية جديدة، تقوم على الإنتاج والاستمرارية.

الفصل الخامس: الطبيعة والرموز

لا تُفهم فيتنام من خلال تاريخها واقتصادها فحسب، بل من خلال علاقتها العميقة بالطبيعة، وما أفرزته هذه العلاقة من رموزٍ يومية تحوّلت إلى جزءٍ من الهوية الوطنية. فالأرض، والماء، والحركة، ليست عناصر محيطة بالإنسان الفيتنامي، بل شركاء في تشكيل وعيه وسلوكه.

الأرز: إيقاع الحياة

عرفت فيتنام زراعة الأرز منذ آلاف السنين، وتحول مع الزمن إلى عماد الاقتصاد الزراعي ورمزٍ للصبر والعمل الجماعي. ومع تطوّر الدولة الحديثة، نجحت البلاد في تحويل هذا الإرث الزراعي إلى قوةٍ اقتصادية عالمية، لتصبح واحدةً من أكبر الدول المصدّرة للأرز بملايين الأطنان سنويًا. ورغم هذا الحضور العالمي، لا يزال الأرز يُزرع بعنايةٍ تحترم الطبيعة ودورتها المائية، وكأن فيتنام، حتى في إنتاجها الضخم، ترفض أن تفقد علاقتها الهادئة بالأرض. فبقي الأرز حاضرًا في الذاكرة، وهو يعبر الحدود إلى أسواق آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط.

يشكّل الأرز حجر الأساس في الحياة الفيتنامية، لا بوصفه محصولًا زراعيًا فحسب، بل باعتباره إيقاعًا يوميًا للحياة. تمتدّ حقوله في دلتا نهر الميكونغ وفي الشمال الجبلي، فتغطي مساحاتٍ واسعة من البلاد، وتعكس علاقةً قديمة بين الإنسان والأرض. ويُزرع الأرز بعنايةٍ وصبر، في مشهدٍ يتكرّر منذ آلاف السنين، تحوّل مع الزمن إلى رمزٍ للعمل الجماعي والاستمرارية.

الموترسيكل: حركة بلا توقّف
في المدن، يتجسّد الإيقاع اليومي في مشهد الموترسيكل، الذي أصبح أحد أبرز رموز الحياة الحضرية. فلا تكاد تخلو زاوية من صوته وحركته، إذ يُستخدم وسيلة نقل، وأداة عمل، ومساحة مشتركة للحياة. يحمل عليه الفيتناميون أسرهم وبضائعهم، ويتحرّكون وسط الزحام بانسيابٍ يثير الدهشة.

ورغم ما يبدو من فوضى، تحكم هذه الحركة قواعد غير مكتوبة من الانتباه والتفاهم، تعكس قدرة المجتمع على التنظيم دون ضجيج، وعلى التكيّف مع الكثافة السكانية وضيق المساحات.

اللؤلؤ: قيمة صامتة
على امتداد السواحل الجنوبية والوسطى التي تلازم فيتنام من الشرق والجنوب، عرف الفيتناميون اللؤلؤ الطبيعي منذ قرون، وكان مصدرًا لحرفة صامتة ونادرة. لم يكن اللؤلؤ يومًا مجرّد كنزًا بحريًا نادرًا وسلعةٍ تجارية تُقدَّم للنخب ويُستخدم في تجارة محدودة، بل قيمة نادرة ارتبطت بالبحر وقيمة الصبر، شأنه شأن البحر نفسه كما كان الحال عندنا في الخليج العربي.

ومع بدايات القرن العشرين، وتتابع فترات الاستعمار والحروب، ثم ظهور اللؤلؤ الصناعي في اليابان، تراجعت هذه الحرفة، وتضرّرت البيئة البحرية، وكاد اللؤلؤ أن يختفي من الذاكرة الاقتصادية للبلاد.
غير أنّ فيتنام، التي اعتادت النهوض بعد كل سقوط، أعادت اكتشاف هذا المورد بهدوء في تسعينيات القرن الماضي مع انفتاحها الاقتصادي. فأدخلت تقنيات حديثة أعادت لـ اللؤلؤ حضوره، في عملٍ طويل النفس استعاد مكانته، ليغدو مثالًا آخر على قدرة البلاد على تحويل التراث إلى موردٍ معاصر. واليوم، أعادت فيتنام إحياء هذه الحرفة عبر استزراع اللؤلؤ بطرق بيئية مدروسة، تحافظ على التوازن البحري وتدرّ على البلاد موردًا اقتصاديًا مستدامًا.

الفصل السادس: الركائز الاقتصادية – بناء الصعود الهادئ
لم يكن التحوّل الاقتصادي في فيتنام حدثًا مفاجئًا، بل مسارًا تراكميًا اعتمد على استثمار ما هو قائم وتطويره، بدل القطيعة معه. فمن الأرض والبحر، إلى المصنع والجامعة، تشكّلت ركائز اقتصادٍ يجمع بين البساطة والانفتاح، وبين التخطيط طويل النفس والصبر.

الزراعة: من الاكتفاء إلى الفائض
شكّلت الزراعة القاعدة الأولى للاقتصاد الفيتنامي، وما تزال تمثّل أحد أعمدته الأساسية. ولم تعد مقتصرة على تأمين الغذاء، بل تحوّلت إلى قطاعٍ إنتاجي موجّه للتصدير، يشمل الأرز، والقهوة، والمطاط، والفواكه الاستوائية.

واعتمدت الدولة على تحديث أساليب الري، وتنظيم الملكيات الصغيرة، وربط الفلاح بالأسواق، ما سمح برفع الإنتاجية دون تدمير البنية الاجتماعية الريفية. وهكذا، بقي الريف حاضرًا في المعادلة الاقتصادية، لا بوصفه عبئًا، بل شريكًا فعليًا في النمو.

الصيد البحري: ثروة الماء المفتوح
بفضل سواحل تمتد لأكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر، أصبح الصيد البحري موردًا حيويًا، يجمع بين الصيد التقليدي وتربية الأحياء المائية. وتشُقّ الأسماك، والروبيان، والمنتجات البحرية الفيتنامية طريقها إلى موائد العالم، لتشكّل مصدر دخلٍ لملايين الأسر الساحلية.

ورغم التحديات البيئية وضغوط الأسواق العالمية، تسعى فيتنام إلى تنظيم هذا القطاع، موازنةً بين الاستغلال الاقتصادي والحفاظ على المخزون البحري، إدراكًا لأهمية الاستدامة في موردٍ يرتبط مباشرة بحياة الناس.

الصناعة: التحوّل إلى مركز إنتاج
خلال العقود الثلاثة الأخيرة، برزت فيتنام كمركزٍ صناعي صاعد في آسيا. فقد جذبت الاستثمارات الأجنبية بفضل اليد العاملة الشابة، والاستقرار السياسي، وسياسات الانفتاح المدروس. وتنوّعت الصناعات بين النسيج، والإلكترونيات، وتجميع الأجهزة، والصناعات التحويلية.
ولم يكن الهدف مجرّد التصنيع بحدّ ذاته، بل الاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية، وبناء خبرةٍ محلية تراكمية، تمهّد لانتقالٍ تدريجي نحو صناعاتٍ أعلى قيمة وأكثر تعقيدًا.

السياحة: اقتصاد التجربة والذاكرة
تُعدّ السياحة من أكثر القطاعات ديناميكية في فيتنام، لما تمتلكه البلاد من تنوّعٍ طبيعي وثقافي. فمن الجبال إلى السواحل، ومن المدن التاريخية إلى القرى الهادئة، تقدّم فيتنام تجربةً متكاملة تجمع بين الاكتشاف والبساطة.

وقد أسهمت السياحة في خلق فرص عملٍ واسعة، وربط المناطق النائية بالحراك الاقتصادي، مع سعيٍ متزايد نحو تطوير سياحةٍ مستدامة تحافظ على البيئة والهوية المحلية، دون الإضرار بروح المكان.

التعليم: استثمار طويل الأمد
أدركت فيتنام مبكرًا أن النمو الاقتصادي لا يستقيم دون قاعدةٍ تعليمية صلبة. فاستثمرت في التعليم الأساسي، ووسّعت نطاق التعليم التقني والجامعي، مع تركيزٍ واضح على العلوم والهندسة.
وأصبح التعليم أداةً للحراك الاجتماعي، ومصدرًا لإعادة توزيع الفرص، وركيزةً لتأهيل جيلٍ قادر على مواكبة التحوّلات التكنولوجية، والمشاركة في بناء اقتصادٍ أكثر تطوّرًا.

التطوير: رؤية تتجاوز اللحظة

لا يُختزل التطوير في فيتنام في مشاريع البنية التحتية وحدها، بل يشمل تحديث الإدارة، والتحوّل الرقمي، وتحسين كفاءة المدن، وربط النمو الاقتصادي بالاستدامة. وتسير البلاد بخطواتٍ محسوبة نحو اقتصاد المعرفة، دون استعجال القفزات غير المضمونة، في مسارٍ يعكس وعيًا بالتجربة، واحترامًا لتدرّج التحوّل.

الفصل السابع: مدن فيتنام – الجنوب، الوسط، الشمال
لا يمكن فهم فيتنام الحديثة من خلال مدينةٍ واحدة. فالشكل الطولي للبلاد، وتنوّع مناخها وتاريخها، أفرزا تبايناتٍ واضحة بين أقاليمها الثلاثة الكبرى: الجنوب، والوسط، والشمال. ولكل إقليمٍ إيقاعه الخاص، وشخصيته المميّزة، التي تنعكس في مدنه الكبرى وأنماط الحياة فيها.
قضينا ليلتين في بانكوك، مدينةٍ عالمية نابضة، سهلة التواصل، تتجاور فيها اللغات والثقافات، قبل أن نبدأ الدخول الحقيقي إلى فيتنام؛ البلد الذي لا يُفهم من خلال الجغرافيا وحدها، بل من خلال تاريخه الطويل مع القوى الكبرى.

ورغم أن الوقت كان شتاءً عندنا، فإن الطقس هناك كان دافئًا يميل إلى الحار، مع أمطارٍ خفيفة عابرة تضفي على المكان طابعًا استوائيًا لا يخلو من السحر. أمّا فرق التوقيت، البالغ نحو أربع ساعات عن المملكة، فجعل الصباحات باكرة، لكنها كانت نشطة، تساعد على التأقلم السريع مع إيقاع هذه المنطقة من العالم.

تضم فيتنام خمس مدن رئيسية تتبع الحكومة المركزية مباشرة (مدن بلدية)، وهي الأكثر أهمية إداريًا واقتصاديًا: هانوي (العاصمة)، مدينة هو تشي منه (سايغون سابقًا)، هايفونغ، دا نانغ، وكان ثو. وإلى جانب هذه المدن، تبرز مدن سياحية أخرى مثل هوي (Huế)، ودا لات (Da Lat)، ونها ترانغ (Nha Trang).

في هذه الرحلة إلى فيتنام، زرنا ثلاثًا من هذه المدن: مدينة هو تشي منه في الجنوب، ودا نانغ في الوسط، وهانوي في الشمال، إضافة إلى مدنٍ وقرى قريبة منها. ولكل مدينةٍ روحها التجارية والسياحية والاقتصادية المتفاوتة، التي تمنحها طابعًا خاصًا يميّزها عن غيرها. فمدينة هو تشي منه هي الأكبر اقتصاديًا، ودا نانغ مدينة ساحلية رئيسية تشتهر بالسياحة، أمّا هانوي فهي العاصمة السياسية والثقافية للبلاد.

مدينة هو تشي منه (الجنوب)
وصلنا إلى سايغون، أو كما تُعرف رسميًا اليوم بمدينة هو تشي منه، قادمين من بانكوك في رحلةٍ جوية لم تتجاوز ساعةً ونصف، وأقمنا فيها ليلتين.
في الجنوب، تستقبلك مدينة هو تشي منه بوصفها القلب الاقتصادي النابض للبلاد؛ حيث الأبراج الزجاجية، والأسواق الصاخبة، والشوارع التي لا تنام. إنها مدينة لا تهدأ، تغلب عليها الحركة الدائمة، وتُهيمن فيها الروح التجارية وريادة الأعمال.

ويظهر أثر الانفتاح الاقتصادي بوضوح في ملامحها العمرانية، وفي شبكات الأعمال التي تربط المدينة بالعالم. فسكان سايغون عمليّون، سريعو الإيقاع، يميلون إلى التجارة والمبادرة، وهو أسلوب حياة تشكّل عبر عقود من التحوّل الاقتصادي الذي بدأ في أواخر الثمانينيات مع سياسة “دوي موي” (Đổi Mới)، والتي تعني التجديد أو الابتكار. وقد أُطلقت هذه السياسة عام 1986، حين فتحت فيتنام اقتصادها تدريجيًا بعد سنواتٍ من العزلة، وسعت إلى زيادة إنتاج الأغذية والسلع الاستهلاكية، وتنمية الصادرات، وبناء القدرات القيادية، وتدريب الكوادر المهنية.
في سايغون، يلمس الزائر تطوّر المدينة عمرانيًا وتنظيميًا، كما يمكن ملاحظة البصمة العمرانية الفرنسية بوضوح، في مزيجٍ فريد بين الشرق والغرب، يذكّر إلى حدٍّ ما بتجارب مدنٍ عربية مثل القاهرة، حيث تداخلت العمارة الأوروبية مع السياق المحلي.

وبالقرب من سايغون، تمتد السهول الخصبة ودلتا نهر الميكونغ، حيث الأرز والمياه والحياة. وهناك، لا يبدو الأرز مجرّد محصولٍ زراعي، بل إيقاعًا يوميًا للحياة. تمتد الحقول الخضراء بلا نهاية، ويعمل الفلاحون في مياهٍ تعكس السماء، في مشهدٍ يختصر علاقةً قديمة بين الإنسان والأرض.
وعلى السواحل الجنوبية والوسطى، تمتد شواطئ فيتنام الجميلة، مثل فو كووك برماله البيضاء ومياهه الصافية، وموي ني بكثبانه الرملية، وكون داو الهادئة، التي تبدو وكأنها خارج الزمن.

الوسط: دا نانغ وما حولها
من مدينة هو تشي منه في الجنوب، انتقلنا إلى دا نانغ في رحلةٍ جوية قصيرة لم تتجاوز الساعة بقليل. وهي مدينة ساحلية تطل على شاطئ ماي خي، أحد أنظف وأجمل شواطئ فيتنام، حيث يلتقي البحر الأزرق بالمدينة في مشهدٍ يبعث على الطمأنينة.

أقمنا في هذه المدينة أربع ليالٍ على الواجهة البحرية. ودا نانغ مدينة التاريخ والطبيعة والسكينة والتوازن؛ هنا يبطؤ الزمن، وتقترب الطبيعة من الإنسان، ويخفّ صخب المدن الكبرى.
في هذا المكان، يلتقي البحر بالجبال، وتنساب الأنهار حول المدينة، فتمنحها طابعًا هادئًا يميّزها عن غيرها. ويُعرف سكان الوسط بالبساطة والودّ، وهو ما ينعكس بوضوح في أسلوب التعامل اليومي، وفي الإيقاع العام للحياة.
وعلى مقربةٍ من دا نانغ، تقع مدن تاريخية مثل هوي آن، التي ما تزال تحتفظ بطابعها القديم، بشوارعها المرصوفة، ومنازلها التقليدية، وفوانيسها الليلية، شاهدةً على قرونٍ من التجارة البحرية والتواصل الثقافي بين الشرق والغرب.
ومن هذه المنطقة أيضًا تنطلق الرحلات نحو نها ترانغ، المدينة الشاطئية المعروفة بأنشطتها البحرية، ولا سيما الغوص، والتي تمثّل وجهة مفضّلة لعشّاق البحر والطبيعة.

با نا هيلز
لا تكتمل صورة دا نانغ دون الصعود إلى الجبال التي تعلوها، حيث تقع قرية با نا هيلز، إحدى أكثر التجارب غرابةً وجمالًا في فيتنام.
صعدنا من دا نانغ إلى با نا هيلز، ذلك الإرث الفرنسي الذي يعود إلى مطلع القرن العشرين، حين أنشأ الفرنسيون منتجعات جبلية على ارتفاعات تلامس الغيوم، هربًا من رطوبة الساحل وحرارته. وقد بُنيت هذه القرية لتكون ملاذًا جبليًا، في مشروعٍ تطلّب جهدًا بشريًا هائلًا، يثير التساؤل والإعجاب: كيف أُنجز هذا العمل في ذلك الزمن؟ ومن هي الأيدي التي نفّذته في تضاريس وعرة وظروف قاسية؟

ولا تزال العمارة الأوروبية شاهدة على تلك المرحلة الاستعمارية، بما تركته من أثرٍ في التخطيط العمراني، والمطبخ، وأنماط العيش. واليوم، تبدو القرية وكأنها قطعة من أوروبا وُضعت بعناية فوق الجبل؛ شوارع مرصوفة بالحجر، مبانٍ على الطراز القوطي، كنائس قديمة، ومقاهٍ تطل على الضباب.
ويقود إلى هذا المكان أحد أطول خطوط التلفريك في العالم، حيث تتحوّل الرحلة نفسها إلى تجربة بصرية آسرة، تتبدّل خلالها الغابات والغيوم والارتفاعات في دقائق معدودة. ويبرز في هذا المشهد الجسر الذهبي، ذلك الممرّ المعلّق الذي تحمله أيادٍ حجرية عملاقة، وكأنه جسرٌ خارج من الأساطير، يربط بين الغيوم والجبال.

الشمال: هانوي
في الشمال، قرب الحدود الصينية، تقف هانوي بثقلها التاريخي وهيبتها السياسية وذاكرتها العميقة. إنها عاصمة البلاد، والمدينة التي تحمل خلاصة التجربة الفيتنامية عبر القرون. هنا يتجلّى الإرث الصيني بوضوح، نتيجة احتلال دام ما يقارب ألف عام، ترك بصماته في الفلسفة الكونفوشيوسية، والتنظيم الاجتماعي، والتعليم، وحتى في أنماط الحكم.

طابع هانوي مختلف عن الجنوب والوسط؛ أكثر جديةً وانضباطًا. يُعرف سكانها بالصرامة والذكاء والتنظيم، وتظهر آثار الإرث الصيني الطويل في السلوك العام، وفي العلاقة مع الدولة، وفي النظرة إلى العمل والمسؤولية العامة.
في شوارع هانوي، يمتزج الإرث الآسيوي بالعمارة الفرنسية القديمة في مشهدٍ يعكس تعقيدات التاريخ، وتبرز معالم مثل الحيّ القديم، وبحيرة هوان كيم، التي تبدو كقلبٍ هادئ وسط حركة المدينة، شاهدة على تداخل الأسطورة بالحياة اليومية.

ومن الشمال، تنفتح البلاد على المناطق الجبلية، مثل سابا، حيث مدرجات الأرز التي تتسلّق الجبال في مشهد بصري مهيب، يلفّه الضباب ويعكس علاقةً قديمة بين الإنسان والأرض، علاقة قوامها الصبر، والعمل الجماعي، والتكيّف مع الطبيعة بدل تحدّيها.

خليج ها لونغ
ومن هانوي، انطلقنا نحو خليج ها لونغ، أحد أعاجيب الطبيعة في العالم، حيث ترتفع آلاف الجزر الكارستية من البحر في صمتٍ مهيب، كأنها لوحات نُحتت بعناية خارج الزمن.
على متن كروز صغير، تعيش لحظات تُذكّرك بأن الطبيعة، أحيانًا، أبلغ من التاريخ في سرد القصص. هناك، لا حاجة للكلمات؛ فالمشهد وحده يكفي ليمنح الزائر إحساسًا بالضآلة، وبعظمة التوازن الكامن في هذا الكون.

الفصل الثامن: الخاتمة

تقوم قوة فيتنام الاقتصادية على تنوّع ركائزها، وعلى قدرتها على العمل بصمت، دون ادّعاء نموذج مثالي أو تصدير تجربة جاهزة. إنها دولة تبني اقتصادها كما تزرع الأرز: خطوة بعد أخرى، بثبات، ووعيٍ بأن النمو الحقيقي هو ذاك القابل للاستمرار.

يقول الفيتناميون إنهم بلدٌ صغير، رغم امتداده الجغرافي وتعداد سكانه الذي تجاوز مئة مليون نسمة، لأنهم لا يقيسون حجم أوطانهم بالأرقام، بل بقدرتها على الاحتمال والتوازن. فـ«الصِغَر» في الوعي الفيتنامي ليس نقيض القوة، بل مرادفٌ للمسؤولية، وتذكير دائم بأن أي اختلال داخلي قد تكون كلفته باهظة.

من هذا الإدراك تشكّلت الركائز الاقتصادية للبلاد، لا بوصفها قطاعات منفصلة، بل منظومة متكاملة تحكمها أولوية الداخل. فالزراعة لم تُهمَّش لصالح الصناعة، والبحر لم يُستنزف باسم التصدير، والسياحة لم تتحول إلى استهلاك للذاكرة، والتعليم لم يُؤجَّل إلى مرحلة لاحقة. كل ركيزة نمت ضمن حدود محسوبة، ووفق رؤية ترى في الاستدامة شرطًا للبقاء، لا ترفًا فكريًا.

وهكذا تبدو فيتنام دولة تبني اقتصادها بعقلية من يعرف أن الثبات أسبق من الطموح، وأن إدارة الكثرة أصعب من امتلاكها. إنها تجربة لا تقوم على ادّعاء العظمة، بل على فهمٍ دقيق للحجم الحقيقي للأشياء، وعلى قناعة بأن التنمية الناجحة هي تلك التي تحمي البلد — مهما بدا كبيرًا — من أن يتصرّف كأنه أكبر مما يحتمل.

فمن الأرز الذي يحدد إيقاع الأيام، إلى الدراجة النارية التي تختصر فلسفة الحركة، ومن اللؤلؤ الصامت إلى خليج ها لونغ المتعالي على الزمن، تتكشّف فيتنام بوصفها نتاج حوارٍ طويل بين الإنسان والطبيعة. ليست هذه الرموز عناصر متفرقة، بل خيوطًا متداخلة نسجت هويةً قادرة على التكيّف دون أن تفقد جذورها.

فيتنام، في جوهرها، لا تقاوم الطبيعة ولا تذوب فيها، بل تتعايش معها بعقلٍ عملي وحسٍّ تأملي في آنٍ واحد. ومن خلال هذا التوازن، استطاعت أن تحوّل الأرض والماء والحركة إلى لغةٍ يومية تعبّر عن ذاتها، وتقدّم نموذجًا لهوية وطنية تنمو بهدوء، وتستمر دون أن تنقطع عن أصلها.

المهندس علي الجشي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *