من الامثال الشعبية القطيفية “اتعلّم التحسونة في روس القِرعان” – بقلم صادق علي القطري

الأمثال الشعبية القطيفية (الخليجية)، تراثًا شفويًا حيًّا، وذاكرةً اجتماعية تختزل خبرة الإنسان مع الحياة، وتكشف ملامح وعيه الأخلاقي، وسلوكه اليومي، ونظرته إلى العمل والعلاقات والزمن. فالأمثال هنا لا تُعرض باعتبارها عبارات دارجة فحسب، بل تُقرأ كنصوص إنسانية مكثّفة، ونتاج عقل جمعيٍّ صاغ حكمته عبر التجربة والممارسة.

“اتعلّم التحسونة في روس القِرعان”

يُضرَب هذا المثل الشعبي القطيفي في حكمة التدرّب، وحُسن التصرّف في بدايات التعلّم، وتقليل الخسائر عند خوض التجارب الأولى. وهو مثلٌ ذكي في صورته، عميق في دلالته، يعكس وعيًا شعبيًا عمليًا يدرك أن الخطأ في أول الطريق أمرٌ لا مفرّ منه، وأن الحكمة كلّها تكمن في اختيار المكان الأقل ضررًا لوقوعه.

تقوم صورة المثل على مشهد رمزي طريف وهو تعلّم “التحسونة”، أي الحلاقة أو التجربة الأولى للموس، يكون على رؤوس القِرعان، أي من لا شعر لديهم. والمعنى واضح وبليغ؛ فالرأس الأقرع لا يخسر شعرًا إن أخطأ المتدرّب، ولا يتأذى إن جاءت الحلاقة غير متقنة. وهكذا تتحوّل الصورة إلى استعارة ذكية عن التدريب في بيئة آمنة، أو على حالات لا يترتب على الخطأ فيها ضرر يُذكر.

يُقال هذا المثل في كل موقف يتطلّب التدرّج في التعلّم، سواء في الحِرف، أو المهن، أو التجارب الحياتية عمومًا. فيُوجَّه لمن يتعجّل الكمال من أول محاولة، أو لمن يريد أن يبدأ تجربته على حساب أشياء ثمينة أو حسّاسة. وهو دعوة إلى التروّي، وإلى الفصل بين مرحلة التعلّم ومرحلة الإتقان.

وفي عمقه، يعكس المثل فهمًا واقعيًا لطبيعة الإنسان؛ فالتعلّم لا يكون بلا أخطاء، والخطأ جزء من النمو، لكن الخطأ غير المحسوب قد يكون مكلفًا. لذلك، فإن الحكمة ليست في تجنّب الخطأ كليًا، بل في إدارة نتائجه، وحصر أثره في أضيق نطاق ممكن. وهذا ما يعبّر عنه المثل ببساطة لافتة.

كما يحمل المثل بُعدًا تربويًا واضحًا؛ فهو يُعلّم المبتدئ ألا يضع نفسه من أول الطريق في موضع المساءلة القاسية، ولا يُحمّل تجربته الأولى فوق طاقتها. فالتدرّب على “رؤوس القِرعان” يعني البدء بما هو متاح، وبما لا يورّث الندم، حتى تتكوّن المهارة وتشتدّ الخبرة.

ويُستَخدم المثل أيضًا في سياقات أوسع، كالإدارة أو اتخاذ القرار؛ فيُقال لمن يُجري تجربة جديدة، أو يطبّق فكرة غير مجرّبة، بأن يبدأ بنطاق محدود، أو بحالات قابلة للاحتواء، قبل التوسّع. فهو بذلك يُجسّد مبدأ “التجربة الآمنة” بلغة شعبية ذكية.

وهكذا، يختصر مثل “اتعلّم التحسونة في روس القِرعان” حكمة عملية راسخة وهي ان التعلّم يحتاج إلى صبر، والخبرة تُبنى بالتدرّج، والخسارة إن وقعت، فلتكن في أضيق الحدود. فمن أحسن اختيار بدايته، سَلِم طريقه، ومن استعجل الإتقان، تعثّر قبل أن يشتدّ عوده.

المهندس صادق علي القطري

2 تعليقات

  1. إنَّ المثل القائل: “تتعلَّم الحِلاقة في رؤوس القِرعان” قد يُفهم على غير مراده عند بعض الناس، فيظنون أن المقصود أن الأقرع لا يتضرر كثيرًا من خطأ الحلاق. غير أن المعنى الأقرب للمثل هو أن قليل الشعر أو الأقرع أسهل في الحلاقة وأقل تعقيدًا، لذلك كان المبتدئ يبدأ به للتدرب واكتساب المهارة. أما أصحاب الشعر الكثيف فإن حلاقتهم تحتاج إلى خبرة أكبر وأصعب . ولا سيما أن الحلاقة في الأزمنة السابقة كانت تعتمد في كثير من الأحيان على إزالة الشعر كاملًا أو معظمه، مما يجعل رأس الأقرع أو قليل الشعر ميدانًا أسهل للتجربة والتعلّم. ومن هنا صار المثل يُضرب لمن يبدأ تعلمه بالأعمال اليسيرة قبل الانتقال إلى الأعمال التي تتطلب مهارة وإتقانًا. :

    المثل لا ينتقص من الأقرع، بل يبيّن أن المبتدئ يبدأ بالأسهل؛ فقليل الشعر أسهل حلاقةً ، بخلاف صاحب الشعر الكثيف الذي يحتاج إلى يدٍ متمرسة وخبرةٍ أدق، ولذلك قيل: “تتعلَّم الحلاقة في رؤوس القِرعان”

    • صادق القطري

      أحسنت اخي أبا ريسان، وتوضيحك يحمل جانبًا مهمًا من المعنى المتداول للمثل. وأضيف أيضًا أن الأمثال الشعبية كثيرًا ما تتعدد قراءاتها تبعًا للسياق الاجتماعي والمهني الذي وُلدت فيه. فالمقصود في الغالب ليس الانتقاص من الأقرع أو قليل الشعر، بل الإشارة إلى أن التعلّم يبدأ من الأسهل والأقل تعقيدًا قبل الانتقال إلى ما يحتاج خبرةً أكبر. وربما اجتمع المعنيان معًا؛ فقلة الشعر تجعل الحلاقة أسهل وأسرع، كما تجعل أثر الخطأ أقل ظهورًا مقارنةً بمن يملك شعرًا كثيفًا يحتاج إلى مهارة ودقة أعلى. لذلك بقي المثل حيًّا في الذاكرة الشعبية بوصفه تصويرًا لفكرة التدرّج في اكتساب الخبرة، لا حكمًا على الأشخاص أنفسهم. شكرًا على هذه الإضافة الجميلة التي تثري فهم المثل وتفتح بابًا لقراءات أوسع للتراث الشعبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *