قناة القطيف… نحو مشروع بيئي وعمراني متوازن – بقلم نبيه عبدالمحسن البراهيم

اطلعتُ مؤخراً على المقالة المنشورة في مجلة علوم القطيف بعنوان “قناة القطيف… دعوة إلى تحويلها إلى مشروع بيئي وطني ومعلم سياحي عالمي لأشجار المانغروف” بقلم المهندس صادق علي القطري.

ولا شكَّ أن المقالة تطرح رؤية طموحة تستحق التقدير والاهتمام، فهي تنطلق من الحرص على البيئة وتعزيز الغطاء النباتي، وهي أهداف تتوافق مع توجهات المملكة في تحقيق مبدأ الاستدامة البيئية، ومبادرة السعودية الخضراء. غير أن الموضوع – في تقديري – يحتاج إلى النظر إليه من عدة زاويا تتكامل مع بعضها هي: الزاوية البيئية، والزاوية العمرانية، والزاوية السياحية، للوصول إلى أفضل معالجة تحقق جميع الأهداف دون أن يكون أحدها على حساب الآخر.

ومن هذا المنطلق أطرح عدداً من التساؤلات محاولاً الإجابة عليها في ما يلي:

التساؤل الأول: هل فكرة استزراع المانغروف صحيحة من حيث المبدأ؟

الإجابة بكل تأكيد: نعم.

فاستزراع أشجار المانغروف يُعد من أنجح المشروعات البيئية إذا نُفِذَّت في المواقع المناسبة، لما يحققه من فوائد كبيرة، من أهمها:

* تعزيز التنوع الحيوي وزيادة موائل الأسماك والروبيان والطيور.
* امتصاص كميات كبيرة من الكربون والمساهمة في الحد من آثار التغير المناخي.
* حماية السواحل من التعرية وتقليل تأثير الأمواج.
* تحسين جودة المياه من خلال ترسيب الرواسب وامتصاص بعض الملوثات.
* توفير مواقع متميزة للسياحة البيئية والتعليم والبحث العلمي.

ولهذا تبنت المملكة العربية السعودية برامج طموحة للتوسع في زراعة المانغروف ضمن مبادرة السعودية الخضراء، وهو توجه وطني يستحق كل الدعم والتقدير.

التساؤل الثاني: هل تُعد قناة القطيف الموقع الأنسب لزراعة المانغروف على امتدادها بالكامل؟

هنا أتحفظ على ما ورد في المقالة، فقناة القطيف ليست سبخة ساحلية طبيعية أو خوراً منعزلاً، وإنما هي ممر مائي بحري شبه مغلق يؤدي وظيفة هيدروليكية مهمة في حركة المد والجزر وتجدد المياه، كما يطل على كورنيش حضري، وفلل سكنية، واستثمارات عقارية وسياحية، ويُعد أحد أهم المشاهد البصرية في محافظة القطيف.

كما أن المحافظة على عرض المجرى المائي تساعد على تحسين حركة المد والجزر وتجدد المياه وتقليل احتمالات الركود، وهي اعتبارات هندسية ينبغي أخذها في الحسبان عند دراسة أي توسع في زراعة المانغروف داخل القناة.

لذلك فإن التعامل مع هذا الممر المائي ينبغي أن يختلف عن التعامل مع السبخات أو الخيران الطبيعية.

التساؤل الثالث: ماذا لو زُرع المانغروف على امتداد الساحل الموازي للكورنيش؟

لا شك أن لذلك عدداً من الإيجابيات، منها:

* تحسين البيئة البحرية.
* زيادة التنوع الحيوي.
* تقليل انجراف التربة.
* المساهمة في خفض درجة الحرارة المحلية.
* توفير بيئة مناسبة للسياحة البيئية.

إلا أن هذه الفوائد ينبغي موازنتها مع عدد من الآثار السلبية المحتملة.

فعلى الصعيد البيئي، تؤدي كثافة أشجار المانغروف إلى تقليل سرعة حركة المياه، الأمر الذي قد يزيد من ترسيب الطمي والرواسب داخل القناة، مما قد يستدعي أعمال تكريك وصيانة دورية للحفاظ على أعماقها وكفاءتها الهيدروليكية.

أما على الصعيد العمراني، فإنَّ زراعة المانغروف على امتداد الواجهة البحرية ستؤدي إلى تقليص عرض المسطح المائي، وهو أحد أبرز عناصر هوية كورنيش القطيف، كما أنها قد تحجب جزءاً كبيراً من المشهد البحري المفتوح الذي يمثل أهم عناصر الجذب البصري في المنطقة.

ولا يخفى أن الواجهات البحرية المفتوحة تُعد من أهم العوامل التي تعزز القيمة الاقتصادية للعقارات والاستثمارات السياحية، ولذلك فإن أي معالجة بيئية ينبغي أن تراعي المحافظة على هذا المورد الحضري والاقتصادي المهم.

فالإطلالة الحالية على المياه المفتوحة، وانعكاس البحر، واتساع الأفق، تمثل عناصر جمالية يقصدها السكان والزوار من داخل المحافظة وخارجها، ومن المتوقع أن تتراجع جاذبية هذه الواجهة إذا أصبحت الإطلالة محجوبة بحزام نباتي كثيف يمتد على طول الساحل.

ولذلك أرى أن المحافظة على المسطح المائي المفتوح ينبغي أن تبقى هي الأساس، مع توظيف زراعة المانغروف بصورة مدروسة في المواقع التي تحقق أكبر منفعة بيئية دون الإضرار بالمشهد الحضري.

ما الحل الأمثل؟

في تقديري، لا يتمثل الحل في الاختيار بين المياه المفتوحة أو المانغروف، وإنما في تحقيق التوازن بينهما، ويمكن تحقيق ذلك من خلال:

* إنشاء جيوب بيئية محدودة داخل القناة على هيئة جزر صغيرة أو خلجان جانبية تُزرع فيها أشجار المانغروف.
* المحافظة على معظم الواجهة المقابلة للكورنيش مفتوحة حفاظاً على المشهد البحري.
* اختيار مواقع ساحلية أخرى خارج النطاق العمراني تكون أكثر ملاءمة لإنشاء غابات مانغروف واسعة تحقق الأهداف البيئية دون التأثير على الواجهة الحضرية.

كما يمكن تطوير هذه المواقع لتصبح متنزهات بيئية متكاملة تضم مماشي خشبية فوق المانغروف، وأبراجاً لمراقبة الطيور، ومراكز للتوعية البيئية، ومراسي صغيرة للقوارب الكهربائية، ومنصات للتصوير، بما يحولها إلى وجهات سياحية وتعليمية متميزة.

ماذا تقول التجارب العالمية؟

ولعل أبرز ما يجمع التجارب العالمية الناجحة أنها لم تعتمد مبدأ تغطية جميع الواجهات البحرية بأشجار المانغروف، وإنما سعت إلى تحقيق التوازن بين حماية البيئة والمحافظة على جودة المشهد الحضري.

ومن أبرز هذه التجارب:

* سنغافورة، حيث جرى الحفاظ على المسطحات المائية المفتوحة، مع إنشاء محميات مانغروف في مواقع مختارة.
* أبوظبي، التي نجحت في إنشاء حدائق القرم مع ممرات خشبية دون حجب الواجهات البحرية الرئيسة.
* بريسبان في أستراليا، التي حافظت على القنوات المائية المفتوحة مع الإبقاء على أحزمة مانغروف طبيعية في مواقع محددة.
* ميامي في الولايات المتحدة، حيث يُستخدم مفهوم “الشواطئ الحية” (Living Shorelines) الذي يوازن بين حماية البيئة والمحافظة على الوظيفة الجمالية والترفيهية للشواطئ.

خلاصة القول:

القضية ليست اختياراً بين البحر والمانغروف، وإنما هي كيفية تحقيق أفضل تكامل بينهما.

فالحفاظ على المشهد المائي المفتوح الذي يُعَدُّ أحد أبرز مقومات هوية كورنيش القطيف لا يتعارض مع التوسع في زراعة المانغروف، متى ما تم ذلك في مواقع مختارة ومدروسة، سواء على هيئة جزر وخلجان بيئية داخل القناة، أو في مواقع ساحلية أخرى أكثر ملاءمة خارج النطاق العمراني.

وبذلك نحقق معاً أهداف التنمية البيئية، ونحافظ في الوقت نفسه على القيمة الجمالية والسياحية والاقتصادية لهذه الواجهة البحرية الفريدة، لتبقى قناة القطيف نموذجاً وطنياً يجمع بين الاستدامة البيئية وجودة الحياة والهوية العمرانية.

المهندس نبيه عبد المحسن البراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *