عندما يحمل الحمار كتابًا ثمينًا – بقلم المهندس سعيد المبارك*

When a Donkey Carries a Priceless Book
{ عندما يحمل الحمار كتابًا ثمينًا }
[تمت الترجمة الى العربية بتصرف من قبل الكاتب]

اي كتاب، سواء كان مليئًا بالحكمة أو خاليًا منها، لا يختلف عند الحمار. فهو يحمله، لكنه لا يدرك قيمته، ولا يستطيع أن يزيد فيه أو ينقص منه. ما الكتاب إلا حملا ينقله من مكان إلى آخر.

أما إذا حمل الكتاب إنسان أحمق، فالأمر مختلف تمامًا.

فالحمار لا يغيّر الكتاب. أما الأحمق، فقد يغيّر معناه وقد يبدل الفائدة إلى مضرة.

ولهذا قالوا:

“إيّاك ومصادقة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك”.

فالحماقة لا تكتفي بإيذاء الآخرين، بل تبدأ غالبًا بصاحبها.

وهذا المعنى يلتقي مع ما جاء في القرآن الكريم:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾
(سورة الجمعة: 5)

ليس المقصود حمل الكلمات، بل حمل معناها، وفهم ما وراءها، والقيام بحقها.

تُروى قصة عن سجين في أحد السجون الألمانية خلال حقبة الستينيات يُدعى “شميدث”. وسواء أكانت حقيقية أم من نسج الخيال، فإن العبرة فيها تستحق التأمل.

كان يحظى بمعاملة أفضل من بقية السجناء، فاتهمه رفاقه بأنه يتعاون مع الحراس.

وحين سألوه عن السبب، سألهم أولًا:

“ماذا تكتبون في رسائلكم الأسبوعية؟”

قالوا: “نكتب عن قسوة السجن وظلم الحراس”.

فقال: “أما أنا، فأكتب لزوجتي بطريقة مختلفة. أذكر بعض محاسن السجن، وأثني أحيانًا على الحراس، بل وأذكر أسماءهم بالشكر”.

تعجبوا وسألوه عن السبب.

فقال: “لأن رسائلنا تُقرأ قبل أن تخرج من السجن. الحراس يطّلعون عليها أولًا، ويتعاملون معنا وفق ما يقرؤون”.

لم يكن يخدع الحراس.

كان فقط يفهم أن الكلمة لا تؤثر عند كتابتها، بل عند قراءتها.

لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن امتدادًا لفهمه، بل انحرافًا غير متوقع عنه.

ففي الأسبوع التالي كتب بعض السجناء إلى عائلاتهم:

“لقد علّمنا شميدث كيف نخدع الحراس ونكسب ثقتهم”.

كلمة واحدة كانت كافية لتغيير كل شيء:

“نخدعهم”.

قرأ الحراس الرسائل، فتبدلت نظرتهم إلى شميدث، ثم امتد الشك إلى الجميع.

وتحوّلت المعاملة الخاصة إلى قسوة عامة شملت الجميع ومعهم شميدت.

لم تتغير الحقيقة.

الذي تغيّر هو الطريقة التي حُمِلت بها.

وهنا تتجاوز القصة حدود السجن.

فالمشكلة ليست دائمًا في المعلومة، ولا في المعرفة نفسها.

بل فيمن يحملها، وكيف يفهمها، وكيف يعيد صياغتها قبل أن ينقلها.

ولهذا قال العرب:

“إذا كنت في حاجةٍ مرسلًا، فأرسل حكيمًا ولا توصِه”.

فالحكيم لا ينقل الكلمات فحسب، بل يحمل مقاصدها أيضًا، ويقدّر أثرها قبل أن ينطق بها.

وفي الواقع الإنساني، هذه القاعدة تتكرر بأشكال مختلفة عبر التاريخ.

فليست الرسائل العظيمة دائمًا ما تُنقل بالكلمات، بل تُنقل عبر من يفهم ثقلها ومسؤوليتها.

ولهذا نرى أن المناصب الحساسة في الدول، مثل وزراء الخارجية، أو قادة التفاوض، أو صناع القرار، لا تُعطى لمن يستطيع نقل الكلام فقط، بل لمن يستطيع فهم ما وراءه: أثره، تبعاته، وحدود احتماله عند الآخرين.

وكذلك عبر التاريخ، لم يكن حمل الرسائل الكبرى في المجتمعات والدعوات الدينية مجرد وظيفة نقل، بل مسؤولية فهم وتقدير. لذلك كان الرسل والدعاة والعلماء الكبار ليسوا مجرد ناقلين، بل حاملين لمعنى الرسالة، مدركين لمآلاتها، وكيف تُفهم، وكيف تُستقبل، وكيف تُحدث أثرها في النفوس والمجتمعات.

وفي زمننا الحاضر، لم يعد حامل المعرفة الإنسان وحده.

بل رافقته الآلة، والبرمجيات، والذكاء الاصطناعي؛ لا كوسائل نقل صامتة، بل كأنظمة تشارك في الفهم، وإعادة الترتيب، وصياغة ما يصل إلينا من معنى.

وهنا لا يعود السؤال مجرد: من ينقل المعرفة؟

بل: من يعيد تشكيلها أثناء نقلها؟

ومن يقرر، ولو جزئيًا، شكلها الأخير قبل أن تصل إلى الوعي البشري؟

ومع هذا التحول، يصبح التحدي أكبر من مجرد امتلاك المعرفة أو نشرها.

بل في فهم المسارات التي تمر عبرها، والطبقات التي تتغير فيها، قبل أن تستقر في أذهاننا على أنها “الحقيقة”.

وفي زمن أصبحت فيه المعرفة متاحة أكثر من أي وقت مضى، لم يعد السؤال الأهم:

ماذا نعرف؟

بل:

من الذي يحمل ما نعرفه؟

لأن الحقيقة قد تبقى كما هي، واضحة في أصلها، كاملة في معناها.
لكنها لا تصل دائمًا كما خرجت، إذ يحدد حاملها مصيرها.

وليس كلُّ حاملٍ أهلًا لما يحمل.

المهندس سعيد المبارك

*المهندس سعيد المبارك – مهندس بترول ومستشار في الحقول الذكية و التحول الرقمي ورئيس قسم الطاقة الرقمية بجمعية مهندسي البترول العالمية ، فاز بجائزة جمعية مهندسي البترول للخدمة المتميزة. ألقى محاضرات كثيرة في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن وجامعة الملك سعود بالرياض وفي محافل كثيرة أخرى. مؤلف كتاب “أي نسخة من التاريخ ليست إلاّ رواية”.

رابط المقال الأصلي باللغة الإنجليزية:

https://www.linkedin.com/feed/update/urn:li:share:7479967585816567808/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *