رحلة الإنسان: من الإيمان بالغيب إلى فهم الكون – بقلم محمد حسين آل هويدي

منذ بدايات الإنسان الأولى، لم تكن الأديان كما نعرفها اليوم أنساقًا عقدية مكتملة، ولا مؤسسات ذات نصوص وفقه ولاهوت، بل كانت محاولات بدائية لفهم العالم: الموت، الحلم، المرض، المطر، البرق، الخصوبة، والخوف من المجهول. لذلك يرى كثير من دارسي تاريخ الأديان أن التصورات الأولى كانت أقرب إلى الأرواحية، أي الاعتقاد بأن للطبيعة أرواحًا أو قوى خفية تسكن الأشياء والكائنات والظواهر. لم يكن الإنسان القديم يفصل بين الطبيعة وما وراء الطبيعة؛ فالشجرة، والنهر، والجبل، والريح، لم تكن مجرد أشياء، بل حضورًا غامضًا يستحق الرهبة والطقس.

ثم تطورت هذه التصورات مع تطور الاجتماع البشري. فحين كبرت الجماعات، وظهرت المدن والسلطات والطبقات والكهنة، تحولت المعتقدات من خوف بسيط أمام الطبيعة إلى أنظمة رمزية واسعة. ظهرت الآلهة الكبرى، والأساطير، والطقوس المنظمة، ثم الديانات المركبة مثل الهندوسية، وبعدها الديانات الإبراهيمية التي قدمت تصورًا أكثر تجريدًا للخالق: إله واحد، متعالٍ، خالق، مريد، عليم، ومصدر للمعنى الأخلاقي والوجودي.

غير أن هذا التطور لا يعني أن سؤال الخالق انتهى عند الصور التي قدمها الأولون. فالتاريخ يعلمنا أن الإنسان كلما اتسعت معرفته، أعاد صياغة أسئلته الكبرى. لم يعد البرق إلهًا غاضبًا، ولم يعد المرض روحًا شريرة بالضرورة، ولم تعد حركة الكواكب قصة أسطورية فقط. لكن زوال التفسير الأسطوري لا يعني زوال السؤال الميتافيزيقي؛ بل ربما ينقله إلى مستوى أعمق: لماذا يوجد قانون أصلًا؟ لماذا الكون قابل للفهم؟ لماذا ظهرت الحياة والعقل والوعي؟ ولماذا تبدو بعض ثوابت الكون مضبوطة ضمن نطاق يسمح بوجود التعقيد والحياة؟ هذه الأسئلة ما زالت حاضرة في نقاشات الفلسفة والكونيات المعاصرة، خصوصًا في موضوع الضبط الدقيق، حيث تُطرح تفسيرات متعددة منها الخالق، أو الأكوان المتعددة، أو قراءات فلسفية أخرى.

من هنا قد يظهر تصور جديد للخالق عند بعض العلماء أو الفلاسفة المؤمنين، لا يشبه بالضرورة الصور الشعبية القديمة. قد لا يكون تصورًا قائمًا على إله يسد فجوات الجهل، أي أننا كلما عجزنا عن تفسير شيء قلنا: إذن فعلها الله. هذا تصور هش؛ لأن العلم كلما تقدم أزاح بعض تلك الفجوات. التصور الأعمق أن الخالق ليس بديلًا عن القانون، بل علة وجود القانون نفسه؛ ليس منافسًا للتفسير العلمي، بل أساسًا ميتافيزيقيًا لإمكان العلم والمعنى والانتظام.

سيكون هذا التصور أقرب إلى “العقل المؤسس” أو “المبدأ الخالق” أو “الوجود الواجب” منه إلى الصورة البدائية التي تجعل لكل ظاهرة إلهًا صغيرًا. لكنه في الوقت نفسه لن يكون بالضرورة خاليًا من البعد الديني؛ لأن سؤال الخالق لا يتوقف عند الهندسة الكونية، بل يمتد إلى القيمة، والغاية، والوعي، والأخلاق، ومصير الإنسان. وهنا سيقع الخلاف: هل الخالق مجرد مبدأ كوني صامت؟ أم إله شخصي عارف مريد؟ أم حقيقة متعالية لا يمكن اختزالها في لغة البشر؟

أما صدى هذا التصور فغالبًا لن يكون هادئًا. فالمؤمن التقليدي قد يراه باردًا ومجردًا، لأنه لا يبدأ من النص والطقس والجماعة، بل من الكون والعقل. والملحد الصارم قد يراه محاولة لإعادة الدين بثوب علمي. وبعض العلماء سيتحفظون عليه لأنه يتجاوز حدود المنهج التجريبي. أما الفلاسفة فقد يجدون فيه امتدادًا طبيعيًا لسؤال قديم: هل يكفي أن نشرح كيف يعمل الكون، أم يجب أن نسأل لماذا يوجد كون يعمل بهذه الطريقة أصلًا؟

وكما حدث في التاريخ، كل تصور جديد يواجه مقاومة من جهتين: من حراس القديم الذين يخشون تفكيك المألوف، ومن حراس الجديد الذين يخشون عودة ما ظنوا أنهم تجاوزوه. لكن الأفكار الكبرى لا تنتصر بسرعة، ولا تُرفض نهائيًا بسهولة. إنها تمر بمرحلة السخرية، ثم الجدل، ثم المراجعة، ثم ربما تصبح جزءًا من لغة العصر.

لذلك، قد لا يكون السؤال: هل سيؤمن العلماء بخالق كما آمن الأولون؟ بل: هل يمكن أن يظهر تصور للخالق يتجاوز سذاجة التصورات البدائية دون أن يفقد عمق التجربة الدينية؟ وهل يستطيع هذا التصور أن يحترم العلم دون أن يتحول إلى مادية صامتة، وأن يحترم الدين دون أن يتحول إلى أسطورة جامدة؟

ربما تكون اللحظة الراهنة مختلفة عن الماضي. فالإنسان القديم رأى الإله في الرعد؛ والإنسان الفلسفي رآه في العلة الأولى؛ والإنسان المعاصر قد يراه في قابلية الكون للفهم، وفي انتظام القانون، وفي نشوء الوعي، وفي السؤال الذي لا يزول مهما اتسعت المعرفة: لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟

وهنا تكمن المفارقة: كلما تقدم العلم، لم يختفِ السؤال عن الخالق، بل تغيّرت لغته. لم يعد السؤال عند كثيرين: أي إله يحرك الشمس؟ بل صار: لماذا توجد شمس، وقانون، وزمن، وعقل قادر على فهم ذلك كله؟ وهذه ليست عودة إلى بدائية الأديان الأولى، بل ربما انتقال إلى مرحلة جديدة من السؤال الديني؛ مرحلة لا تبحث عن إله في الفراغات، بل عن معنى الوجود كله.

محمد حسين آل هويدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *