من الاساطير الشعبية القطيفية “أم ردوح” سيدة الظلال في ليالي القطيف القديمة – بقلم صادق علي القطري

في الذاكرة الشعبية للقطيف، لا تعيش الأساطير في الكتب بقدر ما تعيش في الأصوات. فهي تُولد من همسات الجدات، ومن حكايات السمر التي كانت تتسلل إلى القلوب مع هدوء الليل، حين تنام البيوت الطينية تحت ضوء القمر، وتبقى المخيلة وحدها يقظةً تراقب المجهول. ومن بين تلك الشخصيات التي سكنت وجدان الناس، تبرز “أم ردوح” بوصفها واحدة من أكثر الأساطير غموضًا وإثارة للرهبة.

لم تكن أم ردوح كائنًا محدد الملامح في الروايات الشعبية، بل كانت تتشكل بحسب خوف الراوي وخيال السامع. فمرةً تُوصف كامرأة طويلة القامة، ذات شعرٍ منكوشٍ ينسدل على كتفيها كستارٍ من الظلام، ومرةً تظهر كظلٍّ متحركٍ فوق الأسطح أو بين الأزقة المهجورة، لا يُرى بوضوح ولكن يُشعر بحضوره. ولهذا بقيت شخصيتها عصية على الوصف الدقيق، وكأن الغموض نفسه كان جزءًا من قوتها.

في القرى القديمة، حيث كانت الأزقة تضيق بين البيوت، وحيث تخلو الشوارع من المارة بعد حلول الظلام، كانت أم ردوح حاضرة في أحاديث الكبار. فإذا تأخر طفلٌ خارج المنزل، أو صعد إلى السطح ليلًا، سارعوا إلى تحذيره قائلين “إياك وأم ردوح”. وهكذا تحولت الأسطورة إلى أداة تربوية غير مباشرة، استُخدمت لحماية الصغار من أخطار الليل، ومن السقوط عن الأسطح، أو التوغل في الأماكن المهجورة التي قد تخفي مخاطر حقيقية.

ولعل ما يمنح أم ردوح خصوصيتها أنها لم ترتبط بالغابات أو الصحارى كما في كثير من الأساطير العالمية، بل ارتبطت بفضاءات الحياة اليومية نفسها؛ بالسطوح الطينية، والبيوت القديمة، والأركان المظلمة، والأماكن التي يعرفها الناس جيدًا في النهار، لكنها تتحول في الليل إلى عالمٍ آخر. ومن هنا نشأت رهبتها؛ فالمخيف ليس البعيد المجهول دائمًا، بل القريب الذي يتغير وجهه حين يغيب الضوء.

ومن منظور ثقافي، تكشف أسطورة أم ردوح عن جانبٍ مهم من علاقة الإنسان القديم بالمكان. فالمجتمعات التقليدية لم تكن تفسر كل شيء بالعلم كما نفعل اليوم، بل كانت تمنح الظواهر الغامضة صورًا ورموزًا تساعدها على فهم العالم. وكانت الأسطورة وسيلةً لتجسيد المخاوف الجماعية، وإعطائها اسمًا وصورة يمكن تداولها بين الناس. لذلك فإن أم ردوح ليست مجرد شخصية خرافية، بل مرآة تعكس قلق الإنسان من الظلام والعزلة والمجهول.

ومع مرور الزمن، وتغير أنماط الحياة، وانحسار البيوت الطينية والأزقة القديمة، بدأت أم ردوح تتراجع من الواقع إلى الذاكرة. لم تعد الأجيال الجديدة تسمع عنها كما كان يسمع الأجداد، لكن حضورها لم يختفِ تمامًا. فما زالت تعيش في الحكايات الشعبية، وفي الروايات الشفوية التي تحفظ جانبًا من التراث الثقافي للقطيف والخليج.

إن قيمة أم ردوح اليوم لا تكمن في تصديق وجودها أو نفيه، بل في كونها جزءًا من الذاكرة الجمعية التي صنعت هوية المكان. فهي شاهدٌ على زمنٍ كانت فيه الحكاية تؤدي دور المدرسة، وكانت الأسطورة تحمل بين طياتها حكمةً اجتماعية تتخفى وراء قناع الخوف. وهكذا تبقى أم ردوح، لا كسيدةٍ للأشباح، بل كسيدةٍ للذاكرة الشعبية، تمشي في دروب الماضي، وتحرس ما تبقى من دهشة الإنسان الأولى أمام أسرار الليل.

المهندس صادق علي القطري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *