الصين… بين عمق التاريخ وآفاق المستقبل (ج2) – بقلم علي عبد المحسن الجشي

{ الجزء الثاني: استمرار الحضارة الصينية }

بالعودة إلى التاريخ، نجد أن الدولة الصينية الموحَّدة بدأت عام 221 ق.م مع قيام أسرة تشين، بينما تمتد جذور الحضارة الصينية إلى آلاف السنين قبل ذلك. ومنذ توحيدها السياسي استمرت الصين ككيان حضاري ودولة تاريخية لما يزيد على ألفي عام.

وبرغم ما مرت به من متغيرات وأحداث – كما هو شأن الأمم جميعًا – بقيت الصين كأمة تاريخية لها جذورها ونسيجها المؤثر عالميًا والمعترف به دوليًا. ولنفهم أسباب هذا البقاء سنتعرض لخمسة محاور رئيسية ساهمت في هذا الاستمرار وهي: القيم الرئيسية للحضارة الصينية؛ أبرز السلالات التي حكمت الصين؛ ولادة الدولة الحديثة؛ المراحل الأربع للتحول؛ والشخصيات المحورية.

القيم الرئيسية للحضارة الصينية

عندما يتحدث الصينيون اليوم عن «خمسة آلاف سنة من الحضارة»، فهم لا يقصدون أن الحدود السياسية الحالية ظلت ثابتة طوال هذه المدة، بل يشيرون إلى استمرارية حضارية وثقافية طويلة تشكلت حول خمس أفكار رئيسية:

• النظام والانسجام: تأثرت الصين تأثرًا عميقًا بأفكار كونفوشيوس (Confucius)، التي أكدت احترام الأسرة والكبار والانضباط الاجتماعي ومعرفة واجبات الحاكم والمحكوم. ولذلك ظل الاستقرار الاجتماعي في الفكر الصيني التقليدي قيمة تتقدم على الحرية الفردية المطلقة. ورغم أن كونفوشيوس عاش قبل أكثر من ألفي عام، فإن تأثيره ظل حاضرًا في القيم الاجتماعية والتعليمية والسياسية حتى العصر الحديث.

• ولاية السماء: كان الإمبراطور يُعرف بـ«ابن السماء»، وكان يُعتقد أن شرعيته مستمدة من رضا السماء عنه. فإذا انتشر الظلم ووقعت المجاعات وكثرت الثورات، عُدَّ ذلك دليلًا على فقدانه هذه الشرعية، وهو ما منح الثورات بعدًا سياسيًا وأخلاقيًا.

• مركزية الحضارة الصينية: تعني كلمة الصين بالصينية (Zhōngguó) «الدولة الوسطى» أو «المملكة الوسطى». ولم يكن المقصود بذلك المركز الجغرافي للعالم، بل مركزية الحضارة الصينية مقارنة بالشعوب المحيطة من وجهة نظر الصينيين آنذاك.

• التعليم والامتحانات: من أبرز إنجازات الصين القديمة إنشاء نظام إداري يعتمد على الامتحانات لاختيار المسؤولين. وقد أتاح ذلك نظريًا لأبناء الطبقات المتواضعة الوصول إلى المناصب العليا من خلال التفوق العلمي، وهو أمر كان متقدمًا على كثير من نظم الحكم المعاصرة له.

• الاستمرارية السلالية: تعاقبت على الصين عبر أكثر من ألفي عام سلالات وإمبراطوريات متعددة، إلا أن هذا التعاقب لم يؤدِّ إلى انقطاع الحضارة أو انهيار مؤسساتها الأساسية، بل حافظ على شعور عميق بالاستمرارية التاريخية لدى الصينيين. ورغم اختلاف هذه السلالات في أصولها وسياساتها، فإنها أسهمت مجتمعة في ترسيخ مؤسسات الدولة الصينية وتعزيز شعور الاستمرارية الحضارية، وهو ما يفسر قدرة الصين على البقاء ككيان ثقافي وسياسي متماسك رغم فترات الانقسام والحروب والتغيرات الكبرى.

ولعل أكثر ما يثير اهتمام المؤرخين ليس سقوط الإمبراطورية، بل استمرار الحضارة الصينية. سقطت عشرات السلالات الحاكمة، واحتُلّت الصين مرات عديدة، وحكمها المغول والمانشو، لكنها احتفظت بلغتها المكتوبة وثقافتها الأساسية ومؤسساتها الحضارية بدرجة مدهشة. ولهذا ينظر كثير من الصينيين اليوم إلى دولتهم الحديثة على أنها ليست دولة جديدة، بل امتداد لحضارة عمرها آلاف السنين تعرضت لفترات ضعف وقوة، لكنها لم تنقطع.

غير أن هذه الحضارة العريقة دخلت القرن العشرين وهي تواجه واحدة من أعقد المراحل في تاريخها، الأمر الذي مهّد لولادة الصين الحديثة.

أبرز السلالات التي حكمت الصين:

تعاقبت على الصين سلالات عديدة، إلا أن السلالات الآتية تُعد من أبرزها أثرًا في تاريخها السياسي والحضاري:

• سلالة تشين “Qin” (221–206 ق.م): أول من وحّد الصين سياسيًا ووضع أسس الدولة المركزية.

• سلالة هان “Han” (206 ق.م–220م): رسخت مؤسسات الدولة وأصبحت رمزًا للهوية الصينية التقليدية.

• سلالة تانغ “Tang” (618–907م): شهدت ازدهارًا ثقافيًا وتجاريًا واسعًا.

• سلالة سونغ “Song” (960–1279م): حققت تقدمًا اقتصاديًا وتقنيًا ملحوظًا.

• سلالة يوان “Yuan” (1271–1368م): فترة حكم المغول للصين.

• سلالة مينغ “Ming” (1368–1644م): أعادت الحكم الصيني التقليدي بعد انتهاء الحكم المغولي.

• سلالة تشينغ “Qing” (1644–1912م): آخر السلالات الإمبراطورية التي حكمت الصين.


ولادة الدولة الحديثة
لم تولد الصين الحديثة دفعة واحدة، بل تشكلت عبر مسار طويل من التحولات العميقة بدأ في أواخر العهد الإمبراطوري، وشمل سقوط الإمبراطورية والاستعمار الجزئي والحروب الأهلية والثورة الشيوعية ثم الإصلاح الاقتصادي والصعود العالمي. وقد جاء هذا التحول نتيجة أزمات وصراعات وتجارب متراكمة، بعضها فرضته الظروف التاريخية وبعضها نتج عن رؤى وخطط مدروسة.

المراحل الأربع للتحول
المرحلة الأولى (1927–1949):
بدأت هذه المرحلة بصراع داخلي قسم البلاد إلى فريقين متناحرين: القوميون بقيادة تشيانغ كاي شيك من جهة، والشيوعيون بقيادة ماو تسي تونغ من جهة أخرى. وعندما غزت اليابان أجزاء واسعة من الصين عام 1937، اتجه الطرفان إلى مواجهة الغزو الياباني حتى انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945 بهزيمة اليابان. وبعد ذلك تجددت الحرب الأهلية الصينية، وانتهت عام 1949 بسيطرة الشيوعيين على معظم البلاد وتأسيس جمهورية الصين الشعبية، بينما انسحبت الحكومة القومية إلى تايوان. وتُعرف هذه المرحلة بمرحلة الثورة والحروب.

المرحلة الثانية (1949–1976):
شهدت هذه المرحلة ترسيخ الحكم الشيوعي بقيادة ماو تسي تونغ. وبين عامي 1958 و1962 أطلق ماو برنامج “القفزة الكبرى إلى الأمام” بهدف تسريع التصنيع والتنمية الزراعية، إلا أن السياسات المتبعة آنذاك ساهمت في وقوع مجاعة واسعة النطاق أودت بحياة ملايين الصينيين. ثم انطلقت بين عامي 1966 و1976 “الثورة الثقافية”، التي برزت خلالها جماعات “الحرس الأحمر” وسعت إلى إعادة تشكيل المجتمع الصيني وفق الفكر الماوي. وانتهت هذه المرحلة بوفاة ماو عام 1976، وتُعرف هذه المرحلة بالمرحلة الماوية.

المرحلة الثالثة (1978–2000):
بدأت مرحلة الإصلاح والانفتاح الاقتصادي مع بروز دنغ شياو بينغ قائدًا فعليًا للصين. وخلال الفترة بين 1978 و1990 تحولت البلاد تدريجيًا نحو اقتصاد السوق مع استمرار حكم الحزب الشيوعي. كما أُنشئت مناطق اقتصادية خاصة، أبرزها مدينة شينزن، التي أصبحت نموذجًا للنمو الاقتصادي السريع. وتُعرف هذه المرحلة بمرحلة الإصلاح والانفتاح.

المرحلة الرابعة (2000–اليوم):
خلال الفترة بين 2000 و2012 انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية، وواصلت صعودها كقوة اقتصادية عالمية بمعدلات نمو مرتفعة. وتوسعت المدن والبنية التحتية وشبكات القطارات السريعة، وأصبحت تُعرف بـ”مصنع العالم”. كما استضافت دورة الألعاب الأولمبية الصيفية عام 2008 في بكين.

ومع تولي شي جين بينغ القيادة عام 2012، أطلقت الصين مبادرة “الحزام والطريق”، وعززت حضورها العالمي في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتجارة الدولية، لتصبح المنافس الرئيسي للولايات المتحدة في العديد من المجالات. وتُعرف هذه المرحلة بمرحلة الصعود العالمي.

وهكذا فإن سر التحول الصيني لم يكن نتيجة حدث واحد أو قرار منفرد، بل حصيلة تراكم تاريخي امتد عبر أربع مراحل متتابعة: الثورة، ثم البناء، ثم الإصلاح والانفتاح، وأخيرًا الصعود العالمي.


شخصيات محورية في تاريخ الصين الحديث
بعد سقوط الحكم الإمبراطوري عام 1911، ظهرت شخصيات محورية ساهمت في تأسيس جمهورية الصين الحديثة، وأهم هذه الشخصيات:
1- سون يات سين (1866–1925)، ويُعرف بـ”أب الصين الحديثة”. ومن أهم أدواره:
• قيادة الثورة التي أسقطت الحكم الإمبراطوري عام 1911 وتأسيس جمهورية الصين.
• طرح مبادئ قومية وديمقراطية وتنموية أثّرت على الصين وتايوان معًا، وفي القوميين والشيوعيين على حد سواء.

2- تشيانغ كاي شيك (1887–1975)، ويعرف بزعيم القوميين الصينيين وقد خسر الحرب الأهلية أمام الشيوعيين. وأهم أدواره:
• قيادة الحرب ضد اليابان خلال الحرب العالمية الثانية وتوحيد أجزاء كبيرة من الصين بعد عصر أمراء الحرب.
• نقل حكومة جمهورية الصين إلى تايوان والمساهمة في بناء الدولة الحديثة هناك.

3- ماو تسي تونغ (1893–1976)، أكثر شخصية تأثيرًا في الصين الحديثة وأهم أدواره:
• تأسيس النظام السياسي الشيوعي الذي ما زال يحكم الصين حتى اليوم.
• توحيد البلاد بعد عقود من الحرب.
• تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949.
• تغيّر البنية الاجتماعية والاقتصادية جذريًا.
استندت شرعية الزعيم الصيني ماو تسي تونغ إلى كونه القائد المؤسس الذي قاد حرب التحرير والثورة الشيوعية. ويرى كثير من المؤرخين أن تطبيقه الصارم للسياسات الشيوعية والاعتماد الرئيسي على الزراعة مع إلغاء الملكية الخاصة تماماً أدت إلى كوارث إنسانية، أبرزها حملة “القفزة الكبرى للأمام” التي تسببت في مجاعة كبرى، وإطلاق “الثورة الثقافية” التي أثرت سلبًا التراث الثقافي.


4- دينغ شياو بينغ (1904–1997)، وهو مهندس نهضة الصين الاقتصادية الحديثة. وأهم أدواره:
• إطلاق سياسة “الإصلاح والانفتاح” منذ 1978.
• إدخال اقتصاد السوق الاشتراكي مع بقاء الحكم الشيوعي.
• فتح الصين للاستثمارات العالمية.
• نقل الصين من دولة فقيرة نسبيًا إلى قوة اقتصادية عالمية.
• دعم إنشاء مناطق اقتصادية خاصة مثل شينزن.

5- شي جين بينغ (1953–)، أبرز شخصية صينية معاصرة. وأهم أدواره:

تتركز أبرز الإنجازات والتحولات التي يُحسب لـ “شي جين بينغ” تحقيقها مقارنة بإرث “ماو تسي تونغ” في عدة جوانب رئيسية:
• ترسيخ السلطة. ألغى قيود الفترات الرئاسية في عام 2018، وعمل على إنهاء مراكز القوى المستقلة عبر إطلاق حملات صارمة ومستمرة لمكافحة الفساد، وشهدت الصين خلال فترة قيادته إعلان القضاء على الفقر المدقع وفق المعايير الحكومية الصينية.
• الصعود التكنولوجي. قاد صعود الصين التكنولوجي والعسكري وحافظ على اقتصاد السوق الاشتراكي الذي بدأه “دينغ شياو بينغ”، مع إحكام سيطرة الدولة على قطاعات التكنولوجيا والتعليم.
• المكانة الجيوسياسية والدبلوماسية. عزز سلطة الحزب والدولة بشكل غير مسبوق منذ ماو وانتقل بالبلاد من سياسة “إخفاء القدرات وانتظار الوقت” إلى دبلوماسية نشطة وواثقة، وأطلق مشاريع عملاقة مثل مبادرة “الحزام والطريق” لربط آسيا بأفريقيا وأوروبا تجارياً وبناء شبكة نفوذ عالمية.
• الإيديولوجيا والشرعية السياسية. صاغ أيديولوجية جديدة تُعرف رسمياً باسم “فكر شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد” التي تؤكد على القومية الصينية ودور الصين العالمي.

وإجمالًا، فإن الشخصيات الأكثر تأثيرًا في تشكيل الصين الحديثة يمكن ترتيبها على النحو الآتي: سون يات سين، الذي أسقط النظام الإمبراطوري ومهّد لقيام الجمهورية؛ وماو تسي تونغ، الذي أسس جمهورية الصين الشعبية؛ ودنغ شياو بينغ، الذي قاد التحول الاقتصادي؛ وشي جين بينغ، الذي ارتبط اسمه بمرحلة الصعود العالمي.

لقراءة الجزء الأول: https://www.qatifscience.com/?p=36283

المهندس علي الجشي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *