الصين… بين عمق التاريخ وآفاق المستقبل (ج1) – بقلم علي عبد المحسن الجشي

{ الجزء الأول: مرحبًا بكم في الصين… ني هاو }

هذه المرة سنذهب معًا في رحلة عبر آفاق الصين لنتعرف من زوايا متعددة على تلك البلاد التي جمعت بين عراقة الماضي وقوة الحاضر. وقبل أن نعرض ما رأيناه بأعيننا، دعونا نرجع باقتضاب إلى صفحات من تاريخها، لنفهم التحولات العميقة التي شهدتها، وكيف انتقلت، عبر تحولات متعاقبة خلال القرن الماضي، من دولة منهكة إلى إحدى أكبر القوى العالمية.

تاريخ الصين القديمة… الجذور الحضارية
وأنت تجوب أرجاء الصين وتتفاعل مع أهلها الذين يتصفون باللطف وحسن المعاملة، قد يراودك سؤال يصعب تجاهله، ويحتاج جوابه إلى شيء من التفصيل:

في أقل من قرن كيف استعادت الصين مكانتها لتتحول من دولة أنهكتها الحروب والاضطرابات إلى قوة عالمية؛ وما السر في ذلك؟ هل هذا التطور المذهل الذي حققته الصين في مختلف المجالات ثمرة التحولات التي شهدتها خلال القرن الماضي فحسب، أم أن جذوره تمتد عميقًا في تاريخ حضارة عريقة تراكمت معطياتها عبر آلاف السنين؟

ولعل هذا السؤال يقودنا إلى الصورة التي ارتسمت للصين في الذاكرة العربية والإسلامية. فكثيرًا ما كنا نسمع القول المأثور: «اطلبوا العلم ولو في الصين»، وهو قول يُستشهد به للحث على طلب العلم مهما بَعُد مكانه وعظمت مشقته. فقد كان السفر من الجزيرة العربية إلى الصين رحلة طويلة وشاقة تستغرق أشهرًا، وتعبر الصحارى والجبال والبحار، ولذلك أصبحت الصين رمزًا للمكان البعيد الذي تُشدّ إليه الرحال طلبًا للمعرفة.

فالصين لم تكن أرضًا مجهولة أو أسطورية، بل حضارة حقيقية ومعروفة، ارتبط اسمها بالتقدم في الصناعة والإدارة والتنظيم في كثير من العصور. كما رسخت هذه الصورة مكانة الصين في المخيال العربي بوصفها موطنًا للعلم والحِرف الراقية والمنتجات النفيسة وصناعة الورق. ولم يأتِ ذلك من فراغ؛ فقد كانت الصين عبر قرون طويلة واحدة من أكبر القوى الاقتصادية في العالم، ومركزًا حضاريًا مؤثرًا في محيطها وفي العالم المعروف آنذاك.

وعلى امتداد تاريخها، ازدهرت في الصين مدن كبرى كانت تُعد من أعظم مدن العالم وأكثرها سكانًا ونشاطًا اقتصاديًا. وقد بلغ عدد سكان بعض هذه المدن أكثر من مليون نسمة في فترات مبكرة، حين كانت معظم مدن العالم أصغر حجمًا بكثير. ومن أشهر تلك المدن تشانغآن (Chang’an)، وكايفنغ (Kaifeng)، وهانغتشو (Hangzhou)، التي كانت مراكز للتجارة والإدارة والثقافة، وكان بعضها يفوق معظم مدن العالم آنذاك حجمًا وتنظيمًا.

كما شهدت العلاقات التجارية بين العالم الإسلامي والصين نشاطًا واسعًا عبر طريق الحرير البري والبحري، مما أدى إلى نشأة جاليات إسلامية في عدد من المدن الصينية الكبرى، ومن أشهرها مدينة غوانغجو (Guangzhou)، التي لا تزال تضم مجتمعات مسلمة ومعالم إسلامية عريقة إلى يومنا هذا. وعبر تلك الطرق التجارية انتقل الحرير والورق والخزف إلى أسواق العالم الإسلامي، بينما وصلت إلى الصين بضائع وأفكار وتقنيات وثقافات متنوعة من مختلف أنحاء العالم.

ولم يقتصر تأثير الصين الحضاري على العالم الإسلامي، بل امتد إلى أوروبا أيضًا، حيث نقل الرحالة والتجار الأوروبيون صورًا مبهرة عن مدنها الكبرى ونظامها الإداري وصناعاتها المتقدمة. وقد أسهمت تلك الشهادات في ترسيخ صورة الصين بوصفها إحدى أعرق الحضارات الإنسانية وأطولها استمرارية، حضارة استطاعت أن تحافظ على هويتها واستمراريتها عبر القرون، وأن تتحول في العصر الحديث إلى قوة صناعية وتكنولوجية وتجارية كبرى تتبوأ مكانة بارزة بين القوى العالمية.

جذور اسم الصين

قد يتساءل القارئ: لماذا يُسمى هذا البلد «الصين»؟ يرى معظم المؤرخين واللغويين أن كلمة (China) تعود في أصلها إلى أسرة تشين (Qin) التي وحّدت البلاد لأول مرة سنة 221 قبل الميلاد. وانتقل اسم هذه السلالة عبر طرق التجارة إلى الهند، فأصبح في اللغة السنسكريتية (Cīna)، ثم انتقل إلى الفارسية والعربية، ومنها إلى اللغات الأوروبية بصيغة (China). ولهذا يرجح كثير من الباحثين أن اسم الصين و (China) يعودان في الأصل إلى اسم تلك السلالة القديمة، وإن كان بعض الباحثين يرى أن الاسم ربما كان أقدم من ذلك بقليل.

أما الصينيون فلا يطلقون على بلادهم اسم (China)، وإنما يسمونها جونغو (Zhōngguó)، وتعني حرفيًا «الدولة الوسطى» أو «المملكة الوسطى». ويعود هذا الاسم إلى الاعتقاد التاريخي لدى الصينيين بأن حضارتهم كانت تمثل مركز العالم المتحضر، وأن الشعوب المحيطة كانت تقع في الأطراف.

وهكذا فإن اسم الصين الذي نستعمله اليوم ليس هو الاسم الذي يطلقه الصينيون على بلادهم، بل هو اسم انتقل عبر الحضارات واللغات حتى استقر بصورته الحالية، بينما بقي الاسم الذي يستخدمه أهل البلاد أنفسهم هو جونغو (Zhōngguó)، أي «الدولة الوسطى».

الجغرافية المعاصرة

تُعد الصين رابع أكبر دولة في العالم من حيث المساحة، إذ تبلغ مساحتها نحو 9.6 ملايين كم². وتمتد قرابة 5500 كم من الشمال (قرب موخه (Mohe) في هيلونغجيانغ) إلى الجنوب (عند زِنغمُو ريف / James Shoal)، ونحو 5200 كم من الشرق (التقاء نهري هيلونغجيانغ وووسولي) إلى الغرب (جبال بامير في شينجيانغ). وتتنوع تضاريسها بين السهول والجبال والهضاب والصحارى، مما يجعلها من أكثر دول العالم تنوعًا من الناحية الجغرافية.

ويبلغ مجموع حدود الصين نحو 36,600 كم، منها 22,117 كم حدود برية مع أربع عشرة دولة (وهي من أطول الحدود البرية في العالم)، ونحو 14,500 كم من السواحل البحرية (بحسب الساحل القاري الرئيسي فقط).

الحدود التاريخية
لم تكن حدود الصين ثابتة عبر التاريخ، بل تغيرت اتساعًا وانكماشًا تبعًا لصعود السلالات الحاكمة وتراجعها. ورثت الصين الحديثة معظم حدود أسرة تشينغ المتأخرة، لكنها لا تمثل بالضرورة جميع الأراضي التي خضعت للنفوذ الصيني في مختلف العصور. فعلى سبيل المثال:

• كانت دولة تشين الأولى أصغر كثيرًا من الصين الحالية.
• في عهد أسرة تانغ امتد النفوذ الصيني إلى أجزاء واسعة من آسيا الوسطى.
• وفي عهد أسرة تشينغ توسع النفوذ ليشمل مناطق واسعة مثل التبت وشينجيانغ ومنغوليا الداخلية.

بداية التراجع
لم تسقط الإمبراطورية الصينية فجأة، بل تآكلت تدريجيًا عبر عقود طويلة. كانت حياة معظم السكان تعتمد على الزراعة، ولا سيما زراعة الأرز في الجنوب والقمح في الشمال، ضمن مجتمعات ريفية كبيرة تدفع الضرائب للدولة. ومع الزيادة السكانية الكبيرة، أصبحت الإدارة الإمبراطورية تواجه صعوبات متزايدة في جمع الضرائب وإدارة الأقاليم ومواجهة المجاعات والكوارث الطبيعية.

كانت الصين حتى أوائل القرن التاسع عشر تُعد من أكبر الاقتصادات في العالم، وكانت تنتج سلعًا عالية القيمة مثل الحرير والشاي والخزف وتصدرها إلى مختلف أنحاء العالم لجني الأرباح. ولم يكن هذا الوضع يروق للإمبراطورية البريطانية الصاعدة حينئذ، والتي كانت تسعى إلى توسيع نفوذها التجاري وفتح السوق الصينية أمام تجارتها للاستفادة من ثروات ومقدرات الصين.

حربا الأفيون
حينها، بدأت حرب الأفيون الأولى (1839–1842). كانت بريطانيا تزرع الأفيون في الهند الخاضعة لسيطرتها، ثم تهربه إلى الصين لبيعه وإغراق المجتمع الصيني في الإدمان، مما أدى إلى استنزاف المجتمع الصيني اقتصاديًا واجتماعيًا، وأصبح أحد العوامل التي استغلتها بريطانيا لفرض نفوذها التجاري والسياسي. فكان البريطانيون يجنون الأرباح من بيع المخدرات ويشترون بها بضائع صينية، دون أن يكلفوا خزينتهم شيئًا يذكر. وتشير تقديرات تاريخية إلى أن عدد المدمنين بلغ ملايين الأشخاص، وقدّره بعض الباحثين بنحو 12 مليونًا في أواخر عهد أسرة تشينغ. ووصلت بعض المناطق إلى حالات مزرية. كانت بعض العائلات تبيع أبناءها وهناك فلاحون تركوا أرضهم وقرى هجرت بالكامل وعساكر يقعون ساقطين في معسكراتهم.

ولما لم يعد هناك مناص، عين الإمبراطور مفوض يُدعى لين تسه شو (Lin Zexu) الذي عمل بحماس وإخلاص لتخليص البلاد من هذا الشر فصادر مخازن المخدرات البريطانية ودمر نحو عشرين ألف صندوق من الأفيون، وبعث برسالة إلى ملكة بريطانيا يطلب منها إيقاف تهريب الأفيون إلى الصين وحماية شعبها.

ولكن الرد البريطاني جاء بإرسال سفن حربية ومدافع حديثة وصواريخ لقتال الجيش الصيني الذي كان لا يزال يعتمد في كثير من وحداته على أسلحة وتقنيات تقليدية لا تضاهي الأسلحة الغربية المتطورة في ذلك الوقت. ورغم أنها تُعرف تاريخيًا باسم حرب الأفيون، فإن الفارق الكبير في القوة العسكرية جعلها تبدو أقرب إلى حملة عقابية غير متكافئة. فخلال عامين (1840-1842) هاجمت بريطانيا الصين وقصفت المدن الساحلية، ودمرت الحصون والأساطيل بحجة المطالبة بالتجارة الحرة والتي هي في الحقيقة لم تكن سوى عمليات تهريب للأفيون تحت شعار “حرية التجارة”.

وكانت النتيجة إجبار الصين على توقيع معاهدة نانجينغ التي فرضت فتح الموانئ وتقديم تنازلات تجارية من قبل الصين ودفع مبالغ مالية والتنازل عن هونغ كونغ، واستمرت تجارة الأفيون واتسعت، ثم جاءت اتفاقيات لاحقة رسخت هذا الواقع وأصبحت تجارة المخدرات قانونية ومحمية بالعلم البريطاني.

ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فبدأت بريطانيا حرب الأفيون الثانية التي استمرت سبع سنوات (1856–1860).
ففي 1856 عاد الكابوس مرة أخرى. رجعت بريطانيا ومعها فرنسا، واقتحموا بكين وحرقوا القصر الصيفي القديم، وكان يُعد من أعظم التحف المعمارية في آسيا، فخلفوه رمادًا.

ومنذ ذلك الحين انتشر الأفيون في الصين على نطاق واسع لعقود طويلة، مخلفًا آثارًا اجتماعية واقتصادية عميقة، وساهم، إلى جانب عوامل داخلية أخرى، في إضعاف المجتمع وتآكل الدولة من الداخل.

انهيار الإمبراطورية

وتزامنت هذه الأوضاع مع تصاعد الضغوط الخارجية الغربية في القرن التاسع عشر، حين اصطدمت الصين بالقوى الصناعية الأوروبية. وكانت حربا الأفيون من أبرز الأحداث التي كشفت حجم الفجوة العسكرية والتقنية بين الصين والقوى الصناعية الأوروبية.

وأدركت الصين آنذاك أن جيوشها وتقنياتها التقليدية لم تعد قادرة على منافسة القوى الصناعية الحديثة. كما أن البيروقراطية الضخمة التي كانت مصدر قوة للدولة تحولت في بعض المراحل إلى مصدر ضعف بسبب الفساد وسوء الإدارة. وأدى ذلك إلى اندلاع ثورات وتمردات داخلية عديدة، كان أخطرها تمرد تايبينغ (Taiping Rebellion).

ومع استمرار الهزائم واتساع رقعة الفقر والاضطرابات، بدأ كثير من الصينيين يرون أن أسرة تشينغ فقدت «ولاية السماء». وفي عام 1911 اندلعت ثورة شينهاي (Xinhai Revolution)، لتسقط الإمبراطورية رسميًا في العام التالي، وتنتهي بذلك أكثر من ألفي سنة من الحكم الإمبراطوري في الصين.

لكن سقوط الإمبراطورية لم يكن نهاية قصة الصين، بل كان بداية مرحلة مضطربة انتهت بقيام الدولة الحديثة، التي ستبدأ معها رحلة التحول الكبرى نحو الصين التي نعرفها اليوم.

المهندس علي الجشي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *