بين الشجاعة والتهور – بقلم أحمد المبارك

‏يقول المصور الباكستاني عاطف سعيد الذي التقط صورة نادرة للأسد عن قرب:

‏قمت برحلة برية إلى موطن الأسد لالتقاط بعض الصور، قمت بقيادة سيارتي وجلست على الأرض بالقرب من السيارة وتركت الباب مفتوحاً…

‏كنت أشعر بالإقتراب العدواني للأسد، شيء لا يمكن وصفه، كنت أشاهد كل التفاصيل الصغيرة لحركته التي لا يمكن لأي صورة أو فيلم أن يظهرها… ‏بدا الأسد وكأنه جائع وغاضب للغاية…

‏وبعد بضع دقائق تحرك الأسد نحوي بشكل هجومي في محاولة لإفتراسي، فقفزت على الفور في السيارة ولحسن الحظ نجوت بعد التقاط الصورة…

[‏لن أكرر هذه التجربة مرة أخرى لأنها كادت أن تسلبني حياتي]

المصور عاطف سعيد من مدينة لاهور الباكستانية، يبلغ من العمر 38 عامًا مع لقطته المشهورة للأسد.

{مقدمة}

عندما قرأت رواية المصور الباكستاني عاطف سعيد وتجربته مع الأسد، توقفني مشهدان متناقضان: الأول، صورة الأسد النادرة التي التقطها عن قرب؛ والثاني، صورته الذهنية وهو يقفز خائفاً إلى سيارته هارباً من الموت المحقق. هذه التجربة ليست مجرد حكاية مغامر، بل درس عميق في حدود الشغف البشري وعلاقته بالبرية:

أولاً: الشجاعة المحمودة والاستعداد المهني

لا يمكنني إلا أن أشيد بشجاعة عاطف سعيد وإصراره الفني. فهو لم يكتفِ بالتصوير من مسافة آمنة، بل نزل من سيارته، جلس على الأرض، وترك الباب مفتوحاً – وهذا يدل على جرأة استثنائية ورغبة حقيقية في توثيق الحياة البرية من زاوية مختلفة. كما أن وصفه الدقيق لحركة الأسد وتفاصيلها يعكس حساً فنياً مرهفاً وقدرة على الملاحظة لا تتوفر إلا للمصورين العظماء.

ثانياً: القراءة الخاطئة للسلوك الحيواني

لكن ما يثير قلقي في روايته هو اعترافه بأن الأسد بدا “جائعاً وغاضباً للغاية”، ومع ذلك استمر في التصوير من على الأرض! هذا يشير إلى خطأ مهني جسيم في قراءة لغة الجسد الحيواني. الأسد الجائع الذي ينظر إليك من مسافة قريبة لا يرسل لك دعوة للتصوير، بل يقيّمك كفريسة محتملة. كان على المصور أن يتراجع فور إحساسه بـ”الاقتراب العدواني” بدلاً من تجاهل هذه الإشارات الواضحة.

ثالثاً: النجاة كانت حظاً لا مهارة

يعترف عاطف نفسه أنه نجا “لحسن الحظ”، وهذا هو جوهر ما أريد قوله: المصور المحترف لا يعتمد على الحظ، بل على التخطيط والاحتياطات. نجاته لم تكن بسبب ذكائه أو خبرته، بل لأن السيارة كانت قريبة والباب مفتوحاً. ولو كانت السيارة بعيدة، أو تعطل المحرك، لكانت النتيجة مأساوية. هذه التجربة كانت مقامرة غير محسوبة، وكادت أن تنتهي بمأساة لا تخدم التصوير ولا الحياة البرية.

رابعاً: دروس يجب أن تعلمها المهنة

هذه الحادثة تطرح سؤالاً مهماً: هل يستحق أي إطار فني “حياتك”؟ والإجابة قطعاً لا. فالصورة النادرة قد تصنع شهرة لحظة، لكن الموت ينهي كل شيء. المصورون المحترفون في وثائقيات “ناشونال جيوغرافيك” و”بي بي سي” يستخدمون كاميرات بعيدة التحكم، وأقفاصاً حديدية، وطائرات درون، ولا يقتربون من حيوان جائع بهذا التهور. عاطف سعيد لم يخطئ في الشجاعة، لكنه أخطأ في تقدير المخاطر والتجهيز لها.

خامساً: إنسانية الخوف وموقعه من التجربة

أكثر ما أثر بي في روايته هو صراحته المذهلة: “لن أكرر هذه التجربة مرة أخرى لأنها كادت أن تسلبني حياتي”. هذه الجملة تعيد له اعتباري، لأنها تكشف عن نضج بعد التجربة، وعن إنسانية خالية من التباهي الكاذب. فليس عيباً أن يخاف المصور، بل العيب أن يستخف بالخوف ويكرر الحماقة. خوفه علمه درساً لن تعلّمه أي دورة تصوير.

{خاتمة}

في النهاية، أرى أن تجربة عاطف سعيد تمثل ملحمة صغيرة عن هشاشة الإنسان أمام الطبيعة، وعن التناقض بين رغبتنا في السيطرة على اللحظة وبين عجزنا الحقيقي. صورته النادرة تستحق الإشادة، لكن قصته تستحق التأمل أكثر.

وإن كان سؤالي الأخير له: هل الصورة التي التقطها “عاطف سعيد” تستحق أن تترك أطفاله دون أب؟ أو أن تنتهي مهنته إلى الأبد؟ أتمنى أن تكون إجابته الآن، بعد النجاة، قد تغيرت. فالقيمة الحقيقية للصورة ليست في ندرتها، بل في أنها تُلتقط مع العودة بالسلامة لتُروى قصتها.

الأسناذ أحمد المبارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *