لماذا بدت بيوتنا القديمة واسعة؟ – بقلم علي الجشي

سألني جاري صادق أكثر من مرة سؤالًا يبدو بسيطًا، لكنه كلما ألحَّ به عليَّ وجدت أن وراءه شيئًا يستحق التأمل:

• لماذا كانت بيوتنا القديمة، وأزقة حاراتنا وقرانا، تبدو لنا واسعة ونحن صغار، مع أن كثيرًا من بيوتنا اليوم أكبر منها مساحة وأوسع بناء؟
• هل لأننا كنا أطفالًا صغار الأجسام، فكانت الأشياء تبدو لنا أكبر مما هي عليه؟
• أم أن وراء ذلك سببًا آخر؟

والحقيقة أنني أشاركه هذا الشعور. فنحن أبناء الجيل الذي عاش قبل الطفرة العمرانية المتسارعة نحتفظ في ذاكرتنا بصور بيوت لم تكن كبيرة بمعايير اليوم، ومع ذلك نشعر حين نستعيدها بأنها كانت رحبة، وأن غرفها كانت تكفينا، وأن أحواشها تتسع للعبنا وجلوسنا وضيوفنا، بل إن القرية الصغيرة التي يمكن قطعها مشيًا في دقائق كانت تبدو لنا عالمًا مترامي الأطراف.

ولا يبدو أن صغر أعمارنا وحده يفسر ذلك كله؛ فهناك أسباب نفسية ومعمارية واجتماعية تجعل الإنسان يدرك المكان بطريقة تختلف كثيرًا عن القياس الهندسي المجرد.

فالبيت لا يُقاس بالمتر وحده، وإنما بما تراه العين، وما تعترضه من أشياء، ومقدار ما يصل إليه النظر، وكيف يتحرك الجسد داخله.

ولعل العبارة التي تختصر الفرق بين الأمس واليوم هي:

البيت القديم كان يهتم بالفراغ، أما البيت الحديث فكثيرًا ما يهتم بما نضعه داخل الفراغ.

عندما كانت الغرفة غرفة

أتذكر الغرف القديمة: فرش بسيط يمتد عند أطراف الجدار، وبعض المساند، وصندوق أو خزانة صغيرة، ثم يبقى وسط الغرفة خاليًا.

لم تكن الغرفة بحاجة إلى طاولة وسط، وطاولات جانبية، وكنبات ضخمة، ووحدة تلفاز، وأجهزة، وأسلاك، وقطع زينة تملأ كل زاوية.

كانت الأشياء أقل، ولذلك كان الفراغ أكثر حضورًا.

وهنا تكمن مفارقة لافتة: قد تكون غرفة قديمة مساحتها أربعة في أربعة أمتار أرحب في إحساسنا من صالة حديثة ستة في ستة أمتار، لأن العين لا تحسب الأمتار وحدها؛ بل تحسب أيضًا عدد الأشياء التي تعترضها.

كل قطعة أثاث مرتفعة، وكل طاولة، وكل خزانة بارزة، تقطع جزءًا من المشهد. وحين تتكاثر هذه القطع، لا ترى العين غرفة واحدة كبيرة، وإنما مجموعة من الكتل المتجاورة.

ولهذا لم نكن قديمًا نعيش وسط أشياء كثيرة؛ كنا نعيش وسط فراغ.

وكان لذلك الفراغ قيمة لم نكن نفكر فيها أو نسميها.

والسقف أيضًا كان جزءًا من الرحابة

كثير من البيوت القديمة، حتى المتواضعة منها، كانت ذات أسقف مرتفعة نسبيًا، ونوافذ وأبواب واسعة، وأفنية تسمح للهواء والضوء بالدخول.

والإنسان، حين يشعر بحجم المكان، لا ينظر إلى الأرض وحدها.

فالفراغ ليس طولًا وعرضًا فقط، بل ارتفاع أيضًا.

يمكن القول بشيء من المجاز إن الغرفة ليست:

طولًا × عرضًا،

بل:

طول × عرض × نَفَس.

فالسقف المرتفع يعطي العين مجالًا، والضوء الداخل من نافذة أو باب يجعل حدود المكان تبدو أبعد، بينما تنكمش الغرفة المظلمة بصريًا حتى لو كانت واسعة.

من الغرفة إلى الحوش… ومن الحوش إلى السماء

كان البيت القديم أيضًا أقل انغلاقًا على نفسه.

الغرفة تفتح على الليوان، والليوان على الحوش، والحوش على السماء. وإذا جلست في غرفة فقد ترى من بابها فراغًا آخر خلفها.

وهكذا لا تقف العين عند أربعة جدران.

أما في كثير من البيوت الحديثة، فالغرفة تنتهي عند باب، وبعده ممر، ثم باب آخر، ثم غرفة أخرى. مساحة البيت قد تكون أكبر، ولكنها مقسمة إلى وحدات منفصلة، حتى يصبح الإنسان كأنه ينتقل من صندوق إلى صندوق.

ولهذا قد يكون البيت واسعًا حسابيًا، لكنه يبدو أقل اتساعًا إدراكيًا.

لماذا كانت مجالسنا أرحب؟

ولعل المجلس العربي القديم خير مثال على ذلك.

كان الفرش منخفضًا وملاصقًا للجدران، والوسط خاليًا.

لوحة فنية بريشة “التشكيلي ابراهيم سعيد الدار” بعنوان “مجالسنا”…

ما إن تدخل المجلس حتى تمتد عينك من أوله إلى آخره بلا حاجز. لا كنبة مرتفعة تقطع النظر، ولا طاولة كبيرة تستولي على المنتصف، ولا كراسٍ متناثرة تصنع ممرات ضيقة بينها.

والجلوس المنخفض نفسه له أثر لطيف؛ فحين تكون قريبًا من الأرض يبدو السقف أعلى، ويزداد الإحساس بالحجم.

لقد عرف أسلافنا، من غير كتب في علم التصميم، قاعدة بسيطة وذكية:

الأطراف للأثاث، والوسط للفراغ.

واليوم نفعل العكس أحيانًا؛ نرى وسط الغرفة خاليًا فنشعر أن شيئًا ينقصه، فنضع طاولة، ثم نزين الطاولة، ثم نضيف ما حولها، حتى يتحول الفراغ الذي كان يمنح الغرفة رحابتها إلى بقايا صغيرة بين قطع الأثاث.

والأغرب أننا بعد ذلك نقول: الغرفة ضيقة!

القديم كان يمتلك أقل

لكن المسألة ليست معمارًا فقط.

فالإنسان القديم نفسه كانت علاقته بالأشياء مختلفة.

كانت لديه ملابس أقل، وأثاث أقل، وأجهزة أقل، وأغراض أقل. وكان الشيء الواحد يؤدي أكثر من وظيفة.

الفراش يُفرش ثم يُجمع، والصندوق يخزن وقد يُجلس عليه، والحوش مكان للجلوس ولعب الأطفال واستقبال بعض الأعمال المنزلية، وقد يكون في ليالي الصيف مكانًا للنوم أيضًا.

أما نحن اليوم فقد خصصنا لكل وظيفة شيئًا.

كرسي للقراءة، وطاولة للقهوة، وطاولة للطعام، ووحدة للتلفاز، وخزانة للأحذية، ورف للزينة، ومكان للأجهزة، ومكان للشحن.

لم نزد مساحة البيت فقط؛ زدنا كذلك عدد الأشياء التي تطلب نصيبها منه.

ولهذا يمكن أن نقول إن المشكلة أحيانًا ليست أن البيت صار أصغر، وإنما أن الفراغ صار أقل.

والقرية أيضًا كانت واسعة

وينطبق الأمر نفسه على قرانا القديمة.

قد تكون القرية صغيرة المساحة، لكنك وأنت تسير فيها لا تشعر بأنها تحاصرك.

في نهايتها نخيل، أو مزرعة، أو أرض فضاء، أو بر مفتوح، ثم السماء.

لم يكن العمران يستمر بلا انقطاع كما يحدث في المدن الحديثة.

كنت تمشي في السكة، ثم تنفتح أمامك رحبة، وبعدها بيت تعرف صاحبه، ثم مسجد، ثم عين ماء، ثم مزرعة.

لكل مكان علامة وشخصية.

أما المدينة الحديثة، فمع أنها أوسع بعشرات المرات، إلا أن كثرة الشوارع والسيارات والإشارات والمباني المتشابهة والإعلانات تجعل الذهن في حالة عمل مستمر.

وربما لهذا كانت المسافة القصيرة قديمًا تبدو رحلة ممتعة، بينما قد تصبح المسافة الأقصر اليوم عبئًا من الانتظار والازدحام والضجيج.

فالإنسان لا يقيس المسافة بالكيلومترات وحدها، بل بما يلاقيه خلالها.

لوحة فنية للفنان منير الحجي

عندما كان الخارج جزءًا من البيت

هناك فرق آخر مهم.

لم يكن البيت القديم مطالبًا بأن يحتوي الحياة كلها.

كان هناك الحوش، والسكة، والرحبة، والمسجد، ومجلس الجيران، والمزرعة، وسطح البيت، والظل أمام الباب.

كان الخارج امتدادًا طبيعيًا للداخل.

الطفل لا يحتاج إلى غرفة ألعاب؛ فالسكة ملعبه. والرجل لا يحتاج إلى صالة خاصة لكل لقاء؛ فهناك المجلس أو الدكة أمام البيت. والأسرة لا تمارس كل نشاط داخل غرفة مغلقة.

أما اليوم فقد أصبح المنزل مطالبًا بأن يكون عالمًا كاملًا: مكانًا للنوم والعمل والترفيه والرياضة والدراسة والتخزين والضيافة.

وكلما طالبنا البيت بوظائف أكثر شعرنا بأنه لا يكفينا، مهما كبر.

هل تغير البيت أم تغيرنا نحن؟

وهنا نصل، في رأيي، إلى الجانب الأعمق من سؤال صادق.

ربما لم تتغير البيوت وحدها.

نحن أيضًا تغيرنا.

الإنسان القديم كان أقل امتلاكًا وأكثر قدرة على التكيف مع المكان. يجلس على الأرض، وينام على فراش يجمع في الصباح، ويستخدم الغرفة لأكثر من غرض.

كما أنه لم يكن يرى الفراغ الخالي على أنه نقص.

أما نحن فإذا رأينا زاوية فارغة قلنا:

ماذا نضع هنا؟

طاولة؟ كرسيًا؟ رفًا؟ قطعة زينة؟

وكأن المكان لا يكتمل إلا إذا ملأناه.

نحن لا نطيق الفراغ، ثم نشتكي من فقدان الرحابة.

وكان الإنسان قديمًا أيضًا أقل تعرضًا للمقارنة. لم يكن يرى كل يوم عبر هاتفه مئات الصور لبيوت أكبر وأفخم، ثم يعود ليقيس بيته بما شاهده.

كان يقيس بيته غالبًا بحاجته.

لوحة فنية بريشة الفنان عبد الكريم الرامس

أما نحن فنقيس أحيانًا ما نملكه بما يملكه الآخرون.

وهكذا قد ينشأ نوع جديد من الضيق، ليس ضيق المساحة، بل ضيق التوقع.

المكان لا يعكسنا فقط… بل يؤثر فينا

ولا يقف الأمر عند شعورنا بالسعة والضيق.

فالبيئة التي نعيش فيها تؤثر أيضًا في مزاجنا وإيقاعنا اليومي.

الغرفة المليئة بالأشياء والتفاصيل والأجهزة والألوان تجعل العين تنتقل باستمرار من عنصر إلى آخر، ولو من دون وعي. أما الغرفة الهادئة التي فيها جدار خالٍ أو نافذة مفتوحة أو وسط غير مزدحم فتعطي العين مكانًا تستقر فيه.

حتى الحركة داخل الغرفة لها أثر.

إذا اضطررت في كل مرة إلى الالتفاف حول طاولة وتفادي كرسي والانتباه إلى زاوية بارزة، فإن المكان يطلب منك انتباهًا أكثر.

أما إذا كان المسار واضحًا والحركة سهلة، فإن الجسد يشعر براحة أكبر.

ولهذا ليست الراحة في أن نشتري أثاثًا أجمل فقط، وإنما ربما في أن نترك أشياء أقل.

فالفراغ ليس مالًا ضائعًا، ولا مترًا لم نحسن استثماره.

الفراغ نفسه جزء من وظيفة المكان.

فهل كان كل قديم أفضل؟

بالطبع لا.

لوحة قنية بريشة الفنان منير الحجي

البيوت القديمة عانت أحيانًا من ضعف الخدمات، وقلة وسائل الراحة، والحرارة والرطوبة، ولم تكن كل عناصرها مثالية.

كما أن العمارة الحديثة قدمت للإنسان من الراحة والصحة والخصوصية والأمان أشياء كثيرة لا ينبغي إنكارها.

المشكلة إذن ليست في الحداثة نفسها، وإنما في أن نأخذ منها كل شيء وننسى بعض الحكم البسيطة التي عرفها البيت القديم:

أن يدخل الضوء.

وأن يبقى للنظر مدى.

وأن يكون للأشياء حد.

وأن يظل في الغرفة شيء من الفراغ.

وألا نحمل البيت من الوظائف والمقتنيات فوق ما يحتمل.

وعدت إلى سؤال صادق

لماذا إذن كانت بيوتنا وأزقتنا وقرانا تبدو لنا أوسع؟

نعم، ربما كان لكوننا أطفالًا نصيب من الجواب؛ فالأشياء تبدو أكبر لمن كان جسده أصغر، والذاكرة تضيف إلى الأماكن شيئًا من سحر الطفولة.

لوحة فنية بريشة الفنان منير الحجي

لكن ذلك ليس كل شيء.

كانت البيوت القديمة في كثير من الأحيان تحتوي الناس أكثر مما تحتوي الأشياء.

وكان أثاثها يحتل الأطراف ويترك الوسط يتنفس.

وكان الضوء والهواء والسماء يدخل بعضها في بعض.

وكانت القرية تنتهي عند نخلة أو مزرعة أو فضاء، لا عند صف جديد لا ينتهي من المباني.

وكان الإنسان يمتلك أقل، ويطلب من البيت أقل، ويستعمل الخارج أكثر.

لذلك كان المكان الصغير يكفي.

أما نحن فقد كبرت بيوتنا، وكثرت أغراضنا، وتعددت احتياجاتنا، وارتفعت توقعاتنا، وحاولنا أن نجعل كل متر يؤدي وظيفة.

ثم سألنا بدهشة:

لماذا ضاق المكان؟

وربما تكون المفارقة كلها في جملة واحدة:

لم تكن بيوتنا القديمة أوسع دائمًا… لكننا كنا نترك فيها مساحة أكبر للسكن.

المهندس علي الجشي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *