[الحقيقة الاجتماعية وهي اكتشاف المقبول اجتماعيا تبقى في حالة تغيرٍ دائم وتخضع لعمليةٌ متغيرةُ وغير ثابتة..]
“المنطقة الرمادية في العلاقات الاجتماعية”
مواقف الناس وعلاقاتهم تشمل ثلاث حالات:
• مواقف وعلاقات تتسم بالقبول القطعي من المجتمع،
• مواقف وعلاقات تتسم بالرفض القطعي من المجتمع،
• مواقف وعلاقات تقع في المنطقة الرمادية:
فهي ليست مقبولة قطعًا ولا مرفوضة قطعًا، وانما تعتمد على الفهم والسياق والظروف الأخرى المصاحبة لها. عادةً يبدأ الانحراف في هذه المنطقة الرمادية نتيجة الغموض والفهم المختلف للمواقف. لذا سنضرب أمثلةً توضح ما هي المنطقة الرمادية، ثم نسأل ما أسباب وجودها وما تأثيرها على المجتمع وكيف يمكن للمجتمعات أن تعالجها. من الجدير ذكره، أنّ المنطقة الرمادية قد تكون في العلاقات العاطفية، او في قطاع المال والأعمال، او في الأهداف ووسائل تحقيقها، بل قد تكون في كل جوانب الحياة المختلفة.

العلاقات العاطفية
الفعل الواحد قد يحمل معاني مختلفة، فيفهمه المشاهد بمعنى يختلف تمامًا عن نية الفاعل.
مثال: رجل وامرأة يعملان في مشروع مهني، فتوجد بينهما علاقة مهنية، تقدّم له المرأة مساعدةً كزميلٍ يهمها أن ينجز لينتهي المشروع بنجاح، لكنه يفسر هذه المساعدة بطريقةٍ مختلفة. هي تظن: نحن زملاء، بينما هو يظن أن هناك شيءٌ أكثر من الصداقة، أو العكس.
مثال آخر: موظفة تقول لزميل: إذا احتجت أي شيء أنا موجودة، هذه جملةٌ بسيطة، لكن الزميل قد يظن أنها علاقة شخصية فيبدأ في ارسال إشاراتٍ خاصة وربما تواصل خارج العمل وربما توقعات.
فالابتسامة قد تكون عند شخص: أدباً، وعند الآخر اهتماماً خاصًا. والرسالة قد تكون عند شخص مجاملة، بينما يعتبرها الطرف الآخر دعوةً الى علاقةٍ خاصة. هنا تكمن خطورة المنطقة الرمادية نتيجة الاختلاف في فهم طبيعة هذه العلاقة، هل هي علاقة مهنية؟ زمالة؟ صداقة؟ علاقة شخصية؟ اهتمام عاطفي؟
في المنطقة الرمادية: لا يكون معنى العلاقة أو حدودها واضحاً تماماً، فقد يعطي أحد الطرفين معنًى معيناً للسلوك، بينما يعطي الطرف الآخر معنًى مختلفاً. فالفعل واحدٌ، لكن المعنى مختلف.
لماذا أصبح الخلل في العلاقات العاطفية أخطر في عصرنا؟
لأننا نعيش في مجتمعٍ كثيف التفاعل: مثل أماكن العمل، والجامعات، والمقاهي، والمولات. بل إن وسائل التواصل، والألعاب الإلكترونية، والمنصات الرقمية تضيف الكثير من الغموض نتيجة غياب الإشارات التي كانت تساعد الإنسان على فهم السياق مثل نبرة الصوت والنظر ولغة الجسد ووجود الآخرين، بينما تسمح وسائل التواصل أن تبدأ العلاقة في أي وقت، ومن أي مكان، وأن تستمر على مدار الساعة. فهي تبدأ كرسالةٍ قصيرة ثم إعجاب ثم متابعة ثم صورة ثم تعليق، ثم تبدأ العلاقة.

بيئة المال والأعمال:
في الفكر الغربي الحديث ظهرت اتجاهاتُ برجماتية أعطت أهميةً كبيرةً للنتيجة وما ينجح عمليًا. وحين يتحول التفكير إلى اختزال النجاح في تحقيق النتيجة، دون فحصٍ كافٍ للوسيلة والقيم، تظهر مشكلةٌ أخلاقيةٌ حقيقية. فالانحراف قد لا يبدأ دائماً بجريمةٍ واضحة، بل باستثناءٍ.
مثال:
لو وضعت الإدارة مؤشر أداء لمدير المبيعات وهو زيادة المبيعات بنسبة 30% عن العام السابق. فالمؤشر بحد ذاته مفيد، لكن إذا أصبح هم الإدارة الوحيد هو تحقيق 30%؟، وتم غض النظر عن كيفية تحقيقها، فحينها قد يلجأ المدير لتحقيق هدفه الى إخفاء بعض المعلومات، او الضغط على العميل، او تقديم وعودٍ غير دقيقة، او التلاعب بالأرقام، او تأجيل تسجيل الخسائر أو المرتجعات، او استخدام علاقاتٍ شخصيةٍ غير مشروعة. في نهاية العام تم تحقيق مؤشر الأداء (KPI) ، لكن هل نجحت الإدارة فعلًا؟ أم نجح الرقم فقط؟
الاختلال بين الأهداف ووسائل تحقيقها
يقدم روبرت ك. ميرتون أداةً مهمةً لفهم الانحراف حيث يرى أن المجتمع قد يضع أهدافاً عاليةً أمام أفراده مثل تحقيق النجاح والثروة والمكانة. لكن قد لا يوفر المجتمع الوسائل والفرص المشروعة لأفراده لتحقيق هذه الأهداف، فقد لا تكون متاحةً للجميع بالقدر نفسه. لكن نتيجة توقعات المجتمع المرتفعة، ينشأ ضغطٌ نفسي على الفرد لتحقيق هذه الأهداف، وخوفًا من الفشل أمام الآخرين، قد يبحث الفرد عن وسائل غير مشروعة لتحقيق الأهداف، ويبرر ذلك باستثناءٍ هنا او هناك.
مثال:
الضغط الاجتماعي: يهدف الى مساعدة الأقارب في الوصول الى مناصب عليا في المؤسسة،
الوسيلة المشروعة: العمل الجاد والمخلص والكفاءة العالية وتكافؤ الفرص،
الوسيلة الغير مشروعة: المحاباة ودعم الأقارب الغير أكفاء على حساب بقية الموظفين،
النتيجة: الفساد الإداري في المؤسسة.
كيف يمكن إدارة المنطقة الرمادية؟
نظرًا لخطورة المنطقة الرمادية التي قد تقود الى الانحراف ثم الفساد، يحتاج المجتمع الى التأكد من أخلاقية الأفعال وإزالة الغموض بين الأطراف.
السؤال: ما هو النظام الأخلاقي الذي يمكن الرجوع اليه اجتماعيًا؟
يحتاج المجتمع الى نظريةٍ أخلاقيةٍ لتمييز الحق من الباطل، أي الخير من الشر والحسن من القبح. ولتحقيق هذا الهدف، نحتاج الى دراسة نظرية جيرمي بنتام وجون ستيوارت ميل النفعية، وكذلك نظرية ايمانويل كانط في الواجب الأخلاقي. الجدير ذكره أن السائد حاليًا في العالم الرأسمالي هو النظرية النفعية (حساب الربح والخسارة حيث يتم التركيز على المنفعة المادية التي يمكن قياسها ماديًا وصناعة القرار بناءً عليها).
• النظرية النفعية (المعيار هو حسن النتيجة) – (جيرمي بنتام وجون ستيوارت ميل):
ترى هذه النظرية أن معيار العمل الحسن هو تعظيم المنفعة المادية والمعنوية للفرد والمجتمع، فالفعل الصالح هو ما يحقق أكبر منفعة لأكثر عدد من الأفراد ويدفع الضرر عنهم، فالمعيار هو النتيجة وليس النية. وحيث أن المنافع المعنوية يصعب حسابها كميًا، فقد غلب على تطبيق النظرية النفعية حساب الربح والخسارة المادية.
وحيث أن العلاقة تكون بين طرفين، فقد وردت ملاحظات على هذه النظرية، منها ما يلي:
• ما ينفع الطرف الأول قد لا ينفع الطرف الثاني، بل ربما يكون ضارًا له؟
• قد يرى الطرف الأول المنفعة المادية الفردية، بينما يرى الطرف الآخر المنفعة المعنوية الجمعية؟
• ماذا عن الوسيلة لتحقيق الهدف، هل هي شرعية؟
• نظرية الواجب الأخلاقي (حسن النية – مشروعية الوسيلة) – (ايمانويل كانط):
يشترط كانط ليكون الفعل أخلاقيًا، أن يطمئن الفرد الى ما يلي:
أفعل الشي لأني أراه واجبًا أخلاقيًا وليس لمصلحةٍ او خوف (حسن النية)،
أحترم الآخر لأنه انسانٌ وليس لأنه وسيلةٌ لتحقيق هدف،
افعل هذا لأني أقبل أن يكون ما أفعله قانونًا عامًا يتصرف به الجميع عالميًا (مشروعية الوسيلة)،
فالعنصر الأساسي الذي يجب أن يدفع الى عملٍ ما، لدى كانط، هو القيام بالواجب الأخلاقي، أي بالإرادة الأخلاقية والنية الدافعة له بغض النظر عن النتيجة المتوقعة.
لكن حيث أن العلاقة تكون بين طرفين على الأقل، ترد السلبيات التالية:
• إذا كانت نية الطرف الأوّل حسنةً، كيف نضمن نية الطرف الآخر؟
• إذا كان الفهم لدى الطرفين مختلفًا لمعنى الفعل، فغالبًا ما يؤدي هذا إلى نتائج أو تفسيراتٍ مختلفة،
• ميزان كانط للحق والباطل أي الحسن والقبح يبدو نظريًا ومن الصعب تطبيقه بالتفصيل عمليًا، لذلك لم تجد هذه النظرية رغم نبلها وسموها الإنساني العالمي رواجًا في حياة الإنسان الغربي اليومية.
النظرية الأخلاقية لدى الدين:
يدعو الدين الى الإيمان بالله كإطار قيمي عقائدي، ويدعو الى التقوى والتزام الشريعة كسلوك عملي، بينما تضمن المؤسسات الاجتماعية تحويل التقوى الى ممارسات عملية ترسمها أحكام الشريعة، بحيث:
• تضمن النتيجة الحسنة حيث توازن بين المنافع المادية والمعنوية وبين الفردية والمجتمعية.
• تضمن النية الصالحة والوسيلة المشروعة،
لتوضيح ذلك بطريقة أخرى، يشترط الدين في الفعل الأخلاقي ما يلي:
• حسن الفاعل: أي حسن نيته التي دفعته للقيام بالفعل، وحسن وسيلته أي مشروعيتها، لذلك هدم رسول الله صلى الله عليه وآله مسجد ضرار لأنه عمل غير صالح،
• حسن الفعل: جمال النتيجة (المنفعة المادية والمعنوية) التي حققها الفعل، فإنقاذ حياة انسان من الغرق لأن السباح ماهر يستحق التقدير والثناء أفضل من سباحٍ غير ماهر نيته ووسيلته سليمة لكنه لم ينقذ الغريق.
حسن الفاعل يعني: حسن النية الذي يضمن الاتجاه الأخلاقي للفعل، وحسن الوسيلة الذي يضمن مشروعية الممارسة، بينما حسن الفعل يضمن حسن النتيجة اي المنفعة المادية والمعنوية – الفردية والمجتمعية،
هكذا تصبح المنطقة الرمادية أكثر تحديدًا: إنها المساحة التي يغيب عنها حسن الفاعل او حسن الفعل او كلاهما. فحسن النية لا يكفي لحسن الفعل، كما أن حسن النتيجة لا يكفي لحسن الفاعل، وإنما كمال الحسن باجتماعهما.
اذن المنطقة الرمادية في العلاقات الاجتماعية هي المساحة التي لا يكون فيها انحراف النية أو الوسيلة واضحًا بما يكفي لإدخاله في دائرة الرفض الصريح، ولا سلامته واضحة بما يكفي لإدخاله في دائرة القبول الصريح. لذا فإنّ درجة المنطقة الرمادية في الفعل الاجتماعي تتحدد بمقدار التباعد بين نية الفاعل، ومشروعية وسيلته، والأثر المترتب على فعله، عن المعايير والقيم التي يتبناها المذهب الأخلاقي في الدين.

برنامج الدين العملي لإدارة المنطقة الرمادية:
في العلاقات العاطفية:
الدين لا ينتظر حتى يقع الإنسان في الخطأ، بل يضع قواعد وقيمًا وقائية. لقد شرّع الدين غض البصر، وضبط الكلام، والحجاب، والاستئذان، وعدم الخلوة، والنهي عن التجسس وسوء الظن، والنهي عن إشاعة الفاحشة، فقد جاءت الآية الكريمة (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا) لتعزيز الجانب الوقائي، فالآية لا تنتظر الفعل النهائي، بل تهتم حتى بطريقة الكلام التي قد تولد معنًى وتوقعًا غير مقصود عند الطرف الآخر.
في بيئة المال والأعمال:
الدين يحمي العلاقات الاقتصادية والإدارية، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، وقال: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾، وهذه ليست مجرد أحكامٍ فردية بل تؤسّس لعلاقاتٍ قائمةٍ على الأمانة، والعدل، والشفافية، وحفظ الحقوق.
مسؤوليتنا في إدارة المنطقة الرمادية
لا يمكننا أن نلغي المنطقة الرمادية، ولا يمكننا أن نمنع كل تفاعل بين الناس، ولا ينبغي أن يتحوّل المجتمع إلى مجتمعٍ من الشك والخوف. لكنّ إدارة المنطقة الرمادية تقع على:
• ذات الفرد
• الآخرين.
ذات الفرد والمنطقة الرمادية:
عالم الاجتماع جورج هربرت ميد يرى بعدين لذات الفرد (ذات فاعلة وذات منفعلة). فهو يرى أن الإنسان لا يكتشف ذاته بمعزل عن الآخرين، بل يطور ذاته من خلال التفاعل الاجتماعي معهم. فالذات في حالة تغيرٍ مستمرٍ نتيجة الحوار المتواصل بين الذات الفاعلة والمنفعلة في شخصيته.
الـذات المنفعلة (Me)
هي الجانب الجمعي في ذات الفرد الذي يهتم بنظرة المجتمع له، فالفرد لابد أن يتمسك بالضمير الجمعي (قيم وأعراف وتوقعات المجتمع)، حتى يعترف به المجتمع ويعطيه مكانته المناسبة. فهو يسأل ذاته دائمًا:
هل هذا الفعل مناسب او غير مناسب؟ كيف أتصرف في هذا الموقف؟
الطفل مثلًا ينظر إلى نفسه من خلال الآخرين فيسأل ذاته:
ماذا يريد والدي؟ ماذا يتوقع المعلم؟ كيف يراني أصدقائي؟ ما الذي يقبله المجتمع؟

الذات الفاعلة (I)
هي الجانب الفردي الفاعل والمبدع في ذات الفرد؛ القادر على الاختيار والاستجابة بطريقة جديدة والتفكير خارج المألوف. فجانب الـ (Me) يحفظ المجتمع من الفوضى، وجانب الـ (I) يحفظ المجتمع من الجمود. فالإنسان ليس مجرد نسخة من المجتمع، ولكنه أيضاً ليس كائناً منفصلاً عنه. فالجانب الفردي يدفع الفرد للإبداع، ولكنه مع الأسف قد يدفع الفرد أيضا تحت ظل الغريزة والأنانية لتكوين علاقة منحرفة وهذا هو أحد أسباب الوقوع في المنطقة الرمادية.
لذلك نرى أنه من الواجب أن نضيف الى البعدين الذين ناقشهما روبرت ميد الإطار العام الذي يحكم هذين البعدين في شخصية الإنسان وهو إطار الايمان بالله. فليس المهم رضا المجتمع إن كان المجتمع منحرفًا، فالحاكم هو هذا الإطار الايماني العام. فإذا كان المجتمع منحرفا لا سمح الله، فعلى الذات من خلال الأنا الفاعلة أن تراقب في فعلها رضا الله تعالى، أي لابد أن يستبطن الفرد داخل ذاته ما يريده الله منه (النية الحسنة، مشروعية الوسيلة، والنتيجة التي تنفع الذات والآخرين).
الآخرون والمنطقة الرمادية:
من الضروري أن يدير الآخرون من أفراد المجتمع علاقاتهم في المنطقة الرمادية عبر مراعاة المؤشرات التالية:
• التقوى: المذهب الأخلاقي الذي يؤكد سلامة النية ومشروعية الوسيلة ومطابقة الشريعة،
• الوعي: أن يدرك الإنسان أن سلوكه قد يحمل معنًى مختلفًا عند الآخرين. لذا يجب ان يناقش أفراد الأسرة والمجتمع أمثلةً من حياتهم اليومية ليتم تحديد المقبول والمرفوض،
• الوضوح: على الفرد أن يوضح للآخرين هدفه من الفعل ليزيل الغموض،
• الحذر: يجب توخي الحذر في مواطن الشك والريبة خاصةً عبر وسائل التواصل،
• القانون: أن يعرف الجميع ويطبق قواعد تمنع تضارب المصالح وتردع المخالفات.
الخاتمة
• التفاعل الاجتماعي يصنع المعنى، وتكرار المعنى يصنع العلاقة، وتراكم العلاقات يصنع المجتمع. لذلك فإن حماية المجتمع تبدأ من حماية العلاقات التي يتكون منها.
• ليست المشكلة أن توجد منطقة رمادية في العلاقات الاجتماعية؛ فهذا جزء من طبيعة الحياة الاجتماعية، لكن المشكلة أن يعيش فيها الفرد بلا وعي ولا حدودٍ ولا قيم.
• الإيمان بالله إطارٌ يوفر مرجعيةً ضروريةً تفعّل روابط الهوية الجماعية والضمير الجمعي والمعرفة الضمنية، وهو أساس المذهب الأخلاقي الذي يتحقق من خلال مراعاة التقوى العملية ويضمن حسن الفعل وحسن الفاعل.
• يجب إدارة المنطقة الرمادية داخل ذواتنا الفاعلة والمنفعلة في مسيرها المتواصل لتحقيق رضا الله تعالى،
• يجب إدارة المنطقة الرمادية بين أفراد المجتمع من خلال مراعاة التقوى، والوعي، والوضوح، والحذر وتطبيق القانون.
الخلفية النظرية لهذه الدراسة
علم الاجتماع:
يمثل الفرد بجسمه وعقله وروحه وحدةً مترابطةً تملكها النفس التي تدبّر الجسم وتتحكم فيه. هذا الفرد خلقه الله متميزًا عن غيره في بصمته، وولادته، ونسبه وظروفه الخاصة به، فهو يختلف عن الآخرين في أمورٍ كثيرة. لكنه حين يولد، يجد نفسه، دون خيارٍ، يتحدث بلغة المجتمع الذي ولد فيه، ويلتزم بقيمه ويشعر بالانتماء الى ثقافته. ثم يعيش هذا الفرد في هذا المجتمع مع آلاف البشر الذين يختلفون معه في الذوق والفكر والرغبة، ومع ذلك ينسق المجتمع بطريقة عجيبة حركة أفراده ويحقق طموحهم ويلبي رغباتهم المختلفة، فكيف تتم هذه العملية؟ وكيف تنشأ أنماطٌ مستقرةٌ من العلاقات والظواهر والمؤسسات الاجتماعية مثل الزواج والعمل والتعليم والاقتصاد؟ هذا ما يدرسه علم الاجتماع.
هناك ثلاثة روابط مهمة تنسق أمور المجتمع، وهي:
• الهوية الجماعية تجيب عن سؤال: من نحن؟ أي الشعور بالانتماء إلى جماعةٍ تشترك في اللغة والدين والقيم والذاكرة والتقاليد والمصالح.
• الضمير الجمعي يجيب عن سؤال: ما الذي ينبغي أن نفعله؟ وما الذي لا ينبغي أن نفعله؟ هو مجموع القيم والمعايير الدينية والأخلاقية التي تستقر في وعي الجماعة وتصبح مرجعاً لسلوك أفرادها مثل الأمانة، الشرف، الصدق، العدل وغيرهم.
• المعرفة الضمنية: تلك الممارسات الغير مكتوبة التي يفهما أفراد المجتمع من صغرهم والتي اكتسبوها تدريجيا من آبائهم وأمهاتهم ومجتمعهم وكأنها خريطةٌ اجتماعيةٌ غير مكتوبة. فهو يعرف متى ينتهي الحديث؟ ومتى يصبح المزاح ثقيلاً؟ ومتى تتحول المساعدة إلى تدخل؟ ومتى يصبح التواصل الشخصي غير مناسب؟
في المعرفة الاجتماعية الضمنية لا يجلس الولد مع ابيه ليسمع محاضرة عن كيفية التعامل، لكنه يراقب تصرفاته ويحاكيها حتى تتكون لديه خريطة ضمنية توضح له كيف يسلم على الآخرين، وكيف يخاطب الكبير، وما هو الاحترام وماهي الإهانة، وكيف يتصرف في العزاء والزواج. هذه المعرفة الضمنية الجمعية تشبه في فائدتها المعرفة الضمنية لدى الأفراد التي تنظم حياتهم الشخصية (مثال: الشخص الذي يقود السيارة، يقدر المسافة بينه وبين السيارة الأخرى ويعرف متى يخفف السرعة ويختار لحظة التجاوز، لكن لو سألته كيف عرفت ذلك بالضبط، غالبا لا يستطيع أن يعطيك قاعدة دقيقة).
الهوية الجماعية تحدد «من نحن»، والضمير الجمعي يحدد ما الذي نراه صحيحًا، والمعرفة الضمنية تنقل هذه المعايير إلى الممارسات اليومية.
لكن اختلاف الأفراد في الأفكار والرغبات والمصالح قد يؤدي الى اختلال الانسجام الداخلي بين أفراد المجتمع، فتضعف الهوية الجماعية نتيجة التعرض لزخات وسائل التواصل والعوامل الخارجية التي قد تنفخ في الاختلافات وتحولها الى خلافات شديدة التأثير على كيان المجتمع، خاصةً أنه يلاحظ على هذه الروابط الثلاثة ما يلي:
• غياب الدافع الفردي للحفاظ على الهوية الجماعية،
• غياب التوازن بين الفرد والمجتمع، فهذه الروابط الثلاثة تغلب المجتمع على الفرد،
• ليس فيها ميزان عملي حقيقي للحق والباطل يدفع الى تكامل الفرد وتكامل المجتمع، إذ ليس من الضروري سلامة الضمير الجمعي او المعرفة الضمنية دائمًا.
لذلك فإن المجتمع يحتاج الى إطار عام يجمع هذه الروابط الثلاثة، ويحقق ما يلي:
• يضمن تكامل الفرد والمجتمع روحيًا وفكريًا ومعنويًا،
• يوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع،
• يوفر مرجعيةً روحيةً وفكريةً وسلوكيةً تجمع الروابط الثلاثة.
هذا الإطار هو الايمان بالخالق، الذي يترجم نفسه عمليًا عبر التقوى السلوكية ويفعّل روابط الهوية الجماعية والضمير الجمعي والمعرفة الضمنية في بنى ومؤسساتٍ تنسق آلية المجتمع وتحفظ حقوق أفراده. اما كيف يكون ذلك، فسيتم مناقشته عبر هذه الدراسة.

الفرق بين التفاعل والعلاقة:
وجود البشر يحتّم التفاعل بينهم سواءً في المدرسة او في العمل او في المجتمع وذلك نتيجة العيش المشترك وحاجة كل فردٍ الى الآخرين. لذا يحدث التفاعل بين شخصين او بين مجموعتين او بين عددٍ قليلٍ او كثيرٍ من الأفراد عن طريق الإشارة، الرمز، اللغة او الايماء في المصنع او المنزل او أي مكان آخر. هذا التفاعل ربما يكون سؤالًا، او جوابًا، او ابتسامةً، او مساعدةً، او حديثًا، او رسالةً. وحين يتكرر هذا التفاعل ويصبح نمطًا مستقرًا يشمل أدوارًا وتوقعاتٍ فإنه يتحول الى علاقة. مثلا، إذا سألت شخصاً عن الوقت، فهذا تفاعل. أما إذا أصبحت تلتقي به باستمرار، وتتبادلان الحديث، وتساعدان بعضكما، وتصبح هناك توقعاتٌ متبادلة والتزاماتٌ تجاه الطرف الآخر، فقد أصبحت هناك علاقة. لذلك نستطيع أن نقول أنّ التفاعل يأخذ لحظةً من الزمن، أما العلاقة فهي النمط الذي يتكون من تكرار التفاعلات وتراكم المعاني والتوقعات ويتكرر عبر أوقاتٍ مختلفة، وهي غالبًا علاقةٌ اجتماعيةٌ مستقرة مثل علاقة الأبوة والبنوة والسيادة وغيرهم. هذه العلاقة قد تكون إيجابيةً كالصداقة او سلبيةً كالخضوع.
العلاقات الاجتماعية هي التعبير العملي عن هويةٍ جماعيةٍ وضميرٍ جمعي تشكّلا تاريخياً من خلال الممارسة الاجتماعية المتكررة.
وهذه العلاقات الاجتماعية لا تتطلب تطابق الناس في كل آرائهم، وإنما تتطلب اشتراكهم في حدٍ واضحٍ من الهوية والقيم والمعايير التي تشكل الضمير الجمعي. فالعلاقات باختصارٍ هي الروابط والتفاعلات المتبادلة التي تربط الأطراف مع بعضهم وتحقق أهدافهم وطموحاتهم الذاتية والمجتمعية وتتميز بقدرٍ من الوضوح في الحقوق والواجبات والتوقعات والمعايير.
بعض أنواع العلاقات الاجتماعية:
• علاقات اجتماعية وقتية مثل التحية العابرة على شخص آخر في الطريق،
• علاقات طويلة الأجل مثل العلاقات بين الزوج و الزوجة، او علاقات اقتصادية او غيرها،
• علاقات محدودة تكون بين شخصين في نطاقٍ محدودٍ.
كيف نعرف المقبول اجتماعيًا؟
أيّ مجتمعٍ يملك معرفةً ضمنيةً غير مكتوبة وكذلك يملك مجموعةً من القيم والمعايير التي تمثل الضمير الجمعي الذي يحدّد ما هو مقبولٌ قيميًا ودينيًا وما هو مرفوض. وأيّ فردٍ في هذه الجماعة يخضع في تفسير الأحداث طبيعيًا الى قالب التصورات والمعاني التي يعتقد بها المجتمع حتى يضمن تقبل الآخرين له وتحقيق المكانة والاعتبار، لأنه أمتثل لقواعد لجماعة وتوقعاتها.
أما اكتشاف المقبول اجتماعيا او ما نسميه الحقيقة الاجتماعية فيتم عبر دراسة أساليب قيام الناس بنشاطاتهم اليومية وتحليل أفعالهم الاجتماعية التي تحدث بشكلٍ دوري ومستمر لاكتشاف المعنى الكامن خلفها، أي الحقيقة الاجتماعية المقبولة لديهم. وحيث أن الحالة الاجتماعية في حالة تغيرٍ دائم وموافقة أعضاء المجتمع عمليةٌ متغيرةُ وغير ثابتة، فإن المقبول اجتماعيًا قد يتشكل ويتغير عبر عمليةٍ مستمرةٍ من التفسير، هذا هو ما يسمى مفهوم الاثنوميثودولوجيا. والحمد لله رب العالمين.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية