عندما كنت طفلا صغيرا ، كنت اشاهد والدتي (اسبل الله عليها ثياب الصحة والعافية) وهي تعد الطعام وتطبخه لنا. ولم اعر اي اهتمام لكسب معارف وعلوم ومبادئ فنون الطبخ ، لاني حينذاك كنت مستهلك نهائي للوجبات.

اول تجربة عملية لي بالمطبخ
كبرت وكنت كثير الحضور لمجالس والدي حيث اجتماع عدد جيد من الرجال. واطرق مسامعي عدة مرات جملة تتضمن ازدراء ولوج الرجل النبيل للمطابخ. وكانت تلكم الجملة يرددها الاغلب من اوساطنا الاجتماعية. وبالفعل دخلت الجامعة وتخرجت منها والتحقت بالعمل بعدة شركات ومنها العمل بمناطق نائية الا انني لم افقه الا إعداد شراب الشاهي وسلق البيض واعداد ساندويتش جبن بالمربى! تجاوز عمري الستين عاما وبفضل الفضول المعرفي المتجذر بداخلي ، اخذت ابحث عن اصل الجملة التي سمعتها اكثر من مرة في صغري عن وجوب اعراض الرجال عن المطبخ. فوجدت ان تلكم الجملة هي جملة شهيرة منسوبة للفيلسوف الصيني الشهير كونفوشيوس 1500 قبل الميلاد (Confucius) ونص الجملة: “الرجل الشريف المستقيم يبتعد عن المسلخ والمطبخ، ولا يسمح بوجود السكاكين على مائدته”.
امتثالا لتلكم الجملة حرمت نفسي خوض تجارب المطبخ والطبخ واعداد الطعام بنفسي. الى ان فرضت الظروف نفسها لمتابعة احد الابناء في رحلته بالتحصيل العلمي باحد الدول الغربية ، فاتخذت سكن بنظام استوديو لشخص واحد شاملا المطبخ والصالة المدمجة بغرفة النوم ودورة مياه مستقلة. ومع تضخم الاسعار وحروب التعريفات الجمركية التي دارت وتدور بين الدول الغربية فيما بينها (امريكا – كندا/ امريكا- أوروبا- ….الخ) حيث كنت اقطن يومذاك ، اضطررت لاعداد الطعام بيدي. وكانت تلك هي بداية تجربتي الاولى الحقيقية بالمطبخ.
تجاربي ما قبل الطبخ
كنت كثير السفر والترحال وبلغت الذروة عندما كنت في عمر ٣٤ سنة تقريبا. واتيحت لي الفرصة لدخول مطاعم عدة حول العالم بعنوان غداء/عشاء عمل ايام تمثيلي لشركات أو خلال تنقلي وسفري مع الاسرة أو خلال بحثي عن علاج صحي لوعكات اصبت بها. هنا سأشارك القراء ببعض الامور للإثراء المعرفي:
مطاعم الاقليات في دول المهجر
الأغلب من مواطني اي دولة شرق اوسطية ، لم ولن يشعروا بوجود مطاعم وبقالات الاقليات الاجنبية في بلادهم الا اذا سلط الإعلام عليها أو اوردت وكالات الانباء المحلية / العالمية خبر مميز أو خبر سيء عنها!! ولكن نفس مواطني تلكم الدول الشرق اوسطية ، يصرفون جهود جبارة لتعيين وتحديد مطاعم تقدم وجبات بلادهم او ما اعتادوا على اكله من وجبات غذائية اذا هم سافروا للسياحة أو طلبا للرزق أو تم إبتعاثهم للدراسة أو انتدابهم للعمل أو اذا اتخذوا قرار بالاستقرار بدول أجنبية.

انشطة الجاليات في دول المستعمر القديم
بغض النظر عن سبب وجودك في اي دولة ، فعند زيارتك للكثير من المدن الفرنسية والبريطانية والافرنجية ، قد تشتاق لأكل اكلات مشابهة لما اعتدت عليه في بلادك . وان لم تجد اكلات على سبيل المثال خليجية، فانك تبدأ بالبحث للاقرب الى معدتك فالاقرب كطعام المطبخ المغربي ثم الجزائري ثم اللبناني ثم التركي . وهي المطابخ الاقرب استأناسا الى معدة الاغلب من مواطني دول الخليج بالخارج . وبالفعل عندما تبحث في محركات البحث في العالم الرقمي مثل جوجل وجوجل ماب أو تطبيق تيك توك عن الأطعمة المألوفة لك ، فقد تتفاجئ بعدد المطاعم اللبنانية والجزائرية والمغربية والتركية وحتى اليمنية الكثيرة والمتناثرة في عدة مدن كبرى فرنسية / بريطانية / اسبانية / هولندية / بلجيكية/ سويسرية (باريس ، جنيف، برشلونة، امستردام ، لاهاي، مرسيليا، مونتبليه، مدريد، النورماندي، ليدن، خنت … الخ).
وهذا الامر قد بحفز البعض من رواد الاعمال الجريئين للبحث عن الجدوى الاقتصادية لهكذا مشاريع تجارية متوسطة التكاليف في مواطن دول الاغتراب العربي. فيبحث عن تعداد السكان من الجاليات العربية بالمدن المستهدفة بالمهجر الغربي. وهنا يكتشف البعض حقيقة جديدة بالنسبة له ، وهي أن معظم الدول المستعمرة سابقا من الدولة الفرنسية (مثلا) اضحت اليوم وبعدد ليس بالقليل من ابناءها مواطنون أو مهاجرون أو طلاب جامعات أو طلاب رزق فيها!!
الازمات الافتصادية الخانقة في البلاد الأم لاولئك المهاجرين او اللاجئين حتى بعد تحرر بلادنهم من الاستعمار، مازالت تكافح ويكافح جل سكانها الفقر والجوع والغلاء والبطالة وسوء الادارة وانعدام تكافوء الفرص واختفاء الخدمات المرموقة وشح السلع. فجعلت البعض من اولئك يؤمون وجههم شطر من كان يوما ما خصمهم اللدود والعنوان الاول لكل ماحل بمجتمعهم من متاعب!! يا سبحان الله.
والامر لا يقف في فرنسا، بل حتى المقاطعات الفرنسية داخل الدول الانجلوسكسونية في دول اخرى. وقد يُذهل السائح أو الزائر بعدد المطاعم والمخابز والمتاجر الغذائية المتناثرة للمغاربة والجزائريين واللبنانيين وحديثا السوريين.
كيف تفسر وجود مطاعم الاتراك والعراقيين في دول معينة
بعض الرعايا لبعض الدول ، لا يمكن ان يخطر ببالك تواجدهم هناك. الا ان ظروف استثنائية متداخلة ومتنوعه حدثت في فترة ما وانتجت وجود خليط فسيفسائي غريب وعجيب ومن ذلك وجود نادل مطعم تونسي بمقهى شاطئ كوباكبانا بمدينة ريو دي جانيرو البرازيلية أو مطعم صيدا بمدينة ايجاسوا الحدودية بين البرازيل والارجنتين أو مطعم فلافل لجزائري بمجمع تجاري بمدينة كيب تاون الجنوب افريقية أو فرنشايز سلسلة مطاعم أمير/ باشا/ بستان اللبنانية بكندا او سلسلة مطاعم طماطة (Tomato) بمدينة جوهانسبرج بدولة جنوب افريقيا أو سلسلة مطاعم القرية اليمنية ببرلين الالمانية أو سلسلة مطاعم حضرموت بمدينة جوانزو الصينية أو … أو ….. الخ. وهذا الامر يحتاج لدراسات معمقة من قبل طلاب العلوم الاجتماعية (social science) وطلاب العلوم الاقتصادية النانوية (Nano economic).
المطبخ الفرنسي والمطابخ الشرق أوسطية
شخصيا لم اتخيل يوما ان اطبخ او اتعلم بعض فنون الطبخ في حياتي لوجود من يقوم بالطبخ لي طوال مراحل حياتي ، أمي اولا وحاليا زوجتي العزيزة. وارسال رسالة شكر و عرفان لهن من صميم قلبي وادعو لهن بالصحة والعافية والبركة وحج بيت الله الحرام. الا ان الظروف بعد مشيئة الله اوجدتني لفترة معتد بها بعيدا عن اهل بيتي ، فتعلمت الطبخ وانا في غربة. حاولت ان اقتبس افكار من المطبخ الانجليزي الا انه بالنسبة لي مطبخ فاشل لانه لا يجيد استخدام البهارات باستثناء الملح والفلقل الاسود. وحاولت ان اتعلم من المطبخ الايطالي ووجدت ان جل صنوف اطباقه نشويات ولا تناسب مرضى السكر كما هو حالي. ووجدت ان صلب افكار الاطباق الايطالية تدور حول الطحين ومعجون الطماطم (بيتزا / مكرونية / …الخ)!! وعليه صرفت نظر عن المطبخ الايطالي. ووجدت ان جل اصناف الطعام الامريكي معتمدة على الهامبرجر واللحوم البقرية والسجق ؛ فاقتبست بعض اطباقه.
نظرت للمطبخ الفرنسي لاقتبس منه اعداد بعض الاطباق لنفسي ولكون معظم تجهيزات اعداد اي طبق اكل فرنسي متوفر في السويرماركت القريب من سكني ، فاني اخذت القي نظرة على مقاطع من منصة يوتيوب. الا انه لم يروق لي ذلك في كل جوانبه لكون ان بعض اطباق الاكل الفرنسية تدخل في مكوناتها اشياء محرمة كالنبيذ ولحم الخنزير. واقتبست بعض الافكار لاعداد اطباق السلمون والسلطات والساندويتشات المميزة. وتجولت في الفضاء الرقمي للاطلاع على المطبخ الصيني والمطبخ الهندي والفلبيني والاندونيسي ، الا انني مبكرا ادركت اني لا اميل للطعام والمطبخ الصيني. وادركت ان متوسط مستوى الثقافة الصحية والنظافة بالمطبخ الهندي غير مشجعة فضلا عن المبالغة في كمية البهارات المستخدمة عند اعداد الكاري واخوانه من الاطباق.

المطابخ الشرق أوسطية
حقيقة انتشار وتناثر رواد الاعمال للاعمال البسيطة والمتوسطة من المسلمين في دول القارة الاوربية والقارة الامريكية الشمالية، اوجد بدائل غذائية وسلسلة امدادات غذائية تناسب ذائقة الانسان العربي والمسلم ونجحت في ارضاء معدته. بالمجمل مطاعم ومطابخ مواطني الشرق الاوسط بالغرب الروماني والشرق الاسيوي تمتاز بتنوع اصنافها وجميل مذاقها واعتدال استخدام البهارات بها.
ولعلي شخصيا عندما اسافر ، ادرج المطبخ اللبناني والتركي والعراقي بالقمة ثم يلية المطبخ الفلسطيني والمغربي واليمني والسوري والجزائري.
دورات اقتصادية متذبذبة واخطاء ادارية تؤدي الى اغلاق المطاعم
في اخر زيارة من جهتي وبعد رفع الحظر الصحي لوباء كوفيد وانطلاق الناس للحياة من جديد زرت عدة دول ورأيت اقلاب بالصورة. هناك دول انتعشت فيها موجة انطلاق المطاعم الجديدة وهناك دول انكمشت بها المطاعم حد افلاس بعضها وخروجه من السوق نهائيا!!. و اتذكر اني كتبت مقالة بالانجليزي واحتفظت بها لحين ترى نور النشر ومطلعها:
(Small Businesses and Their Viability)
Written by: Ameer AlSaleh
The failure of 7,000 restaurants across Canada on 2025 was widely reported on most Canadian economic news on early January 2026. Additionally, the same academic source predicts that 4,000 restaurants will be bankrupted or closed by end of 2026. The subject academic study was published by Dalhousie University (1) (2). Some economic experts discussed the restaurants disappearance rate and rang a bell. Several economical analysts discussed this issue in some national newspapers, television programs, and social media platforms like X-platform (twitter ); and the subsequent impacts on investment, small business sustainability, work permit regulations, government subsization, work force retention , job security, business incubators, and employment opportunities for new investment immigrants. On my view’s point, that report have raised a big question mark about traditional feasibilty studies effectiveness .
مطعمك المفضل في الغربة
بحمد الله هناك اطعمة ومطاعم تفتح النفس في دولتي الحبيبة ولدي قائمة عديدة بالمطاعم المميزة والنظيفة والثقة بمصادر اللحوم حيث طعامها الطيب المذاق وموظفيها اصحاب ذوق ورقي واخلاق والخدمة مميزة. ولكوني احب الهدوء والنظافة والطعام الزكي ، فاني بالعادة ، انتخب مطعم بعد اطلاق زيارات مفتوحة ومتعددة لعدة مطاعم ثم انتخب احداها واذهب اليه. والمطعم الذي ارتاح له أقوم بإطلاق حملة علاقات عامة مع مالك/ مدير / نوادل المطعم لكي اضمن اعلى نسبة من الراحة عند زياراتي للمطعم. بلغ ان الراحة التي استنطقها ببعض المطاعم حفزتني الجلوس وكتابة بعض من المقالات دون اي تشويش . ومن امثلة تلكم المقالات على سبيل المثال لا الحصر:
مقال ١: “ما شي”
مقال ٢: “جلدك وظفرك ….. فمك ويديك”
مقال ٣: لو تُعرفوا
قريبا سيتم نشر المقالات الثلاثة أعلاه تحت عنوان: تجربتي بالمطبخ (ج2)

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية