المصدر: رقم 9

ثاج التاريخية وأميرتها الصغيرة – صادق علي القطري

يعتقد العلماء أن ثاج المدينة الاثرية التي تبعد ما بين 80 الى 95 كلم غرب الجبيل هي أحد المراكز الحضارية المهمة في الجزيرة العربية، وتقع المدينة داخل سور بطول 2535 متراً وعرض المتبقي من هذا السور يصل إلى مترين و30 سم. ويقع داخل هذا السور ما يُسمى بـ«التلال السكنية» يفصل بينها ممرّات يتراوح عرضها بين الخمسة والستة أمتار. وقد كشفت الحفريات التي أجريت في هدا الموقع الأثري عن أقدم فرن للفخار في المنطقة الشرقية (شرق الجزيرة العربية)، كما كشف عن طفلة صغيرة (اميرة ثاج) بكامل مرافقاتها الجنائزية والتي تعود إلى القرن الأول ميلادي.

أميرة تاج فتاة صغيرة أُحيطت بالذهب

فبحسب خبراء الاّثار لم تكتشف كامل كنوز المدينة الأثرية حتى الآن إذ لم يجر سوى عمليتي حفر داخل السور في عامي 1985 و 1986. أما باقي أعمال الحفر والتنقيب فتجرى خارج السور، حيث اكتشفت مجموعة من المدافن في تل قريب من السور تعود إلى نفس الفترة الزمنية ذاتها التي يرجع لها تاريخ تأسيس المدينة.

كذلك عثر على كميات من الدمى الحيوانية والبشرية في الموقع، ووجد العديد منها قريباً من السطح. أيضاً عثر على بعض هذه الآثار محطماً. وهذه الظاهرة، كما يقول مدير عام المتحف الإقليمي بالدمام السابق، “تدل على أن هذه المدينة كانت حاضرة مهمة في عصر صدر الإسلام حيث استجابت وآمنت برسالة النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم بعدما كانت وثنية”.

كذلك يعتقد ان منازل أهل قرية ثاج الصخرية تقبع على كنوز تاريخية هامة حيث تتناثر على أرضها قطع الفخار في كل مكان، واعتاد الأهالي على وجود مثل هذه القطع في كل مكان وتمتد المواقع المحمية في ثاج لأكثر من 6 مواقع، حيث تمت حمايتها بسياج، بالإضافة لحماية الأهالي من القرية نفسها من ناحية أخرى أظهرت الدراسات الأثرية أن هذه المدينة قد ازدهرت خلال الألف الأول قبل الميلاد، وهي تعد أكبر موقع هلنستي معروف في المنطقة الشرقية حتى الآن ومن أهم المواقع الأثرية في شرق الجزيرة العربية حيث يعتقد انها قد تكون المدينة الغامضة التي يحاول العلماء العثور عليها والمعروفة في المصادر القديمة بـاسم “الجرهاء”.

كيف اكتشفت أميرة ثاج الصغيرة

قاد بناء منزل سيدة على أحد تلال ثاج لاكتشاف كنز أثري لا يقدر بثمن من الناحية التاريخية حيث فُتحت أحد المدافن القريبة من منزل هده السيدة، ليتم اكتشاف رفات طفلة صغيرة يعتقد أنها تعود لعائلة ملكية في حضارة ثاج، وقدر عمر هده الفتاة بين السادسة والعاشرة من عمرها حسب حجم هيكلها العظمي وقد وضعت على سرير بقوائم برونزية شكلت بأشكال آدمية ونثرت قطعا ذهبية حول رفات الطفلة وتضمن الاكتشاف قناعاً من الذهب، وثلاثة عقود ذهبية، وأساور، وخواتم، وأزواج أقراط، ومجموعة كبيرة من الرقائق الذهبية وشرائط ذهبية رقيقة، وأزراراً ذهبية، جميعها من الذهب الخالص.

كان جسد الاميرة الصغيرة مموه بالرماد التي امتزج مع رمال تل صمد لمئات السنين دون أن تمسسه يد بشر من قبل، وقد وضع دفانو “الأميرة” الرماد لئلا يُسرق من قبل المجهولين، كما توضح طريقة الدفن بحسب المعتقد الديني السائد في تلك الحقبة الزمنية الغابرة والتي لم يتحدث عنها مدونو التاريخ.

وعلى الرغم من اكتشاف قبر الأميرة الصغيرة (اميرة ثاج) الذي يقدر بنائه في الخمسين عاما قبل الميلاد، إلا أن الكثير من المقابر الأخرى اكتشفت في ذات المنطقة التاريخية أقدم وأكثر عمقا في التاريخ، فبعضها قدرت ب “1700 عاما قبل الميلاد”. بالرغم أن تلك المقابر لم تكن باذخة كما هو الحال مع قبر الأميرة، الا أن أهميتها تكمن في الفترة الزمنية التي تعود لها، ويرى مختصون أثريون بأن منطقة ثاج غيرت وجهة النظر المتعلقة بتاريخ المنطقة والتي برزت بعد اكتشاف أميرة ثاج.

الموقع الاثري لمدينة ثاج. مصدر الصور: https://twitter.com/AbdulelahAlfars/status/1079713455572246528?lang=bn

يقول المختص الأثري سعيد الصناع: “إن تواصل الحفريات بعد عام من العثور على الأميرة ساهم في اكتشاف مقابر أخرى أقدم من قبر الأميرة ويستدل سعيد الصناع على صحة العمق الزمني ل”طريقة الدفن”، إذ يقول: “إن الدفن القر فصائي يُبين نفس طريقة الدفن الموجود في حضارة دلمون (1700 قبل الميلاد)”، مشيرا إلى أن ذلك يعطي قفزا نوعيا في عدد السنوات، مضيفا “إن المنطقة كانت غنية جدا، بدليل أن الأميرة كانت محاطة بالذهب، فحتى ملابسها كانت مطرزة بالذهب الخالص، وكانت ترتدي قناعا ذهبيا على وجهها، وخاتمين ذهب بهما عقيق منقوش عليه صور لوجود مدقنة، إضافة إلى شريط ذهبي في شعرها وقلادة ذهبية وأساور ذهب يزن الواحد منها نحو 20 كيلو”. ويتابع “تم العثور أيضا على فخاريات نادرة جدا”، مشيرا إلى أسمها ب “الفخار الأتيكي”، وهو الوحيد المجلوب من الخارج.

ويسرد المختص الأثري الصناع في قوله “على رغم اكتشاف “أميرة ثاج” التي لم يمسسها العمران أو يقترب منها، إلا أن هناك نحو 450 موقعا أثريا مهددا بالزحف العمراني والتدخل البشري، أهمها منطقة “الدفي” التي تهددها الصناعة، وجبل بري الذي تهدده الكسارات، كما أن منطقة “العزيزية” في مدينة الخبر، والقطيف، وتاروت والزارة كلها مناطق تتواجد بها الآثار، بيد أن الزحف العمراني يهددها”.

بعض القطع الذهبية المكتشفة بقبر اميرة ثاج الصغيرة. مصدر الصورة: https://www.aleqt.com/2009/05/02/article_223617.html

ويرى سعيد الصناع أن الزحف العمراني القريب من المناطق الأثرية ساهم لحد كبير في اندثار آثار المنطقة، مؤكدا “أن المتحف قام بتسوير الآثار المهملة كي لا تنتهي، فتضيع قيمتها التاريخية”، مشيرا إلى أن ساحل المنطقة الشرقية (شرق الجزيرة العربية) تمتد فيه الآثار بامتداد الخليج العربي، فهو غني بالآثار الهامة التي يعود بعضها لنحو 500 عام (قبل الميلاد)، مبينا أهمية المناطق الأثرية التي يديرها المتحف كموقع جنوب الظهران العائد لفترة حضارة دلمون التاريخية.

مصدر الصورة: https://www.almowaten.net وتبين القطع الذهبية التي وجدت و نثرت حول قبر فتاة ثاج الصغيرة

وعن المواقع المهددة، جراء الزحف العمراني يقول: “هناك مواقع عدة بدأ الزحف العمراني يهددها، منها موقع “عين السيح”، ويقع بالقرب من حي العزيزية في الخبر، إذ بدأ الزحف العمراني بشكل جدي”، مضيفا “في نفس المنطقة يقع موقع “الراكة”، وهو أول موقع اكتشف من قبل مختصي المتحف خارج منطقة القطيف وتاروت”، مشيرا لعمله الشخصي فيه “شخصيا عملت فيه خلال موسمين متتاليين، وهو موقع أثري غني بالآثار التي تعود الى قبيل ظهور الإسلام، واكتشفنا فيه منقوشات كتبت بالخط المسند”.

مصدر الصورة: https://twitter.com/AbdulelahAlfars/status/1079713455572246528/photo/3

ويجدر بالدكر ان الاثار التي اكتشفت في مدينة ثاج تشبه الى حد كبير الاثار المكتشفة في الحضارة اليونانية وكذلك حضارة البيرو مما يدل على ان هناك ربما نوعا من الاتصال بينها فالصور المرفقة في الأسفل تبين ذلك:

مصدر الصورة: http://qudama-alarab.blogspot.com/2013/05/thaj-kingdom-of-saudi-arabia.html
مصدر الصورة: http://qudama-alarab.blogspot.com/2013/05/thaj-kingdom-of-saudi-arabia.html

وقبل ختام المقال وعلى دكر الاثار المكتشفة في مدينة ثاج لابد من الإشارة الى جهود عالم الاثار المرحوم وليد الزاير في الكثير من الاكتشافات لهدة الاّثار. ولد في القطيف عام 1379 هجري وعمل في وكالة الاثار التابعة لوزارة المعارف بعد تخرجه من جامعة الملك سعود وتوفي في حادث مروري مؤسف عام 1419 هجري.  ولقد تم إطلاق موقع ثاج باسم “تل الزاير” من قبل المرحوم د. محمد أحمد الرشيد وزير التربية والتعليم السابق تخليدا لذكراه ولقيادته لفريق الباحثين واسهاماته في اكتشاف ما يقارب ال 400 موقع في المنطقة الشرقية على مدى 15 عاما قبل رحيله فالف رحمة ونور على روحة الطاهرة.

صورة للمرحوم عالم الاثار وليد الزاير الدى أطلق على موقع ثاج بتل الزاير تخليدا لذكراه

المصادر:

  1. https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AB%D8%A7%D8%AC
  2. https://www.alriyadh.com/436119
  3. https://www.alarabiya.net/saudi-today/2016/09/09/%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%81-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%87%D9%85-%D9%85%D9%88%D9%82%D8%B9-%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9
  4. https://www.alarabiya.net/saudi-today/2020/06/28/%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D9%82%D9%86%D8%A7%D8%B9-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%AB%D8%A7%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D8%BA%D8%B1%D8%AF-%D8%A8%D9%87%D8%A7-%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A
  5. https://arabic.cnn.com/style/article/2020/06/29/thaj-saudi-golden-mask-discoveries
  6. https://rattibha.com/thread/1297233858694455298?lang=ar
  7. https://www.al-jazirah.com/2016/20160124/wo3.htm
  8. https://aawsat.com/home/article/2633431/%D8%B2%D8%A7%D9%87%D9%8A-%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B3/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%B9%D9%86-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AB%D8%A7%D8%AC-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9
  9. http://qudama-alarab.blogspot.com/2013/05/thaj-kingdom-of-saudi-arabia.html
  10. https://www.aleqt.com/2009/05/02/article_223617.html
المهندس صادق علي القطري

تعليق واحد

  1. على السيهاتي

    دائما تتحفنا بما هو شيق و ثمين ابو حسام
    وفقك الله وسدد خطاك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *