شرق الجزيرة العربية من فجر الحضارات إلى بزوغ الإسلام – بقلم صادق علي القطري

شرقُ شبهِ الجزيرةِ العربية ليس مجردَ رقعةٍ جغرافيةٍ على ضفاف الخليج، بل هو طبقةٌ عميقةٌ من الذاكرة الإنسانية، تراكمت فيها الأزمنة كما تتراكم طبقاتُ الرمل فوق شاطئٍ قديم. ففي هذه الأرض التي تمتدّ من تخوم جنوب البصرة شمالًا إلى سواحل عُمان جنوبًا، تشكّل عبر آلاف السنين مسرحٌ حضاريٌّ فريد، التقت فيه طرق التجارة البحرية والبرية، وتعانقت فيه الواحات الخضراء مع البحر المفتوح، فكان الشرق العربي منذ فجر التاريخ بوابةً بين حضاراتٍ كبرى، وممرًا بين عوالم متعددة.

لقد لعبت الجغرافيا دورًا حاسمًا في صياغة هذا التاريخ الطويل؛ فالساحل الغربي للخليج العربي يتميز بظاهرة نادرة في بيئة الجزيرة العربية، وهي وفرة العيون المائية والواحات الزراعية، ولا سيما في مناطق الأحساء والقطيف، حيث تتفجر المياه العذبة من باطن الأرض فتمنح الصحراء حياةً دائمة. وإلى جانب هذه الواحات يمتد بحرٌ غني بالأسماك واللؤلؤ، كان منذ أقدم العصور مصدرًا للرزق، وطريقًا للتواصل مع العالم. ومن هذا التلاقي بين الماء والأرض نشأت بيئة ملائمة للاستقرار البشري المبكر، فكان شرق الجزيرة العربية من المناطق التي شهدت نشاطًا إنسانيًا منذ عصور ما قبل التاريخ.

وقد كشفت الدراسات الأثرية الحديثة عن شواهد عديدة تؤكد قدم الاستيطان البشري في هذه المنطقة. ففي مواقع متعددة مثل جزيرة تاروت وسواحل البحرين وواحة الأحساء عُثر على أدوات حجرية تعود إلى العصر الحجري الحديث، تدل على وجود جماعات بشرية عاشت على الصيد البحري وجمع النباتات والرعي البدائي. ويرى عدد من علماء الآثار أن سواحل الخليج كانت في تلك العصور بيئةً مناسبة للحياة بسبب وفرة الموارد الطبيعية. وقد أشار الباحث الدنماركي جيفري بيبي، أحد أبرز المنقبين في آثار الخليج، إلى أن الاستيطان البشري في شرق الجزيرة يعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد، وأن هذه المنطقة كانت جزءًا من شبكة حضارية أوسع ارتبطت بحضارات بلاد الرافدين (بيبي، البحث عن دلمون).

ومع مرور الزمن لم يعد هذا الوجود البشري مجرد تجمعات بدائية، بل بدأ يتخذ أشكالًا حضارية أكثر تطورًا، حتى ظهرت في الألف الثالث قبل الميلاد واحدة من أهم الحضارات في تاريخ الخليج، وهي حضارة دلمون. وقد ورد ذكر دلمون في النصوص المسمارية السومرية بوصفها أرضًا مزدهرة بالتجارة والنقاء، بل إن بعض النصوص الدينية السومرية أشارت إليها بوصفها أرضًا مباركة ومكانًا أسطوريًا يرتبط بفكرة الصفاء والخلود. وكانت دلمون تقع في المنطقة التي تشمل جزر البحرين وسواحل القطيف والأحساء، وتشكل مركزًا تجاريًا مهمًا بين حضارات الشرق القديم.

لقد ازدهرت دلمون بفضل موقعها الاستراتيجي بين ثلاث مناطق حضارية كبرى وهي بلاد الرافدين شمالًا، ووادي السند شرقًا، وسواحل عُمان جنوبًا. وكانت السفن تنطلق من موانئها حاملة النحاس القادم من عُمان، والأخشاب والأحجار الكريمة من الهند، ثم تتجه بهذه البضائع إلى مدن الحضارة السومرية في العراق القديم. ويؤكد الباحث الأمريكي صموئيل نوح كريمر أن دلمون لعبت دور الوسيط التجاري بين حضارات الشرق القديم، وأنها كانت حلقةً أساسية في شبكة التجارة الدولية في الألف الثالث قبل الميلاد (كريمر، السومريون). وقد كشفت التنقيبات الأثرية في البحرين عن آلاف المدافن الدلمونية الضخمة التي تُعد من أكبر المقابر الأثرية في العالم القديم، مما يدل على وجود مجتمع مستقر ومزدهر في تلك الفترة.

غير أن حركة التاريخ لا تستقر طويلًا على حال، فمع نهاية الألف الثاني قبل الميلاد بدأت حضارة دلمون تفقد شيئًا من بريقها، لتظهر في شرق الجزيرة العربية قوة تجارية جديدة تمثلت في مدينة جرهاء، التي وصفها المؤرخون اليونان والرومان بوصفها واحدة من أغنى مدن العرب في العصور القديمة. فقد أشار الجغرافي الإغريقي سترابون إلى أن جرهاء كانت مدينة عامرة يسكنها تجار عرب يسيطرون على تجارة البخور واللبان، بينما ذكر المؤرخ الروماني بليني الأكبر أن سكانها كانوا يمتلكون ثروات كبيرة وأن تجارتهم تمتد إلى مناطق واسعة من العالم القديم (سترابون، الجغرافيا؛ بليني، التاريخ الطبيعي).

وكانت جرهاء تقع، بحسب أغلب الدراسات، في منطقة الأحساء أو بالقرب من ساحل الخليج، حيث تمر طرق التجارة البرية القادمة من جنوب الجزيرة العربية والمتجهة نحو بلاد الرافدين والشام. وقد ازدهرت هذه المدينة بسبب موقعها الاستراتيجي الذي جعلها حلقة وصل بين طرق القوافل البرية وطرق الملاحة البحرية، فكانت البضائع القادمة من اليمن والهند تمر عبرها قبل أن تتجه إلى أسواق الشام والعراق. وهكذا أصبحت جرهاء إحدى العواصم التجارية الكبرى في الجزيرة العربية قبل الإسلام.

ومع اقتراب القرون الأخيرة قبل الميلاد بدأت البنية السكانية لشرق الجزيرة العربية تتخذ طابعًا عربيًا واضحًا، إذ استقرت في المنطقة قبائل عربية كبيرة، من أبرزها قبيلة عبد القيس التي تنتمي إلى قبائل ربيعة العدنانية. وقد انتشرت هذه القبيلة في مناطق واسعة من شرق الجزيرة، خاصة في الأحساء والقطيف والبحرين، وكان لها دور بارز في الحياة السياسية والاقتصادية في المنطقة. ويذكر المؤرخ العربي ابن الكلبي أن عبد القيس كانت من القبائل العربية المعروفة بالنفوذ في إقليم البحرين قبل الإسلام (ابن الكلبي، نسب معد واليمن الكبير). كما عاشت في المنطقة قبائل أخرى مثل بكر بن وائل وتميم والأزد، مما أضفى على شرق الجزيرة تنوعًا قبليًا وثقافيًا أسهم في تشكيل هويتها العربية.

وفي القرون الأخيرة قبل الإسلام أصبحت منطقة الخليج ضمن دائرة النفوذ السياسي للإمبراطورية الفارسية، وبخاصة الإمبراطورية الساسانية، التي بسطت سيطرتها على السواحل عبر حكام محليين من العرب. ومن أبرز هؤلاء الحكام المنذر بن ساوى الذي كان يتولى حكم إقليم البحرين في أواخر العصر الجاهلي. ومع ذلك لم يؤدّ هذا النفوذ السياسي إلى طمس الهوية العربية للمنطقة، إذ ظلت القبائل العربية تمارس حياتها الاجتماعية والاقتصادية وفق تقاليدها الخاصة، مع استمرار النشاط التجاري والزراعي الذي عُرفت به الواحات الشرقية.

لقد كانت الحياة الاقتصادية في شرق الجزيرة العربية قبل الإسلام تقوم على مزيجٍ من الزراعة والتجارة البحرية وصيد اللؤلؤ. فالواحات الغنية بالمياه مثل الأحساء والقطيف وفرت بيئة مناسبة لزراعة النخيل والحبوب، بينما كان الخليج العربي مصدرًا مهمًا للؤلؤ الطبيعي الذي عُدّ من أثمن السلع في العالم القديم. وكانت اللآلئ الخليجية تُصدَّر إلى أسواق الهند وفارس والإمبراطورية الرومانية، الأمر الذي جعل البحر عنصرًا أساسيًا في حياة سكان المنطقة.

وحين بزغ فجر الإسلام في القرن السابع الميلادي كانت هذه المنطقة تُعرف باسم إقليم البحرين، وهو اسم كان يشمل مساحة واسعة من شرق الجزيرة العربية. وقد بعث النبي محمد بن عبد الله (صلى الله علية واّله) رسالة إلى حاكم الإقليم المنذر بن ساوى يدعوه فيها إلى الإسلام، فاستجاب للدعوة وأسلم، كما أسلم عدد كبير من سكان المنطقة، ولا سيما من قبيلة عبد القيس، التي وفدت وفودها إلى المدينة المنورة معلنة دخولها في الإسلام. وهكذا دخل شرق الجزيرة العربية في الإسلام دخولًا سلميًا، ليبدأ فصلٌ جديد في تاريخه الحضاري.

إن التأمل في هذا التاريخ الطويل يكشف أن شرق شبه الجزيرة العربية لم يكن يومًا منطقة هامشية في تاريخ العرب، بل كان فضاءً حضاريًا نشطًا منذ عصورٍ سحيقة. فقد تعاقبت عليه حضارات وتجارات وقبائل، وتقاطعت في موانئه طرق البحر والبر، حتى أصبح هذا الشرق بوابةً بين العالم العربي وفضاءات آسيا القديمة. ومن هنا فإن مدنًا مثل القطيف والأحساء والبحرين ليست مجرد مواضع جغرافية، بل هي صفحات حية من تاريخٍ ممتد، كتبت سطوره أمواج الخليج، وحفظته ذاكرة النخيل في الواحات.

المهندس صادق علي القطري

المصادر والمراجع
• جيفري بيبي، البحث عن دلمون.
• صموئيل نوح كريمر، السومريون.
• جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام.
• عبدالخالق الجنبي، تاريخ شرق الجزيرة العربية.
• فؤاد حمزة، قلب جزيرة العرب.
• سترابون، الجغرافيا.
• بليني الأكبر، التاريخ الطبيعي.
• ابن الكلبي، نسب معد واليمن الكبير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *