من الامثال الشعبية القطيفية “اتعلّم الصِّنعة وعلّقها في الروزنة” – بقلم صادق علي القطري

الأمثال الشعبية القطيفية (الخليجية)، تراثًا شفويًا حيًّا، وذاكرةً اجتماعية تختزل خبرة الإنسان مع الحياة، وتكشف ملامح وعيه الأخلاقي، وسلوكه اليومي، ونظرته إلى العمل والعلاقات والزمن. فالأمثال هنا لا تُعرض باعتبارها عبارات دارجة فحسب، بل تُقرأ كنصوص إنسانية مكثّفة، ونتاج عقل جمعيٍّ صاغ حكمته عبر التجربة والممارسة.

“اتعلّم الصِّنعة وعلّقها في الروزنة”

مثلٌ قطيفيٌّ في قيمة التعلّم وكرامة المهارة حيث يأتي هذا المثل بروحٍ هادئة، لا تستعجل الثمرة، ولا تشترط المنفعة العاجلة. فهو لا يقول، تعلّم لتكسب، بل يقول، تعلّم… فقط لأن التعلّم خير.

“اتعلّم الصنعة” أي امتلك المهارة، واصنع لنفسك أداة، وابنِ في داخلك قدرةً لا يقدر الزمن على سلبها. ثم تأتي العبارة المفصلية،،،

“وعلّقها في الروزنة”. والروزنة، ذلك الرفّ الصغير في البيوت القديمة، كانت مكانًا للحفظ لا للاستهلاك اليومي، للأشياء الثمينة التي قد لا تُستخدم الآن، لكنها تبقى جاهزة… عند الحاجة.

في الوجدان القطيفي، كانت الصنعة أمانًا مؤجّلًا، وسندًا صامتًا، ورأس مال لا يصدأ ولا يُنهب. قد لا تعمل بها اليوم، لكنّك غدًا، حين تضيق السبل، ستنزلها من الروزنة… وتنجو.

تربويًا، يحمل المثل حكمة بعيدة النظر، أن التعلّم قيمة في ذاته وأن المهارة لا تضيع حتى إن لم تُستخدم فورًا وأن من يملك صنعة، يملك خيارًا وهو دعوة إلى مقاومة الكسل المعرفي، وإلى الإيمان بأن كل ما تتعلّمه يستقر في داخلك كقوة كامنة، تنتظر وقتها.

“اتعلّم الصنعة وعلّقها في الروزنة” ليس وعدًا بالثراء، بل وعدًا بالكرامة، فالذي يعرف كيف يصنع، لا يقف عاري اليدين حين تتبدّل الأيام.

المهندس صادق علي القطري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *