لطالما كنت أقرأ بأن النفس البشرية تتوق لأن تحيط نفسها بسياج من القوانين حتى لا تتوه الطريق أو قد تكون من باب جلب الحماية و الأمان وقد تفرض غالباً هذه السياسات على الأخرين عند التعامل معها وهذا ما يساهم في تشكيل السلوكيات المجتمعية لكل فرد على حدى وعلى كل منا إحترام هذه الإختلافات التي قد تشكل قيمهم وحدودهم الشخصية ..
ولكن في بعض المرات قد تتناثر جميع تلك القوانين في حضرة من نحب خصوصاً عندما تصدر منهم بعض السلوكيات المحببة لدى الفرد، فيستعمروا القلب و الروح ببعض التصرفات الغير مكلفة ولكنها تٌضيف لمسة مختلفة لدى البشر ..
و أولها ( الشكر ) ولما خصصنا من السلوكيات مفردة ( الشكر ) على وجه الخصوص ؟!
إن النفس البشرية مهما كان تكوينها والصفات التي تشتمل عليها إلا إنها مجبولة على محبة التقدير حتى وإن كان على “عملاً بسيطاً”، فإن عبادة الشكر من موجبات رضى الله على عبده، لأن الإنسان الذي يغلف بالشكر أعماله مع البشر فهو بطبيعة الحال سيكون مُكثراُ من الشكر اللفظي والعملي لله في سائر يومه وهذا سيجرنا لمنحى بأن: “وبالشكر تدوم النعم” بل قد تتكاثر وتنمو فيزهر عالمك بإحساس من الراحة والإطمئنان فتكسب محبة الله ومحبة عباده لأن الشكر عندما يتمكن من لسانك وأفعالك ستُصبح شاكراً وتُمسي حامداً وتتمتم ممُتناً.
وإن في بعض المرات عندما تكون كلمة الشكر غير متوقعة فإن لها وقعاً و أثراً قد يصنع ويدوي في يوم أحدهم من غير أن تعلم وهذه المواقف تحصل في حياتنا اليومية بشكل مستمر مثل:
عندما يحاسبك الكاشير فلا تنسى قبل أن تحمل مشترياتك أن تقول ( شكراً يعطيك العافية )
عندما ينتهي عامل المحطة من ملئ سيارتك بالوقود ودعه بكلمة شكراً
عندما يكاد الباب يغلق في وجهك ويمسكه الشخص الذي أمامك حتى تدخل فقدر موقفه بالشكر…
كل هذا أدركته عندما علمني خالي منصور رحمه الله بأن الشكر سيد كل المواقف بل قد يوجب المحبة.
بل كنت أعجب بأنه في كل مرة يتعرض لوعكة صحية كان يحمد الله أكثر من وقت رخاءه وعافيته و كوني متعايشة مع تجارب علاج حالات الألم المزمن في العيادة فيأخذني الفضول لمعرفة إحساس المرضى إتجاه وصف معاناتهم حتى يتسنى لي مساعدتهم، فكان يحمد الله ويقول لي عبارة دائماً ما استحضرها في ذهني عند علاجي للمرضى:
( كيف لا أحمد الله في حال مرضي، وهو خلقني بعافية فأصبحت أفضل من غيري ثم تفضل علي بسنوات من عمري لا أشتكي فيها من وجع فأصبحت أفضل من غيري أيضاً وحتى في حال مرضي أحمد الله على قدرتي على قضاء احتياجاتي ففضلني ربي عن غيري.
وعندما أصبح في أخر أيامه طريح الفراش كان لازال مُكثراً بالحمد لحدة ذاكرته التي جعلت لسانه دائم الذكر لله و كان لا ينسى الشكر لكل من كان يصله، بل وكان من شدة حبه للتقدير كان يردد كلمة الشكر 3 مرات متتالية فكان يقول لي ( شكراً شكراً شكراً يا إبنتي العزيزة ).
وإضافة لذلك كله فقد علمني الكثير من الشعر والحكم و الروايات وكان أخر ما يودعني به في كل مرة هو بيت من الشعر، كان يقول نصفه ليدعني أكمل الباقي منه ( آمين آمين لا أرضى بواحدةٍ حتى أضيف إليها ألف آمينا )..
و من الأمور التي أضافت لتوجهاتي العلاجية في العيادة بإن هذا الإرث الثمين الذي علمني إياه خالي قد نقلته في عيادتي وعلمته لمرضاي حتى يصبحوا قادرين على الامتنان لله رغم كل الألم والمعاناة، حينها فقط قد يشرق الأمل يوماً ما من عمق الألم عندما يأذن الله وذلك لتحقيقاً لقاعدة إلهية بقوله تعالى: ( لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم )..
خالي العزيز قد كنت أيقونة مجتمعية حازمة و جدية لدى الناس ولكنك ببساطة كنت ولا زلت تمثل ( أيقونة الحب والشكر في قلبي ) وسيُخلد الشكر ذكراك في روحي..
فالحمدلله الذي لا يحمد على مكروه سواه و الحمدلله على ما أخذ و على ما أعطى و الحمدلله الذي أحاطني بروح علمتني معنى القيم والشكر والإمتنان وتلاشت في وجودي معها كل القوانين وجعلتني أؤمن بأن بعض القوانين الروحية قد تسقط في حضرة من نحب ..
*أخصائي أول عظام وآلام مزمنة
مقالة ذات علاقة: https://www.qatifscience.com/?p=34392
علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية
احسنتي التعريف بهذه الشخصية المؤمنة. رحمه الله رحمة الأبرار وحشره مع النبي محمد وآل الأطهار.