الحاج منصور: أيقونة جيلٍ حفظ القيم النبيلة – بقلم علي الجشي

عندما أتحدث عن المرحوم الحاج منصور، فأنا لا أتحدث عن شخصٍ بعينه، وإنما عن شخصية المجتمع القطيفي الأصيلة.

الحاج منصور من جيلٍ يقارب جيل والدي، المولود عام 1345هـ، وهو من مواليد 1355هـ، وتوفي -رحمه الله- قبل أيام قليلة من عامنا هذا، 1447هـ، عن عمرٍ ناهز التسعين عامًا. هذا قرنٌ من الزمن تقريبًا.

بدأ حياته مع بدايات اقتصاد النفط، الذي انطلق عام 1936م، وقضى بقية عمره في عهدٍ مزدهر شهد فيه تحولات كبرى: من الطرق الترابية الضيقة إلى الشوارع الفسيحة المعبدة، ومن التنقل بالحمير والجمال والخيول إلى السيارات والقطارات والطائرات، ومن العلاج بالكي والتعاويذ والأدوية المحلية إلى الجراحة الحديثة، والأدوية المتطورة، والأشعة، والمستشفيات المتقدمة.

ومن ظلام الليل الدامس إلى نور الكهرباء، ومن الإكتفاء بالمنتجات المحلية المحدودة إلى تنوعٍ واسع من المنتجات المستوردة، ومن حرارة الجو اللاهبة ورطوبته إلى أجواء معتدلة بفضل المكيفات. والقائمة تطول، وتسرح في فضاء البال.

لكن الحاج منصور لم يتغير؛ ولا أقصد التغير المادي، بل القيم الأخلاقية والإنسانية.

أنا شخصيًا لا أنسى المرحوم الحاج منصور. إنه قيمة من قيم المجتمع القطيفي النبيل، بل مثالٌ نموذجي لشخصيته؛ تجسدت فيه القيم التي اختطها لنفسه: عفة، وكرامة، وسؤدد، وعمل، وكفاح، وعطف، وحنان، ومنعة، وارتقاء.

ولي مع الحاج منصور قصة لا أنساها: في إحدى عصريات شهر رمضان من سنواتٍ خلت، كنت ذاهبًا إلى “براحة الحليب”، حيث يجتمع الناس، ويأتي الباعة من كل مكان. سوقٌ صغيرة بمقياس اليوم، لكنها كانت تتسع لعالمٍ كامل؛ يُباع فيها كل ما يحتاجه الناس في رمضان، من خضار وفواكه ودواجن وحليب وبيض، وأطباق متنوعة، ومنتجات الأسر.

وكان أكثر ما يضفي عليها البهجة تجمع الشباب والأطفال، خاصة عند “مكاسر البيض”، حيث تدور المنافسات وسط حماس المتفرجين.

وفي ذلك اليوم، كنت مع مجموعة من الصبية، ويبدو أنه قد صدر منا ما لا يليق. كنا نتمازح ونضحك، وربما لم ندرك أن فعلتنا غير مقبولة اجتماعيًا.

وما إن فرغنا وبدأنا بالابتعاد، حتى واجهتُ الحاج منصور وجهًا لوجه. تكلمت عيناه أولًا: “ما هذا؟” ثم قال: “باعلّم أبوك”.

كانت تلك اللحظة كالصاعقة. نظراته كبرقٍ خاطف، وصوته كالرعد. مضى في طريقه، ومضينا نحن، لكن عبارته ظلت تتردد في أذني كطنينٍ لا ينقطع.

تخيلت العقاب، ورأيت في مخيلتي الخيزرانة، وسمعت الصراخ. مر يوم ويومان، ثم أسبوع وأسبوعان، وشهر وشهران… وحتى بعد سنوات، لم يحدث شيء.

عندها أيقنت أن الحاج منصور كان يعرف شدة والدي، وأن كلمتيه “باعلّم أبوك” كانتا كافيتين لتأديب صبيٍّ مثلي.

ومنذ تلك الحادثة، بدأت أتأمل كاريزما الحاج منصور، وأحاول فهم شخصيته، حتى أصبح عندي من الشخصيات القدوة.

فهو، رغم انتمائه إلى عائلة ذات مكانة اجتماعية واقتصادية، كان عصاميًا؛ يسعى لرزقه بعمله وكدّ يده، ويجتهد في بناء نفسه، ولم يعتمد على دخلٍ سهل. مارس أعماله بنفسه، وحين تولّى مسؤولية الأوقاف الخيرية لعائلته، حافظ عليها وصانها، وأنفقها في وجوه الخير.

وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويشجع على الخير، ويتعامل مع الناس بالحسنى، بتواضعٍ هادئ، مصداقًا لقوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا}. كما كان صادقًا في قوله وعمله، جريئًا في الحق، حتى لو لم ترق كلماته لمن لا تعجبه النصيحة.

وحتى في مظهره، ومشيته، وجلسته، حافظ على سمة الشخصية القطيفية اللطيفة، البشوشة، الباسمة، رغم ما فيها من صرامةٍ مستترة.

وأهم من ذلك كله: التقوى، التي كانت سمةً بارزة في حياته، قولًا وفعلًا، عملًا بقوله تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ}.
رحم الله الحاج منصور بن أحمد بن حسين السنان، وأسكنه فسيح جناته مع نبي الهدى محمد وآله الطيبين الطاهرين.

المهندس علي الجشي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *