صخورٌ مُخزّنة في مستودع لعقودٍ طويلة تحمل دليلاً هاماً على الحياة المعقدة – ترجمة* محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

Rocks Kept in a Warehouse For Decades Held a Major Clue to Complex Life
(بقلم: ماكسويل ليتش و لي آن ريدمان ، مجلة “ذا كونفرسيشن” – Maxwell Lechte & Leigh Anne Riedman, The Conversation)

ملخص: كشفت عيناتٌ صخريةٌ عمرها 1.7 مليار سنة، عُثر عليها في مستودعٍ أسترالي، عن أدلةٍ تُشير إلى أن الأكسجين كان عاملاً أساسياً في تطور أقدم أشكال الحياة المعقدة، أو حقيقيات النوى. ومن خلال تحليل الصخور الطينية، حدّد الباحثون أكثر من 12,000 حفرية مجهرية، ووجدوا أنها ازدهرت حصراً في بيئاتٍ غنيةٍ بالأكسجين، وليس في مناطق خاليةٍ منه.

( المقالة المترجمة )

يُخزّن في مستودعٍ مكشوفٍ في مدينة داروين الاستوائية بأستراليا، عشرات الصواني التي تحتوي على عيناتٍ أسطوانيةٍ من الصخور. وهذه العينات مأخوذةٌ من حفرٍ (تم حفرها) على عمق مئات الأمتار تحت سطح الأرض، قامت بها شركات التنقيب عن المعادن قبل عقود. وبعض هذه العينات الصخرية في هيئة المسح الجيولوجي للإقليم الشمالي هي من الحجر الطيني، وهو نوع من الصخور الرسوبية يتكون من طين قاع البحر المتصلب.

حُفظت هذه الحفريات الدقيقة في طبقاتٍ صخريةٍ عميقة. مصدر الصورة: جامعة كاليفورنيا، سانتا باربرا.

ولم تكن الشركات التي حفرت هذه العينات الصخرية على دراية كبيرة بوجود أحافير لكائنات مجهرية مدفونة داخل هذه الأحجار الطينية في قاع بحر داخلي قديم غطى جزءًا كبيرًا من شمال أستراليا قبل أكثر من 1.5 مليار سنة. وكما تُظهر دراستنا الجديدة، المنشورة اليوم (21 مايو 2026) في مجلة “نيتشر” (Nature)، فإن هذه الأحافير بالغة الأهمية لحل لغزٍ قديمٍ حول القفزة التطورية الكبرى التي أدت إلى ظهور جميع أشكال الحياة المعقدة على الأرض: أصل حقيقيات النوى[1].

طبقات من الصخور الرسوبية عمرها 1.7 مليار سنة، حديقة كاكادو الوطنية، الإقليم الشمالي. مصدر الصورة: ماكسويل ليتش.

صغيرة لكنها معقدة
يمكن تصنيف جميع أشكال الحياة على الأرض إلى نوعين، يختلفان اختلافًا جوهريًا على المستوى الخلوي:
• بدائيات النوى[1] (البكتيريا والعتائق) ذات تركيب خلوي بسيط، ومعظمها وحيدة الخلية.
• حقيقيات النوى – بما في ذلك جميع الحيوانات والنباتات والطحالب والفطريات – تختلف اختلافًا كبيرًا. فهي تمتلك خلايا أكثر تعقيدًا تحتوي على نواة وتراكيب متخصصة أخرى، مثل العضيات، التي تؤدي وظائف محددة.

وأحدثت ثورة حقيقيات النوى تحولًا جذريًا في كوكب الأرض. فقد أدت إلى ظهور الحيوانات، وفي النهاية، إلى ظهورنا نحن البشر.

واستنادًا إلى ملاحظات جينات الكائنات الحية، يُجمع الآن على أن السلف المشترك الأخير لجميع حقيقيات النوى الحية نتج عن اتحاد تكافلي بين (على الأقل) نوعين من الميكروبات بدائية النوى: عتائق وبكتيريا. وتأتي أولى الأدلة على وجود حياة حقيقية النواة في شكل هذه الأحافير لكائنات وحيدة الخلية. وهي تُظهر مستوى من التعقيد الخلوي لا يُرى بين بدائيات النوى، ولكنه شائع في حقيقيات النوى.

عينات صخرية من الصخور الرسوبية تحتوي على أحافير مجهرية. مصدر الصورة: ماكسويل ليتش

ويمكن العثور على أحافير حقيقيات النوى في جميع أنحاء العالم في صخور يعود تاريخها إلى 1.5 مليار سنة على الأقل. وتُعدّ أحافير الإقليم الشمالي، التي يعود تاريخ أقدمها إلى 1.75 مليار سنة، أقدم أحافير حقيقية النوى المعروفة عالميًا. لكن العالم القديم الذي تطورت فيه حقيقيات النوى الأولى لا يزال يكتنفه الغموض، ولا تزال جوانب أساسية كثيرة من طبيعتها مجهولة.

الأكسجين: صديق أم عدو؟
تستطيع أنواع عديدة من البكتيريا العيش والنمو في أماكن خالية من الأكسجين. لكن جميع حقيقيات النوى تقريبًا التي تعيش اليوم تستخدم الأكسجين للبقاء على قيد الحياة. ذلك لأن التنفس الهوائي – أي تكسير الغذاء باستخدام الأكسجين – يوفر كميات هائلة من الطاقة التي تحتاجها الحياة المعقدة.
لكن فكرة أن الأكسجين كان دائمًا مفيدًا لجميع حقيقيات النوى أصبحت موضع تساؤل في السنوات الأخيرة، وذلك في أعقاب الاكتشافات المذهلة لحقيقيات نوى غامضة قادرة على الازدهار في ظروف خالية من الأكسجين.

أحافير لكائنات حقيقية النواة وحيدة الخلية ذات خصائص سطحية معقدة، مثل الامتدادات والصفائح. مصدر الصورة: لي آن ريدمان

وتتزايد الأدلة من السجل الجيولوجي على أن الأكسجين كان على الأرجح أندر بكثير عندما بدأت حقيقيات النوى بالتطور. وهذا يعني أن البيئات البحرية الخالية من الأكسجين كانت هي السائدة آنذاك. وقد شككت هذه الملاحظات مجتمعةً في افتراض اعتماد حقيقيات النوى على الأكسجين منذ نشأتها.

ويمكن للدراسات الجينية للكائنات الحية الدقيقة التي تنتمي إلى مجموعات تُعتبر الأقرب إلى أسلاف أول حقيقيات النوى أن تقدم رؤىً أساسية حول أصولها. لكن السجل الأحفوري وحده هو ما يُمكننا من معرفة المزيد عن السلالات المنقرضة منذ زمن بعيد. والجيولوجيا وحدها هي التي تُتيح لنا نافذةً على نوع العالم الذي عاشت فيه هذه الكائنات.

لا تدوم الأحافير الدقيقة الهشة عند تعرضها للسطح، لكنها تبقى محفوظة في طبقات الصخور العميقة. مصدر الصورة: جامعة كاليفورنيا، سانتا باربرا

أكثر من 12,000 أحفورة
في دراستنا الجديدة، قمنا بسحق عينات من لباب الطين المحفوظ في مدينة داروين، ثم أذبناها. وقد حددنا أكثر من 12,000 أحفورة بتحليل البقايا العضوية المتبقية من عملية الإذابة تحت المجهر. كما درسنا أحجار الطين التي حُفظت فيها الأحافير لفهم طبيعة البيئة التي كانت سائدة عند ترسب الرواسب.

وقد أتاح لنا ذلك فهمًا أعمق للمواطن (أو الموائل – جمع مآل) التي عاشت فيها هذه الكائنات حقيقية النواة. ومن خلال تحليل التركيب الكيميائي لأحجار الطين هذه، تمكنا من تحديد ما إذا كان الأكسجين موجودًا في مياه البحر القديمة.

وتُظهر نتائجنا أن أحافير حقيقيات النوى وُجدت في بيئات متنوعة، من المسطحات الطينية الساحلية إلى أعالي البحار. لكنها لم تكن موجودة إلا في العينات المترسبة في بيئات غنية بالأكسجين.

أما العينات من البيئات الخالية من الأكسجين، فقد احتوت على أشكال بدائية النواة بسيطة فقط. ويشير هذا إلى أن حتى أقدم حقيقيات النوى المعروفة، التي عاشت على الأرض قبل 1.7 إلى 1.4 مليار سنة، كانت تعتمد على الأكسجين. وتدعم هذه البيانات فرضية راسخة مفادها أن الأكسجين لعب دورًا محوريًا في تطور حقيقيات النوى المبكرة.

ويُعدّ فهم العوامل الدافعة والسياق وراء القفزة التطورية الكبرى التي مثّلتها حقيقيات النوى المبكرة أحد أهم الأسئلة العالقة في علوم الحياة. ولا شك أن الدراسات الجارية لهذه الأحافير الدقيقة القديمة والغامضة ستكشف لنا المزيد عن أصولنا ومكانتنا في الكون.

*تمت الترجمة بتصرف
المصدر:

https://www.sciencealert.com/rocks-kept-in-a-warehouse-for-decades-held-a-major-clue-to-complex-life
الهوامش:
[1] حقيقيات النوى (eukaryotes) هي كائنات حية تحتوي خلاياها على نواة محاطة بغشاء تحتوي على حمضها النووي (DNA)، بالإضافة إلى تراكيب غشائية متخصصة أخرى تُسمى العضيات. يشمل هذا النطاق الواسع من الحياة (حقيقيات النوى) جميع الحيوانات والنباتات والفطريات، بالإضافة إلى العديد من الكائنات وحيدة الخلية (مثل الطلائعيات والخميرة). أما بدائيات النوى (prokaryotes) هي كائنات وحيدة الخلية تفتقر إلى نواة محاطة بغشاء وعضيات متخصصة. وهي تنتمي إلى نطاقين رئيسيين: البكتيريا والعتائق. راجع الصورة التالية:

المصدر: ويكيبيديا
المهندس محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *