الخط المسند ونقوشه: موطن نشأتة ومسارات انتشاره في شبه الجزيرة العربية وخارجها – بقلم عبد الرسول الغريافي

الخط المسند هو نظام كتابة أبجدية قديم جداً ظهر تقريباً بين القرن العاشر والقرن التاسع قبل الميلاد أي منذ اكثر من ثلاثة آلاف سنة وقد كانت ذروة استخدامه من القرن السابع قبل الميلاد وحتى القرن الثالث الميلادي وكانت بداية ضعفه في القرن الأول بعد الميلاد، وأما بداية اندثاره فبعد القرن الرابع الميلادي بسبب ظهور وانتشار الأبجدية العربية الشمالية بسبب التحولات الدينية والسياسية.

لقد شَكَّلَ الخط المسند نقلة كبيرة في التقدم الحضاري في أنحاء معمورة الجزيرة العربية حيث لعب الدور الكبير في الإعلام وفي توثيق الكثير عن الحضارات التي سادت في أنحاء شبه الجزيرة العربية وأسماء شخصياتها وأحداثها ومسميات المناطق التي سكنوها كما واظهرت لنا أوصاف لبعض العادات والمعتقدات وقد قام هذا الخط بحفظ توثيقات تاريخية مجيدة خلدها وعبر بها جسور التاريخ خلال أزمان بعيدة إلى أن وصل إلى عالمنا الحديث،،،

وقد مثلها بحروف واضحة الملامح متقدمة في فن النقش والقراءة فهي حروف فيها يمثل كل واحد منها وحدة صوتية ثابتة مستقلة ثمثل أصوات اللغة فلم تكن هذه الكتابات مجرد رموز مرسومة تظهر صوراً قد يختلف القُراء في تأويلها أو تصعب قراءتها وإنما هي حروف مقروءة سهلة التعامل وكل حرف منها له ما يعادله اليوم من أبجدية الحروف العربية ولا سيما أن اعدادها متساوية مع حروف اللغة العربية الحديثة اذ يبلغ عدد حروفها ٢٩ حرفا وكذلك بالنسبة للغة العربية إذا ما حسبنا الهمزة (ء) ضمن حروفها فإنها تحتوي على ٢٩ حرفاً أيضاً وإن لكل حرف في المسند حرف يقابله في العربية بل وتمثل نفس الأصوات اللغوية ذاتها إضافة إلى أن حروف خط المسند لا تحتوي على نقاط ولا على حركات للرفع والنصب أو الكسر والسكون ولا حتى التشديد بالإضافة إلى أن لكل حرف شكل واحد فقط وقد يكون الإختلاف طفيفاً كوجود ما يعرف بحرف او صوت (السامخ) أو السين الثالثة الغير موجودة في العربية وهي الواقعة بين السين والثاء والتي تخرج من تحت أطراف اللسان وللأنف اشتراك في تحريكها.

وهو خط يكتب غالباً من اليمين إلى اليسار وأحياناً بإسلوب متعاقب يسمى المحراثي أي بطريقة الذهاب والإياب (أي من حيث انتهى يبدأ من جديد ليعود إلى الإتجاه الأول؛ سطر يبدأ من اليمين وينتهي إلى اليسار فيبدأ السطر الثاني من اليسار لينتهي إلى اليمين ثم يبدأ السطر الثالث من اليمين إلى اليسار وهكذا) ولكن هذا النوع (المحراثي) نادرا ما اكتشف منه، وفي الخطوط الشمالية هناك اتجاه في الكتابة من أعلى إلى الأسفل وهو نادر أيضاً. لقد وُجِد نقش الخط المسند على الصخور والمعادن والفخاريات وعلى الجبال وشواهد القبور وعلى جدران المعابد والسدود والطرقات وأحجار البناء وقد كتب على أشياء أخرى لم تدم طويلاً كالجلود وغيرها مما يكتب عليه للوثائق والعقود التجارية، واسماء مدن وألقاب دينية وسياسية.

ولاشك أن الصخور والمعادن هي التي حفظته واستطاعت نقله وإظهاره لنا في عصرنا الحالي كما أنه استخدم في الكتابات على المسكوكات النقدية.

المسكوكات النقدية بالخط المسند
ضربت النقود وخط عليها بالخط المسند في ممالك سبأ وقتبان وحمير في القرن الخامس قبل الميلاد وحتى القرون الأولى للميلاد وكانت أغلبها من الفضة والبرونز وكانت النصوص المكتوبة على المسكوكات النقدية مختلفة منها اسماء ملوك ومكارب (أي الألقاب الرسمية للحاكم في العصور القديمة ويستعمل لقب مكرب عندما يكون الحاكم هو صاحب النقش)، بالإضافة إلى كتابة أسماء مدن على تلك العملات ويلاحظ أن بعض العملات قُلِد فيها الطراز الاغريقي (مثل الدراخما اللاتينية) ولكن الكتابة مستبدلة بالخط المسند. ومن العملات التي كتب عليها بالخط المسند هي: ١. السبئية (لمملكة سبأ) من القرن خمسة ق.م إلى القرن الأول الميلادي.
٢. مسكوكات نقدية قتبانية يعود تاريخها إلى القرن الرابع وإلى القرن الثاني ق.م. وأيضا تحمل أسم الملك أو المكرب وأحيانا إسم العاصمة (تمنع).
٣. عملات حضرموت الزمن ٣ إلى ١ قبل الميلاد بمسند أنيق وبها رموز دينية (هلال – نجمة) بالإضافة إلى أسماء حكام حضرموت.
٤. العملة الحميرية من القرن ١ إلى ٣ ميلادي بها أسماء ملوك حمير.

الخط المسند بلا نظام رقمي:
لا يوجد نظام رقمي في الخط المسند ولا يحتوي على أرقام منفصلة مثل ١ ٢ ٣ الخ.. إنما كانوا يكتبون الأعداد بالحروف أي بنظام عددي لفظي فكانوا يستخدمون كلمات عددية بالمسند نفسه وكانوا احيانا يستعملون رقم ترتيب الحرف كعدد وتستمر الفكرة لبقية الأعداد. العشرات والمئات والآلاف كانت تكتب بكلماتها أيضاً: (عشرة عشرون ثلاثون.. الخ) وكذلك المئات (مئة ومئتان وثلاث مئة) والآلاف أيضاً: (ألف ألفان وثلاثة آلاف..)، كما أن هناك نظام تكتب فيه الأرقام برموز مستقلة تشبه الحروف، كما انه لايوجد الرقم صفر.

من أين جاءت تسمية المسند؟
جاء مسمى لغة وخط المسند من طبيعة كتابته ولها تفسيران شائعان عند الباحثين:
أولها أنه جاء من الإسناد (وهو الإعتماد والرفع) لأن حروفه كانت تكتب منفصلة ومستقيمة، كأنها “مُسَنَّدة” أو قائمة بذاتها بخلاف الحروف المتصلة في الخط العربي الذي جاء بعدها.

وثانيها لأنه كان يسند على الحجر: أي ينقش على الصخور والأعمدة وجدران المعابد فيقال أن الكتابة كانت “مسندة” إلى شيء صلب. كِلا المعنيين مرتبطين بطبيعة تاريخية وبعلاقة متسلسلة من حيث أنها حروف منفصلة قائمة ونقش مسند على الحجر. وهذا ما ذُكِر عن سبب التسمية في “المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور علي جواد” وكذلك في “تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام للباحث أحمد فخري” ومراجع أخرى.

أبعاد علمية وفلسفية وراء الخط المسند:
إنها ليست مجرد حروف ابجدية أو هجائية إنما هي حروف أيضا اتُخِذت كرموز ذات دلالات علمية وفلسفية عميقة لها أبعادها في هذه المجالات فقد كان لكل حرف دراسة لها أبعادها في عالم الدراسات المختلفة كعلم الفلك لدرجة أن البعض من الخبراء الآن يقومون بدراسات حول حرف واحد من حروفها من جميع نواحيه وأبعاده فالمسند في عصره ليس مجرد نظام كتابي يُستَخدم كوسيلة للإتصال والحفظ فحسب وإنما هو نظام مرتبط بدراسات لغوية وأثرية ورمزية وتأويلات حديثة ذات طابع فلسفي وروحي ومرتبط بأبعاد مختلفة منها:

أولاً: البعد اللغوي العلمي كارتباطها وتطابقها مع الأصوات وبنية اللغة، فهي تمثل منظومة صوتية تحتوي على تميز واضح بين الأصوات المفخمة والمرققة وتحتفظ بأصوات سامية قديمة اندثرت وتغيرت.

ثانياً: البعد الحسابي والرمزي وله عدة فروع:
١. القيم العددية: مثل الأبجدية القديمة، فلبعض الحروف قيم عددية (على غرار الجمل في العربية والعبرية) لكن لايوجد بها نظام حسابي روحي موثق رسمياً عند قدماء اليمن يشبه علم الحروف الصوفي المتأخر.
٢. الهندسة الشكلية: حروف المسند ذات طابع هندسي صارم (زوايا خطوط، مستقيمة) لدرجة أن بعض الباحثين يرون أن هذا مرتبط بالنقش على الحجر وتناسب طبيعته معه. هناك دراسات حديثة اكتشفت ارتباط أشكال الحروف بالرمزية الشمسية والإتجاهات الفلكية، لكنها تبقى ضمن فرضيات بحثية وليست حقائق مثبتة قطعياً.
٣. البعد الفلكي والزمني: في النقوش السبئية وُجِد ارتباطات بينها وبين حسابات موسمية منها: التقاويم الزراعية – دورات القمر – مواسم الأمطار. بعض النقوش تتضمن اشارات فلكية، لكن الحروف نفسها لم يُثبت علمياً أن لها (طاقة فلكية) خاصة وإن كان هناك من يطرح ذلك في أدبيات معاصرة غير أكاديمية.
٤. البعد الطقوسي والديني: المسند استخدم في مجالات معينة مثل نقوش نذرية -أدعية للآلهة- توثيق الطقوس. من الآلهة التي ذُكرت في النقوش: المقة وعثتر ومن هنا تظهر قيمة الحروف كوسيط مقدس للتوثيق الديني لا كمركز ميتافيزيقي مستقل.
٥. البعد الطاقي والروحاني (الطرح المعاصر): ظهرت في العصر الحديث اتجاهات تربط حروف المسند بجوانب مختلفة منها: الطاقة الحيوية -الذبذبات الصوتية- الهندسة المقدسة، لكن يجب التفريق بين الدراسات الأكاديمية الأثرية (الموثقة علمياً) وبين الطرح الروحاني الحديث (اجتهادات غير مثبتة تاريخياً).
٦. البعد الحضاري – الهوياتي: حروف المسند اليوم تستخدم رمزاً للهوية اليمنية القديمة -تدخل في الشعارات والنقوش الفنية- تدرس في أقسام الآثار واللغات السامية.

نماذج من العادات المتبعة في شرق الجزيرة وثقها الخط المسند:
ما لُوحظ من الكتابات فيما عثر عليه من شواهد قبور او نقوش على الجبال أو غيرها هو أن صاحب النقش يبدأ بإسم صاحبه وإسم أبيه ثم قبيلته وأحياناً إسم العائلة أو العشيرة قبل القبيلة. ومن بين القبائل: (آل شوذب، وآل خذن، وآل كرو، وآل ينخ، وآل سعد)، كما لوحظ أن أغلب المكتشفات منها في شرق الجزيرة تخص النساء وهذا دليل على تبوؤ المرأة منزلة اجتماعية مرموقة ولم تكن النظرة لها قاصرة في حياتها أو ممارستها. وقد لوحظ أيضاً أن النقوش في هذه المنطقة لم تحتوي على أي نصوص دينية ما عدا النقش المحفوظ برقم ٤ والذي يشير فيه صاحبه إلى قيامه بتقديم قربان لمعبوده (يغوش) وكذلك النقش رقم ٥٩ الذي اكتشف في مليحة بالإمارات وقد نقش بخط الزبور أشار إلى قيام صاحبه بتقديم قربان وهو عبارة عن صحيفة معدنية لمعبودته (اللاة)، أما البقية فلا تشير إلى أي مدلول ديني وهذا على عكس ما أشارت إليه النقوش الجنوبية والشمالية القديمة من تقديم قرابين أو هدايا للمعبودات.

وقد ذُكِرت في متون بعض هذه النقوش أسماء بعض المعبودات مثل: (اللاة وثماس وأبلت وعتف ويغش)، كما أن فيها بعض التوسلات لحماية الموتى وقبورهم من السطو والتدمير وقد ذكرت بعض أسماء الإعلام المركبة مثل: (عبد خاطر و تيم مناة و أوس يعفان و أمت هن ألت: “أمة اللاة” وأمة رضو و عبد تنين)، بينما في شرق الجزيرة العربية لم تتعرض تلك النقوش لأي كيان سياسي آخر في هذه المنطقة. إن هذه النقوش لم يقتصر استعمالاتها على شواهد القبور والنصب فحسب بل وقد استعملت أيضاً في المعاملات التجارية والعقود والمواثيق والنصوص القانونية ونصوص القرابين الخاصة بالعبادات والتدوينات السياسية والإقتصادية والمراسلات ذات العبارات القصيرة التي دلت عليها وجود ألواح خشبية عثر عليها لاحقاً.

إن طبيعة الزوايا المستقيمة لخط المسند جعلته مناسباً لنقشه على الأحجار والمعادن لذا فإن أغلب ما وصل لنا منه هو المحفوظ على الحجر بينما الكتابة على المواد السريعة التلف كالجلود والأخشاب لم تصمد لتدوم طويلاً وإن كانت شبه معدومة.

باحث الآثار السعودي الأستاذ موسى الرضوان الذي عمل في المتحف الإقليمي بالدمام وله جولات عديدة في التنقيب عن الآثار في المنطقة لعدة سنين وله عدة تحليلات واكتشافات مع زملائه وهو من أهالي أم الحمام بالقطيف؛ إنه يذكر ملاحظة هامة قد تنبه لها وهو وجود علاقة ربط بين مناطق مختلفة متمركزة حول منطقة القطيف، وهي أن هناك شاهد قبر لإمرأة تدعى إيليا بنت شوذب (والذي يُكَتب شذب بعد حذف الواو)، هذا الشاهد الذي تم اكتشافه في قلب القطيف والذي كان معه تمثال لطفلة يحمل إسم له مدلول ديني بمعنى: (القدس) وهو شاهد قد امتاز بصفة ليست موجودة في جميع نصوص النقوش المسندية فهو مسطر بخطوط قبل كل سطر كتابي وبعد كل سطر! أي أن هذا الشاهد يحتوي على خمسة سطور من كتابات المسند وقبل وبعد كل سطر هناك خط مسطر.

إن الملاحظة التي يشير إليها الأستاذ موسى هي أن نفس هذا الإسم (شذب: شوذب) وُجِد أيضاً في تاروت وهذا ليس بغريب فهو يعد في نفس المنطقة ولكنه تكرر أيضاً وجود كتابته خمس مرات على شواهد قبور في مناطق مجاورة للقطيف وإن كانت تلك المناطق هي في الأصل ضمن منطقة القطيف حتى عهد قريب حيث أنه وُجِد أيضاً بنفس اللفظ في جاوان إحدى ضواحي صفوى وكذلك في ثاج. وإسم شوذب هذا هو إسم قبيلة منتشرة في هذه المناطق ما يدل على أنها منطقة واحدة تقطنها قبيلة واحدة في تلك الآونة.

لقد كانت جميع تلك الشواهد محفوظة عند بلدية القطيف حين بداية اكتشافها حيث كانت البلديات في تلك الآونة هي الجهات المسؤولة عن الآثار في كل منطقة من المناطق السعودية.

موطن نشأة خط المسند الأصلي وتفرعاته:
خط المسند هو نظام كتابة أبجدي قديم لشعوب جنوب الجزيرة العربية نشأ قبل الميلاد بألف سنة تقريباً ويرجح بعض العلماء أنه انحدر من لغات سامية منقرضة تفرعت للأبجدية الكنعانية السينائية الأولى وموطن نشأته الأولى الرئيسية هو مملكة سبأ باليمن وقد انتشر في مناطق شاسعة في الشمال والشرق والجنوب الغربي حتى وصل حوران ومنها إلى رملة السبعتين ومن غرب العراق إلى دلتا مصر.

تاريخ نشأتة
وعن تاريخ تشأته الأولى فإن الخبراء يقسمونها إلى عدة مراحل:
المرحلة الأولى: بداية نشأته (حوالي ١١٠٠ – ٨٠٠ قبل الميلاد) تميزت بالبساطة وقلة النقوش، وأما أبعد حد للبدايات فإنه تشكل بين القرنين ١٢ و ١٠ قبل الميلاد وأن اقدم نقش يعد موثقاً يعود إلى القرن ٩ – ٨ ق.م.
المرحلة الثانية: الازدهار المبكر (٨٠٠ – ٥٠٠ ق.م.) حين استخدمت الممالك الجنوبية القوية (سبأ ومعين) الخط المسند رسمياً. ازدياد النقوش الحجرية على المعابد والسدود والطرقات. ظهور نسق موحد نسبياً للكتابة.
المرحلة الذهبية: (من ٥٠٠ ق.م. – ٣٠٠ ق.م.) وهي أكثر فترة في الغزارة من حيث كمية النقش.
في هذه الفترة ازدهرت ممالك قتبان وحضرموت وحمير ووفق ذلك تطور أساليب الكتابة كما ويعود لهذه الفترة نقش النصر السبئي ونقوش ملوك قتبان ومعين.
المرحلة المتأخرة: (٣٠٠ – ٥٥٠ م) عهد سيطرة حمير وظهور نقوش ملكية كثيرة مثل نقوش شمر ويهرعش وكرب وإل وتر المتأخرة وتطور خط المسند إلى أشكال بأكثر زوايا وصرامة.
مرحلة الأفول: (حوالي ٥٥٠ – ٦٠٠م) انتشار الحميرية المتأخرة ثم دخول المسيحية وتراجع الخط لصالح الخط العربي الشمالي.

آخر النقوش الكبيرة تعود إلى زمن ابرهة الحبشي في القرن السادس الميلادي واندثار الاستخدام الرسمي بعد ظهور الإسلام بوقت قصير.

أهم النقوش المعروفة بخط المسند:

نقش سد مأرب (اقدم طبقات السد): يرجع اقدمها للقرن الثامن إلى السابع ق.م. وهو يوثق بناء وصيانة سد مأرب.
النقش السبئي: نقش النصر السبئي (لمكرب سبأ كرب إل وتر الأول). من اشهر النقوش يوثق حملات عسكرية توسعية يعود للقرن ٧ – ٦ ق.م.

نقوش معين العاصمة (قرنو/ معين): نقوش تجارية وسياسية مهمة تظهر صلات العرب الجنوبيين بالطرق التجارية.
نقوش قتبان (تمنع): أشهرها نقش الملك يدع أب ذبيان ونقوش المعبد القتباني وتقدم مادة لغوية غنية.
نقوش حضرموت (شبوة): نقوش معابد ومراسيم ملكية مثل نقوش الملك العزيلط.
نقش الجامع الكبير بصنعاء (نقش حجر/ حجر اسماعيل) نقش سبئي: نقش سبئي مهم موجود في جدار الجامع ويرحج انه من فترة حميرية متأخرة.
النقوش الحميرية المتأخرة: مثل نقوش الملك شمر يهرعش وهي توثق توسع حمير وتتسم بحرفية عالية.
نقش ابرهة الحبشي (نقش مريغان): من أشهر نقوش خط المسند على الإطلاق يقع في محجة مريغان قبل الطائف وسيرد ذكره مفصلاً.

وعن بدء مسار الخط المسند وانطلاقه من الجنوب كمحطة لنشأته وانطلاق انتشاراته وتسميته بالمسند الجنوبي الذي تفرع فيها إلى عدة فروع هي: السبئي والمعيني والقتباني والحضرموتي والحميري وهو في الأساس خط المسند المعتمد والرسمي عالمياً، وقد تم تسجيل وجود أكثر من خمسة عشر ألف نقش مسند في اليمن ومنها نحو ستة آلاف نص مرقم وموثق ويُعتَقد أن آلاف النقوش ماتزال مطمورة – غير موثقة أو في مناطق لم تنقب عنها في اليمن وأيضاً في أنحاء الجزيرة العربية، وإن موجودات نقوش اليمن تشكل ما بين 80 % إلى 90 % من عامة نقوش المسند المكتشفة، وحالياً هناك مشروع تُجَرى فيه دراسات على أكثر من أربعة آلاف شاهد في أحد مواقع اليمن الجنوبية من قبل هيئات عالمية وهي مستمرة منذ عام ٢٠١٩م لا تديرها جهات يمنية فقط لكنها تعاونية بين جامعات ومعاهد بحثية أوروبية ويمنية وعالمية من ابرزها إيطاليا (منها جامعة بيزا) وتعمل معها مختبرات (CSAI) إلى جانب مساهمات علماء من مؤسسات اخرى اكاديميون اوروبيون وباحثون من جامعات اوروبية ووسط آسيا وعرب يمنيون وقد تم توثيق قسم كبير ضمن ال (CSAI) وهناك المنشور عنه أو تحت الدراسة أو ما يُجرَى جمعه من الحفريات والتنقيبات الميدانية.

خريظه انطلاق الإنتشار

أولاً: أول انطلاقة لانتشار الخط المسند ونقوشه من الجنوب هو توجهه نحو الشمال: بمحاذاة البحر الأحمر إذ كانت قاعدة انطلاق رحلتة وقبل وصوله إلى المناطق الشمالية التي اتخذها موطن آخر له ومنها تفرع انتشاره لجهات أخرى وهي بعد اجتيازه منطقة نجران (الأخدود) تاركاً فيها كنزاً كبيراً من آثار نقوش الخط المسند المُثري في عالم الآثار حيث عُثِر فيها على مئات من النقوش السبئية والحميرية.

ومن أبرز نقوش نجران نقش كبير محفور على حجر جرانيت بطول حوالي ٢٣٠سم ويصل ارتفاع الحرف فيه إلى نحو ٣٢سم ويعد أطول نقش مسندي عثر عليه حتى الآن في هذه المنطقة، وهو ينسب إلى شخص محلي يقيم في الموقع واسمه وهب إيل بن ماقن (وهب إل /بن/ ماقن/ …) ويتضمن ذكر أعماله مثل سقاية منزله أو قصوره كوظيفة له وهي مخطوطة في سطر واحد طويل محفورة بالحروف المسندية على حجر من الجرانيت. هذا ماذكره الدكتور محمد بن علي الحاج في كتابه: (في تاريخ نجران قبل الإسلام) والذي جمع فيه حوالي مئة نقش مسندي، كما وقد صنف هذا الكتاب المواضيع التي تناولتها هذه النقوش المسندية التي منها:

  • نقوش تذكارية شخصية: مثل الأسماء وأدوار أصحابها في المجتمع.
  • نقوش نذرية أو دينية: تشير لأسماء الآلهة أو افعال نذرية معينة.
  • نقوش معمارية انشائية: تدل على بناء أو صيانة منشآت أو أعمال سقاية.
  • نقوش تشريعية/إدارية: داخل مجموعات تخطيط الموقع.

وفي مواقع أخرى من نجران بجانب الأخدود قد احتوت على نقوش صخرية وأنماط كتابية أخرى مثل الثمودي توزعت عبر جبال ووديان المنطقة مثل جبال الكوكب والذرواء والنظيم وعان جمل وعان ذباح بالإضافة إلى نطاق واسع يمتد من آبار حمى إلى وادي تثليث وعدد من المواقع الصخرية الممتدة، ومن بعض النصوص المكتشفة في الإخدود – مثلاً:
عقرب/ ازدم. وهناك نقوش عديدة لا يسع التوسع في تفاصيلها.

ومن نجران ومرورا بجازان فقد ترك له فيها بصمات عُرِفت فيها بالخط العربي الجنوبي القديم إذ عُثر في منطقة جازان على عدد من الاكتشافات الأثرية ذات الطابع السبئي والحميري. وأهم مناطق مكتشفات المسند في جازان في وادي بيش عُثر فيه على نقوش مسندية على الصخور تشير إلى أسماء أشخاص وقبائل، وأنشطة زراعية أو تنظيمية
تدل على أهمية الوادي كممر تجاري وزراعي قديم، وفي جبال فيفاء والعارضة وُجدت كتابات مسندية على الصخور الجبلية تعكس استقرارًا بشريًا قديمًا، وفي صَبْيا وما حولها: اكتُشفت شواهد ونقوش قصيرة بالمسند مرتبطة بالطرق التجارية القديمة التي كانت تمر عبر تهامة وقليل منها في جزر فرسان، لكن أغلبية نقوشها يونانية ولاتينية مع القليل من شواهد كتابية مسندية جنوبية قديمة لكنها غير وفيرة.

ومن نماذج الخط المسند المكتشفة في جازان كانت من وادي بيش وفيفاء والعارضة وكانت جميعها عبارات قصيرة فمن وادي بيش تم العثور على نقش بالمسند ترجمته (أحمد) اسم شخص لإثبات تملك مرور او تملك، كما عثر على نقش ترجمته (مر ابن أمل) او ملك أمل إذ ان كلمة مر تستخدم احيانا للدلالة على شخص ذي مكانة أو رب أسرة، وعثر على نقش ديني (نذر بسيط) لكلمة (ح ر م ل) بمعنى (حرم الإله): أي نذر أو تخصيص شيئاً للمعبود. وهناك نقش قبلي مختصر من جبال فيفاء معناه: (ارحم) وهو اسم قبيلة أو اسم جد.
وهناك نقش لطريق مرور بمعنى:(حَمِيَ) أي طريق محمي أو اسم موضع. هذا بعض ما تركته نقوش خط المسند في جازان وهو يشق طريقه نحو الشمال ماراً على الحجاز.

وقبل وصوله للطائف فقد ترك نقش لإبرهة الحبشي (نقش مريغان) وهو من أشهر نقوش خط المسند على الإطلاق والذي يقع في محجة مريغان بالقرب من بئر مريغان وهو يوثق حملة ابرهة الحبشي منقوش على جبال القهر (القهرة) على درب البخور في عسير بين تثليث ونجران والمعروف بدرب القوافل أيضاً بين تيماء والحجر حيث يوضح اعتزام ابرهة وهو في طريقه للقيام بحملة الفيل لهدم الكعبة وقد تم نقشه قبل حادثة الفيل بـ ١٨ إلى ٣٢ سنة.

لقد تم تسجيله عالمياً تحت رقم Ryckmahs 506) (RY 506)), والذي سُجِل فيه أهداف الحملة وقد كشفتها بعثة كونزاك ريكمانز (Ryckmans) في أوائل خمسينات قرن العشرين، وريكمانز هو عالم متخصص في اللغات السامية وقد استطاع أن يقرأ النقش ويترجمه إلى الفرنسية.

هناك البعض من الخبراء وأصحاب الشأن في هذا المجال لا يرون ان هذا النقش متعلق بحملة الفيل نفسها التي قام بها ابرهة الحبشي لهدم الكعبة وإنما هي حملة أخرى قام بها ابرهة ضد قبائل في وسط الجزيرة العربية ويستدلون بذلك أنه تم نقشها قبل حملة الفيل بسنين عديده (تتراوح بين ١٨ و ٣٢ سنة) وكذلك انه وثق فيه صراعاته مع القبائل العربية مع أن النقش واقعاً كان يذكر ما كان يعتزم القيام به من أمر هدم الكعبة.

وبعد ذلك يمر بيثرب (المدينة المنورة) ليترك فيها أيضاً بعض الآثار البسيطة حيث عُثِر فيها على نقش لحياني (داداني) قد حُفِرت حروفه على حجر رملي وهو أحد فروع الخط المسند الشمالي.

ويتابع خط المسند سيره نحو الشمال ليشق طريقه عبر تيماء ودومة الجندل تاركاً في كل منها العديد من آثار تلك النقوش فيواصل المسير شمالاً دون توقف حتى يصل المنطقة التي اتخذها له مستقراً ومركزا للتوسع في استخدامه ومصدراً لإعادة توزيعه ونشره بحلته الجديدة وبهذا فقد صُنِّف بأنه القسم الثاني لهذا الخط فعُرِف بمسمى المسند الشمالي حين استقر في منطقة تكوين بنيته الجديده وهي منطقة العُلا موقع التبني فانتشر في أنحائها ومن ثم شَكَلَ قاعدة انطلاق جديدة للإنتشار في كل النواحي في أنحاء الجزيرة العربية وشمالها وشمال شرقيها وإن كان في الأساس لم يمثل خط مسند مستقل مختلف أو حتى فرعي مُعتَرف به عالمياً لولا كثرة استعماله وانتشاره في الشمال وتغيير بعض ملامحه وقوة حضور مآثره من النقوشات الجمة المُكتشفة جعلت الجهات العالمية المسؤولة عن توثيقه أن تعترف به كفرع ثاني من خط المسند وبذلك عُرِف بالخط المسند الشمالي وخصوصا بعد أن تأثر بلغة المنطقة التي انتشر فيها حين طرأت عليه بعض التغيرات متأثرا بالخطوط الشمالية الأخرى فظهرت له صفات جديدة تميزه عن خط المسند الأصلي.

ومن منطقة العلا أيضاً ظهرت له عدة أفرع هي: الثمودي والداداني واللحياني والصفائي (Safaitic) حيث تم توثيق أكثر من خمسة وعشرين ألف نقش أثري تم العثور عليها في مواقع مختلفة في العُلا ويمتد تاريخها من العصر الحديدي إلى الفترة الإسلامية المتأخرة وفقاً لما وثقته هيئات الآثار والمشروع الوطني لتوثيق النقوش، وضمن تلك النقوش هناك نقوش كتبت بعدة لغات قديمة من بينها نصوص شمالية -عربية مثل دادا نيتيك ولحيانية وثمودية ونبطية وغيرها وكانت منطقة الإكتشاف متمركزة أغلبها في جبل الحكمة ومن ضمنها أيضاً ٣٠٠ نقش حجري يعود للقرن الأول قبل الميلاد، كما أنه وصل امتداده إلى تيماء أيضاً التي وجد فيها نقوش مسندية وتجارية.

إن هذا الإنتشار الواسع لم يتوقف عند هذه المحطة بل استمر في انتشاره نحو الشمال ليصل إلى منطقة وادي الجوف (قرناو – الحالية الجوف الجنوبية) وكانت أقدم نقوشها تعود إلى القرن ٦- ٥ قبل الميلاد وقد كانت خصائص ذلك الخط فيها مرتبطة بالتجارة بسبب مرور القوافل التجارية فمعظم نصوصه عقود تجارية.

لم تك الجوف هي آخر محطاته شمالاً وإنما استمر في تغلغله بنفس الإتجاه حتى وصل الأردن وبادية الشام كما وقد اتخذ مساراً يرجع فيه نحو الجنوب ولكن بميول إلى الشرق إلى مناطق نجد ثم الوصول إلى شرق الجزيرة العربية حيث مناطق سواحل الخليج العربي التي عثر فيها على بعض نقوش المسند الشمالي، وبذلك فقد تمت إضافته رسمياً وعالميا بجانب الخط المسند الجنوبي تحت مسمى (خط المسند الشمالي) وإن كان في الأساس هو خط واحد وهو الجنوبي ولكن تمت إضافته ليصبح هناك نوعان من خط المسند بحسب الإعتماد الرسمي من قِبَل منظمة الأمم المتحده اليونسكو والجهات الأخرى المسؤولة عن توثيقه من هيئات ومراجع وبحوث علمية ولم يكن هناك أي تقسيم أو أي نوع ولا حتى أي فرع آخر سوى هذين الخطين المسندين وهما بمسمى:

  • (نقش) الكتابة العربية الجنوبية (Ancient South Arabian Inscription). 
  • (نقش) الكتابة العربية الشمالية (Ancient North Arabian Inscription).

كانت تلك أكثر المناطق انتشاراً واستعمالاً لنقوش خط المسند، أما بقية المناطق وخصوصاً في وسط وشرق الجزيرة العربية فالإستعمال فيها قليل وخصوصاً في المناطق الوسطى إذا ما قورنت بالمناطق السالفة الذكر.

ثانيا: توجه انتشار خط المسند نحو غرب الجزيرة – إلى أفريقيا:
وتحديدا الجنوب الغربي حيث اجتاز البحر الأحمر من الجنوب عند مضيق باب المندب ليصل إلى جنوب أفريقيا حيث تستقبله ارتيريا وأثيوبيا ومنها تم اكتشافات لنقوش قديمة تعرف بمرحلة ما قبل الجعزية أي قبل اشتقاق حروف الجعز (Ge’ez) من المسند لتتناسب مع الكتابة الجعزية المستعملة في أثيوبيا وأرتيريا والتي لاتزال مستعملة حتى اليوم، وقد عُثر على كسرات فخارية مكتشفة فيها قد قُدِّر تاريخها بأواخر الألفية الثانية قبل الميلاد.

نتيجة الإحتكاك اليمني – الأفريقي وصل الخط المسند إلى ما يعرف بالقرن الأفريقي بسبب الهجرات اليمنية المبكرة نحو السواحل المقابلة (القرن الأفريقي) وبسبب السيطرة الحميرية/السبئية المؤقتة على أجزاء من القرن الأفريقي ولا سيما خلال فترة الصراع مع ممالك اكسوم. والمقصود بالأكسوم في اثيوبيا (Auxm أو Aksum) هو نسبة لمدينة تاريخية قديمة جداً كانت عاصمة مملكة أكسوم، إحدى أعظم الحضارات في أفريقيا والعالم، وبين القرن الأول والسابع الميلادي نشطت قوة تجارية كبرى بين أفريقيا والجزيرة العربية والهند والبحر المتوسط وكذلك من ناحية أخرى النشاط التجاري البحري عبر البحر الأحمر.

لقد كانت حلقة الربط هنا هي مملكة اكسوم ذات القوة الإقتصادية الكبرى حيث بلغ بها الأمر أنها سكَّت عملتها المستقلة الخاصة بها بالإضافة إلى أهميتها الدينية فهي مدينة مقدسة عند المسيحيين الأرثودوكس في أثيوبيا، وبهذا ندرك مدى أهمية هذا الدور في تدشين خط المسند وانتشاره في أرجائها. كانت أرتيريا الأكثر احتواءًا على الخط المسند حيث عُثِر على نقوش في مارتا وقنداع يعود تاريخها إلى القرن ٢- ٣م وهي فترة الحضور الحميري في تلك المنطقة. لقد اعتمد الأثيوبيون (الأكسوميون) استعمال خط المسند قبل أن يطوروا كتابتهم الخاصة بهم وهي الجعزية والتي تحمل أثراً واضحاً من ملامح وصفات خط المسند.

وأما جيبوتي وشمال الصومال فلأن تجارتها البحرية مع اليمن كانت محدودة فقد أصبح وفقاً لذلك محدودية في انتشار خط المسند فيها أيضاً. وعموماً فإن انتشار خط المسند في أفريقيا كان محدوداً ولم يتخذ نظاماً كتابياً رسمياً في أفريقيا انما بقي استخدامه مرتبطاً بالمستوطنات اليمنية أو مراكز النفوذ التجارية رغم أنه شارك بشكل كبير وفعَّال في تطوير الأبجدية الجعزية (Ge’ez) المستخدمة اليوم في أثيوبيا وارتيريا المشتقة مباشرة من الخط المسند مع حدوث تعديلات محلية لاحقة.

لم تدم استمرارية استعمال الخط المسند طويلاً في تلك المناطق لأسباب انحسار النفوذ اليمني بعد صعود مملكة اكسوم وتطور الجعزية التي أصبحت نظاما كتابياً مستقلاً وأكثر ملائمة للغات المحلية فالأفريقيون لم يستعملوا جميع حروف المسند بل استخدموا الحروف التي تلائم لغاتهم من حيث النطق ثم طوروها لاحقاً إلى نظام كتابي مستقل يواكب الأصوات التي في لغاتهم، وأما الحروف التي لا تمثل الأصوات في لغاتهم فقد استبعدت أو بدلوا نطقها لتحل محل اصواتاً أخرى هي في لغتهم

فليس في العربية -مثلا- حرف السين “السامخ” (nazalized Š) أو كما تُعرَف بالسين الثالثة وهي السين الأنفية أو العالية لأنها مدغمة مع ما يشبه صوت النون والتي تظهر واضحة في بعض اللغات الأفريقية كما هو في أرتيريا وأثيوبيا والحبشة وفي مناطق أفريقية أخرى ففي هذه الحالة يحدث اختيار ما يناسبها من حروف المسند.

ثالثاً: اتجاه انتشار خط المسند نحو وسط الجزيرة العربية:
ولعل هذه المنطقة الأقل نصيباً من حيث احتوائها على وجود آثار لنقوش الخط المسندي حسب الإكتشافات مع ان وجودها في تلك المنطقة يعد مؤشراً لعدة امور منها أن وسط الحزيرة العربية ليست معزولة عن الاتصال بالحضارات وانها ليست مقتصرة على مجتمعاً بدوياً صرفاً بل متصلة بشبكات طرق تواصلية تجارية نشطة ولذلك فإن وجود نقوش خطوط المسند كما يراها الكثير من الباحثين لهي خير دليل على وجود شبكات تعامل تجاري وبالأخص تجارة البخور واللبان وكذلك دليل على تنقل القبائل وتبادل الثقافات التعليمية بينهم بما فيها تعلم خط المسند وكذلك وجود محطات الاستقرار أو المواسم الدينية والتجارية وهذا يعني أن هذه المنطقة جزءًا من شبكة اقليمية متصلة لا هامشية خارج التاريخ مع وجود تنوع ثقافي في قلب الجزيرة العربية بدليل وجود خط المسند إلى جانب انماط كتابية اخرى متنوعة كالثمودية والصفائية والنبطية وكذلك الشمالية الدادانية (اللحيانية)،،،

وهناك بعض النقوش التي ذكرت اسماء أشخاص أو جماعات من قبائل نجدية مرتبطة بأخرى خارج نطاقها تربطها بها علاقات دينية أو سياسية مع أن وجود نقوش الخط المسند فيها ليس مكثفاً ولكنه مكتشف في طرق القوافل وأولها: قرية الفاو (قرية ذات الكهل) جنوب غرب نجد تقع على تخوم الربع الخالي وكانت عاصمة مملكة كنده الأولى (تقريباً من القرن الأول قبل الميلاد إلى الثالث الميلادي) جنوب وادي الدواسر في منطقة جنوب غربي الرياض وكانت مركزاً تجارياً وثقافياً مهما مشكلة حلقة وصل بين شمال وشرق شبه الجزيرة العربية وجنوبها.

يحتوي الموقع على اعداد كبيرة من النقوش الصخرية والكتابات الموثقة لحياة السكان ومعتقداتهم وتجارتهم ونظمهم اللغوية. ومن مكتشفات النقوش المسندية:
١. نقش مسندي اكتشف في وسط منطقة الفاو يعود تاريخها إلى القرن الأول قبل الميلاد وهو من أقدم النصوص العربية بخط المسند ويدل نصه على أن من كتبه شخص يدعى (ايجل بن حافام) وقد كتبه على قبر احد أفراد اسرته ويعتبر أقدم نقش مسند بنص عربي.
٢. مجمرة حجرية (قاعدتها فقط) من الحجر الكلسي كُتِب عليها بنقش مسندي تعود إلى ما بين القرن الرابع والقرن الأول قبل الميلاد ومضمون نصها يشير إلى جزءٍ من الحياة اليومية والدينية المُتَّبَعة في الفاو القديمة. إن هذه المكتشفات البسيطة ذات مدلول على التواصل الحضاري والتجاري بين الفاو واليمن والمناطق الجنوبية والشرق الأوسط.
٣. وجود كتابة عربية قبل الاسلام ولكن بأبجدية مختلفة عن العربية الحالية دينية ثقافية وأسماء الآلهة والأسر والعادات الاجتماعية في تلك الحقبة.
٤. نقوش كشواهد مباشرة على تطور الأبجدية العربية في الجزيرة قبل الإسلام.
٥. نقوش بمعلومات عن اللغة والعلاقات الإجتماعية والأسواق والديانات التي كانت معتنقة في الفاو القديمة ودلالة على أنها حلقة وصل بين حضارات مختلفة في شبه الجزيرة العربية وخارجها.
٦. تم تسجيل ٩٨ نقشا صخرياً في الموقع الأثري وتشمل الكتابات الجنوبية (المسند) الثلثمية وكتابات عربية لكن لا يعني أن جميعها مكتوبة بخط المسند فقط وانما مجموعة النقوش المسجلة لجميع خطوط ما قبل الإسلام جزء منها بالخط المسند الشمالي وجزء منها بالجنوبي وبشكل واضح وأجزاء أخرى محلية أو بدوية.

وانتقالا من أقصى الطرف الجنوبي للمنطقة الوسطى الى أقصى طرفها الشمالي – تحديداً ووصولاً إلى القصيم التي تم العثور فيها على نقشين دادانيين (لحيانيين) من الخطوط المسندية الشمالية القديمة وذلك في موقع الدليمية والتي نُقِشت على صخرتين وهي من أقدم النقوش المسندية الدادانية أحدهما بخط مبكر والآخر بخط متأخر.
فالمنطقة الوسطى بشكل عام قد شكلت نقطة اتصال بين الشمال والجنوب وحوت أرضها آثاراً لخط المسند الشمالي والجنوبي ولكنها الأقل نصيباً من حيث الإحتواء.

رابعاً: توجه خط المسند نحو شرق الجزيرة العربية ومناطق الخليج العربي وشماله:
من حضرموت؛ قاعدة الإنطلاق من الجنوب نحو شرق الجزيرة العربية ومناطق الخليج العربي بدءًا من عمان ومرورا بالإمارات – حيث موقع مليحة (امليحة) الأثري فالحدود السعودية في الأحساء وبقيق والظهران والقطيف ومناطقها وما حولها كصفوى وجاوان وكذلك في رأس تنوره وثاج والحناة ثم بعد ذلك البحرين والكويت حيث جزيرة فَيْلَكا وحتى العراق في منطقتي أورك وخربة الدينية بالأنبار.

رغم قلة مكتشفات نقوش الخط المسند نسبياً في جميع دول الخليج العربي ومناطقها ومدنها مجتمعة (باستثناء عمان لكون متاخمتها للمصدر) إلا أن منطقة الخليج وبالأخص شرقية المملكة العربية السعودية هي الأكثر احتواءًا على أعداد المكتشفات لنقوش الخط المسند والأكثر تنوعاً من بعض المناطق المجاورة كالمنطقة الوسطى وما جاورها حيث وصل عدد مكتشفات نقوش الخط المسند في شرق الجزيرة العربية ودول الخليج والتي يؤكدها أيضاً ما جاء في إحصائية الدكتور سعيد فايز السعيد استاذ اللغات القديمة بقسم الآثار في كتابه “مدونة نقوش شرق الجزيرة العربية القديمة” والذي توافقت فيه بحوثه مع جميع نتائج بحوث الخبراء المحليين والعالميين في أن عددها يتراوح بين الستين والسبعين نقشاً بالخط المسندى توزعت بين المناطق الآنفة الذكر وأن أغلبها اكتُشِفت في مناطق ثلاث وهي حسب الأولوية في ثاج أولاً وفي القطيف ثانياً وفي مليحة بالإمارات ثالثاً.

إن هذه الأعداد من المكتشفات لا تعني أنها الأرقام الأخيرة حيث لاتزال أغلب مناطقها لم يتم فيها بدء التنقيب الخاص بالنقوش بالإضافة إلى ما اكتشفه الكثير من الأهالي وقد جهلوا قيمته وبالتالي كان مصيره التلف والضياع، إضافةً إلى ما تعرضت له بعض المناطق من عبث وسرقات وما قام به كثير من الأجانب بترحيل كثير من القطع الأثرية الى بلدانهم خفية ، واكبر دليل هو ما رصدته لنا إحصائيات الباحثين السعوديين عن تلك القطع التي تمكنت الجهات السعودية المسؤولة عن هذا الشأن من استرجاعها من دول عالمية مختلفة وقد تم توثيقها جميعاً موضحة بالصور في الكتاب الذي ذكر جميع ما استُرجِع منها والذي أعدته الهيئة العامة للسياحة والآثار بعنوان (دليل المعرض الأول للقطع الأثرية السعودية المستعادة) والتي تم تهريبها خلال القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين سواء عن طريق الرحالة الاجانب أو عن طريق موظفي الشركات الأجانب الذين قدموا للعمل في التنقيب عن النفط أو عن طريق لصوص الآثار الذين قاموا بنبش المواقع الأثرية وغير ذلك للاحتفاظ بها أو إهدائها أو بيعها على المتاحف العالمية.

وقد بدأ الشروع والمبادرة إلى إستعادة الآثار بعد انشاء إدارة الآثار عام ١٣٨٣ هجري، ثم بدأ السعي وراء ذلك بمساعدة كل من الوزارة الخارجية والانتربول وقد نجحت هذه المساعي وعادت هذه القطع إلى موطنها عام ٢٠٠٢م بعد أن تم حفظها في متحف الساميات في جامعة هارفارد استعداداً لإرجاعها، وقد تم تصنيفها إلى مجموعات بأسماء من كانت في حوزاتهم كمجموعة عبدالله فلبي ومجموعة جريس برك هولدر ومجموعة مارني جولدنج ومجموعة بارجر ومجموعة ريتشارد ومجموعة كنز الشعبية ومجموعة ستيوارد ماكمن، وقد كان من ضمن تلك القطع الأثرية المغيبة أيضاً بعض نقوش الخط المسند التي ساعدت جميعها على رفع أعداد حصيلة القطع الأثرية بما فيها النقوش المسندية وغيرها وسيرد ذكرها.

توضيحات حول إحصائيات المكتشفات الخليجية:
كما سبق ذكره في استثناء احصائيات مكتشفات المسند في عمان لكونها متاخمة للحدود اليمنية وكذلك وجود التواصل الثقافي والتجاري المباشر فعمان ليست في عزلة عن حضارة جنوب الجزيرة في ذلك العصر ومع ذلك فإن أعداد المكتشفات فيها يعتبر قليل جداً لاتصالها بالمصدر مباشرة وانتقال كتابة الخط المسند منذ وقت مبكر لذا فإن ظفار الواقعة جنوب عمان كانت الأكثر تأثراً وارتباطاً حضارياً وسياسياً بممالك الجنوب لدرجة ان بعض الباحثين يرجحون أنها كانت ضمن النفوذ الحميري في فترات معينة، فبذلك قد توطد الجسر الثقافي الممتد بينهما، ومن الملامح الثقافية المشتركة هي كثرة وجود الخط المسند في ظفار وهي أكثر المناطق العمانية تأثراً وأكثرها استعمالاً لخطوط المسند حيث عُثِر على أغلب النقوش المسندية الصخرية فيها وكان أغلبها عبارات قصيرة احتوت على أسماء أشخاص وقبائل وإشارات دينية وتجارية.

أما في صحار ووسط عمان وشمالها مثل صمد فقد عثر فيها على نصوص صخرية قليلة أغلبها أسماء ورموز بلغ عددها بضع مئات بالإضافة إلى كتابات أخرى لا علاقة لها بالمسند، وفي منطقة اصطفية الواقعة شمال الدقم فقد عُثِرَ فيها على أكثر من مئتين نقش.

أما في شرق الجزيرة العربية لم يكن الإستعمال فيها للخط المسند بشكل واسع أو لعله لم تشأ الظروف الزمنية أن تحفظ لنا كل ما نقش فيها من جراء تعرضها للتلف مثلاً أو لعل باطن أراضيها لاتزال تعج بأعداد كبيرة منها لم تُكتشف بعد. لقد كان في المرتبة الأولى من المعثور عليه هو النوع الثمودي الأقرب للشمالي وبالأخص مكتشفات ثاج وقليل منه جنوبي.

وعند تتبع مسار انتشار الخط المسند نحو الشمال الشرقي بمحاذاة سواحل الخليج سنلاحظ أنه قد حط رحاله في في محطة جديدة أخرى هي مليحة (امليحة) منطقة تقع في أمارة الشارقة بدولة الإمارات في جانبها الشرقي وتحيطها الرمال وهي إحدى الوجهات السياحية لرحلات السفاري بها محميات طبيعية وبها مركز مليحة للآثار الذي يعرض تاريخ المنطقة الممتد من العصر الحجري ومن بينها تلك النقوش المسندية.

في هذه المنطقة تم العثور على عدد من نقوش الخط المسند الذي كان حينها متداول في هذه المنطقة وقد وثقها الدكتور السعيد في “مدونة نقوش شرق الجزيرة العربية القديمة” كما وصنفها في المركز الثالث في الخليج العربي من حيث عدد مكتشفات النقوش فيها بشكل عام إذ بلغ عددها تسعة نقوش ومن بينها نقشين بخط الزبور فيبقى سبعة من نقوش المسند.

ووصولاً للحدود الشرقية للمملكة العربية السعودية تطالعنا محافظة الأحساء حيث مدينة الهفوف وتحديداً على مسافة كيلو ونصف شرق جبل بري فقد تم العثور فيها على نقش واحد يحمل رقم التوثيق الرسمي (٥٨) متمثل في كسرة من لوح معدني كتب عليه كلمة واحدة وهي (ف ض ل: فضل) وهو في متحف الأحساء للآثار والتراث يعود إلى ما قبل الميلاد حيث تم اكتشافه عام ١٩٥٠م على يد عالم الآثار البريطاني فرد ڤي. وينيت (Fred V. Winnet) وهو باحث مختص بالكتابات القديمة في الجزيرة العربية وكان أول باحث استطاع أن يتعرف على هذا النقش الذي كُتِب بالخط المسند الجنوبي في الأحساء.

وفي عام ١٩٦٦م عندما قدم عالم الآثار البلجيكي إلبرت جام (Albert Jimme) إلى الأحساء ليقوم بدراسة تحليلية لتلك المخطوطة الوحيدة فقد اقترح تسميتها مبدئياً بالنقوش الأحسائية لكي يميزها عن النقوش الأخرى التي يقوم بدراستها للمقارنة وبهذا فقد حظيت برواج ذلك المسمى الشعبي حين صنفها ضمن النقوش العربية القديمة بمسمى: (Thamudic & Southern Arabian Musnad) ، كما وقد اقترح وضع تسمية خاصة لها بعنوان مؤقت هو:
(Sabaean and Hassean Inscription from Saudi Arabia) ، ثم اقترح اعطاء هذا الإسم لهذه المخطوطة بعد دراسته لها منذ البداية دون غيرها وقبل أن يقوم بدراساته اللاحقة لبعض نقوش المناطق الأخرى، ولكنه فيما بعد قد عمم هذا المسمى ليشمل جميع النقوش المسندية الأخرى التي قام بدراساتها تحت نفس المسمى وقد تم تثبيته بهذا العنوان وكان لهذا التأثير قوة بحيث أنه شمل جميع نقوش مناطق الخليج بأكملها ما جعل الإسم يروج شعبياً وينتشر وقد عمم الإسم فانتشر مسمى المسند الأحسائي، ولكنه لم يُثَبَّت أو يوثق رسمياً كما هو الحال بالنسبة للخط المسند الجنوبي وكذلك الخط المسند الشمالي الموثقان في اليونسكو.

لقد عزز هذا الانتشار أيضاً هذه الأيام ما تم إنشاءه في وسط ميدان نوره بنت محمد الموسى الواقع على امتداد محور طريق الملك عبدالله (في ضلعه الشمالي) الواقع شرق مدينة المبرز، وبتكفل من مؤسسة عبدالمنعم الراشد الإنسانية أيضاً وبالتعاون مع أمانة الأحساء فقد تم اكتمال بناءه وتدشينه حديثاً في ١٩ ديسمبر عام ٢٠٢٤ بحضور صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن طلال بن بدر آل سعود – محافظ الأحساء.

إن الهدف من بناء هذا المجسم أو الجدار الخرساني الشاهق البالغ ارتفاعه نحو ٣٩ متر تقريباً، أي ما يعادل ارتفاع مبنى من خمسة عشر طابقا، هو جعله رمزاً يحاكي لوحاً حجرياً بارزاً لخط المسند الجنوبي نُقِشت عليه جميع حروف المسند بحسب ترتيب الحروف الهجائية العربية وقد تمت كسوتة بألواح من الحجر الطبيعي ليكون أقرب إلى أشكال أحجار النقوش المسندية الأصلية، وبهذا فقد اعتمده الكثير على أنه ضمن محتويات أرض الأحساء من نقوش الخط المسند.

وفي طريقنا باتجاه الشمال في الجهة الشرقية من المنطقة الشرقية مرورا على بقيق فقد تم العثور على نقش واحد على مسافة تبعد عدة كيلو مترات من الجهة الشمالية الشرقية قبل الوصول لشاطئ الخليج.

نتابع الآن مسيرنا شرقاً وننعطف بعدها نحو الجنوب لنصل إلى الظهران من جهتها الجنوبية حيث تم العثور على نقش واحد فقط يشكل ختم بيضاوي الشكل وقد نقشت عليه كلمة واحدة فقط بالخط وهي م ر ن بمعنى: مران ويحمل هذا النقش الرقم الرسمي (٤٩) والجهة المحتفظة به هي هيئة السياحة والآثار.

ونتابع السير نحو الشمال بمحاذاة الساحل الخليحي حتى نصل محافظة القطيف التي ضمت ثاني اكبر مخزون من الخط المسند على مستوى الخليج العربي وشرق المملكة العربية السعودية فقد احتلت المركز الثاني بعد منطقة ثاج الأثرية حيث تأتي بعدها في المرحلة الثالثة (كما سبق القول) مليحة بالإمارات العربية التي عُثِر فيها على (٧ نقوش بخط المسند +٢ بخط الزبور). لقد كان أعداد ما اكتُشِف في القطيف من نقوش حجرية أكثر مما هو مسجل رسمياً ومما يُحَتفظ به الآن في هيئة السياحة والآثار وكذلك المتاحف،،،

لقد تعرض الكثير منها للعبث والتضرر والسطو والتلف والتآكل والسرقات الأجنبية ومنها ما كانت نقوش على أحجار تأسيسية كما هو الحال في النقش المسند الذي كان منقوشاً على أحد أحجار جدار حمام باشا في جزيرة تاروت والذي تعرض للإقتلاع والإختفاء بشكل غامض وكذلك الحجر الذي عُثر عليه ضمن أحجار جدار عين أم اجدير بالعوامية فهو وإن ذكر رسمياً وبخط غير المسند إلا ان هناك خلط بينه وبين حجر آخر اكتشف في الزارة.

لقد وصل عدد المكتشفات من النقوش الخطية في القطيف إلى العشرات بما فيها الموثق رسمياً والغير رسمي وبما فيها من نقوش المسند وغير المسند كالآرامية والإغريقية القديمة ومعظمها شواهد قبور ونصوص قصيرة تدل على تأسيس بعض المناطق. فمن نقوش الخط المسند المسجلة رسميا من جميع أنحاء القطيف هناك أربعة نقوشات من وسط القطيف تحمل الأرقام (من ٣٤ إلى ٣٧)، وهناك واحد من داخل القلعة واثنان من العوامية يحمل أحدهما الرقم (٥٦) ورقمان يرجحان أنهما من القطيف (٢٩ و ٣٠).

ومن تاروت نقش اغريقي بالإضافة إلى آخر بخط المسند قد تعرض للضياع وكذلك اثنان من جاوان صفوى يعود تاريخهما إلى فترة ما بين القرن الرابع قبل الميلاد وحتى القرن السادس الميلادي، أحدهما يعود لقبر امرأة تدعى “جشم بنت عمره بن طاهو” كما وقد نقش نص يشير إلى هويتها ويضع اسم قبيلتها (شدوب).

هذه النقوش بشكل عام لا تحمل مايدل على تاريخها ولكن الخبير مولر (Muller) يرى ان ابكرها يتراوح تاريخه بين القرن الخامس والثاني قبل الميلاد بينما يرجح روبين (Robin) تاريخ بدايتها خلال الفترة بين الثالث والثاني قبل الميلاد أما ڤيسيمان (Wissmann) فيرجح أن يكون تاريخ النقوش المكتشفة في القطيف يعود إلى عام ٤٠٠ قبل الميلاد.

ومن رأس تنوره اثنان يحملان الأرقام (١٢ و ٣١) احدهما من الجهة الشمالية الغربية والآخر من الجهة الجنوبية الشرقية في طريق صفوى وهما عبارة عن شاهدين لقبرين وقد تم ترجمة العبارات والأسماء المكتوبة عليها.

ووصولا الى ثاج المنطقة الأثرية الواقعة شمال غرب القطيف على بعد يتجاوز المئة كيلو فهي على طريق القوافل القديم للمنطقة ويعود تاريخها إلى الفترة الهيلينية (Hellenistic Era) ، أي حوالي القرن الثالث قبل الميلاد حيث استمر الاستيطان فيها حتى القرون الأولى وهي من المواقع الحضارية قبل الإسلام وكانت مدينة مسورة بصورة دفاعية تحيطها جدران ضخمة بلغ طول احد أسوارها ٩٠٠ متر وبها مرافق جنائزية ومدافن كبيرة احتوت على أكثر من ١٠٠٠ قبر بالإضافة إلى وجود آثار المساكن وأعمال تجارية وصناعية، يحتوي الموقع على طبقات متعددة من الاستيطان البشري الذي يشير إلى التطور الحضاري بسبب موقعها الذي يشكل محطة هامة في طرق القوافل البرية التي تربط جنوب شبه الجزيرة العربية بالعراق والفاو وغيرها من المراكز التجارية، وبها دلائل أثرية على التبادل التجاري والثقافي مع بعض المناطق الحضارية مثل بابل والهند وشرق البحر الأبيض المتوسط من خلال معرفة انواع الفخار وآثار القطع المستوردة التي عُثِر عليها فيها.

وقد عُثِر فيها أيضاً على قناع ذهب جنائزي وقطع ذهب ومجوهرات تزين مومياء لفتاة أميرة في المدافن ما يدل على ثراء ونفوذ مجتمعها القديم، كما وقد عُثِر على قطع برونزية أخرى تظهر مهارات فنية عالية، فهي حضارة مستقلة وغنية في هذه المنطقة.

لقد احتلت منطقة ثاج مركز الصدرارة الأول بين مناطق ودول الخليج من حيث عدد مكتشفات الخط المسند فيها الذي بلغ عددها ٣٥ نقشا مسندياً فهي حسب قاعدة (Ociana) أكبر مراكز تواجد نقوش المسند في الخليج، وحسب الترقيم الرسمي فإن الأرقام من (١ إلى ٢٨) وكذلك من (٥١ إلى ٥٥) جميعها من مكتشفات ثاج وجميعها شواهد قبور، فمن الواضح أنه قد جرى التنقيب في بقعة واحدة شملت إحدى المقابر القديمة التي يعود تاريخها إلى ما قبل الميلاد لذا نجد جميعها تحتوي على أسماء وعلى عبارة: (قبر ووجر) بمعنى مات ودُفِن وأن جميعها محفوظة حاليا في مقر هيئة السياحة والآثار.

وعلى مقربة من ثاج باتجاه الشمال الشرقي حيث مقر الحناة وفيها بقايا من مدينة ذات آثار اغريقية والتي يكاد حجمها يوازي حجم ثاج. في هذه المنطقة وحسب مدونة نقوش شرق الجزيرة العربية القديمة فإنه تم العثور على اثنين من نقوش الخط المسند احدهما برقم (٣٣) والآخر برقم (٣٨).

ويشير الأستاذ حمد الجاسر في المعجم الجغرافي للمنطقة الشرقية إلى أن الكابتن الإنجليزي شكسبير (Capt.W.H.Shakespear) قد عثر على ثلاث كتابات سبئية مهمة من منطقة صغيرة وذلك عام ١٩١١م في هذه القرية ولكنه يضم إليها خرائب ثاج، غير أنه فيما يبدو أن المكتشف للنقشين السابقين والموثقين بالأرقام المذكورة هو باحث آخر غير شكسبير وبهذا يكون من المحتمل أن عدد المكتشفات في الحناة أكثر من نقشين إثنين.

ومن البحرين وحسب توثيق المدونة فقد تم العثور على نقش واحد فقط للخط المسند يحمل الرقم (٤٦) وذلك في قلعة البحرين، وقد نُقِش على إناء فخاري كُتِبَت عليه عبارة: (وأدب) اي: ود (هو) الأب، ولم يعثر على غيره من نقوش الخط المسند وإنما عُثِرَ على نقوش أخرى مختلفة الحروف أو اللغات تعود إلى حضارة ديلمون (من ١٦٥٠ إلى ١٢٥٠ قبل الميلاد)، منها نصوص مسمارية وقطع تحمل رموزاً قديمة مرتبطة بملوك ديلمون ولكنها ليست من الخط المسند وقد أُدرِجت الأخيرة ضمن برنامج داكرة العالم لليونسكو، فبرغم أهمية البحرين التجارية إلا أن المواقع النقشية فيها أقل عدداً وأصغر حجماً.

وماذا عن الكويت؟
رغم أنه قد تم اكتشاف نقوش ومخطوطات حجرية في أربع مناطق قد أجرت فيها التنقيب بعثة فرنسية وفريق تنقيب كويتي إلا انه لا واحد من تلك النقوش كان بالخط المسند وإنما هي: مسمارية وآرامية وأغريقية وُجِدَت في أربع مناطق أثرية في الكويت هي: جبل وارة وصخرة الخيران وعكاز وجزيرة فيلكا. يُرَجح أنها تعود للقرن الثالث قبل الميلاد وكانت تحتوي على أسماء أشخاص وأسماء آلهة وكتابات أخرى.

العراق هل هي بالفعل نهاية مطاف رحلات الخط المسند أم انه لم يصلها أي شيء منه؟
فعلى شواطئ الخليج العربي نحو الشمال الشرقي وبالتحديد في منطقتي أورك الأثرية التي تبعد عن السماوة بمقدار ستين كيلومترا تم العثور على النقش الذي يحمل الرقم (٤٧) وأما الثاني فقد عُثِر عليه في منطقة خربة الدينية المتاخمة لنهر الفرات شمال غربي عانة بمحافظة الأنبار والذي يحمل الرقم (٤٨).

وهناك نقوش أخرى تم العثور عليها ولكن يُشكُ في أمرهما فهما من النوع النبطي والأكدي وليس هناك ما يثبت أنهما من خطوط المسند وخصوصاً أنه لم يرد أي تفاصيل ولو قليلة عنها عدا النقشان (٤٧) و (٤٨) غير أن بعض الباحثين أشاروا إلى احتمال وجود المزيد من الخط المسند حيث تم استعماله بين جماعات عربية ذات أصل يمني استوطنت منطقة الحيرة بالعراق في القرن الميلادي الأول بعد انهيار سد مأرب وبسبب وجود علاقات تجارية بين جنوب الجزيرة وبلاد الرافدين.

حسب الإحصائية التي جاءت في مدونة نقوش شرق الجزيرة العربية القديمة للدكتور سعيد السعيد وغيرها التي رتبوا فيها أولوية المناطق المكتشفة فيها الخط المسند من حيث الأعداد وذلك على مستوى كلٍ من شرقي المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي فقد جاءت مراتبها من حيث الأولوية كالتالي:

  • الأولى: منطقة ثاج وما جاورها بالسعودية.
  • الثانية: منطقة القطيف بالسعودية.
  • الثالثة: مليحة (امليحة) بالإمارات العربية.
  • الرابعة (مكرر): العراق والكويت ومن السعودية: رأس تنورة والحناة و(جاوان).
  • الخامسة (مكرر): البحرين ومن السعودية: الأحساء (الهفوف) وجنوب الظهران.

هذا هو مجمل الخلاصة العامة للإحصائيات حول المكتشفات للخط المسند في أنحاء الجزيرة العربية وما حولها وأعدادها وأنواعها وما يتعلق بشؤونها العامة.

اقتراح الخبراء حول تسمية الخط المسند في شرق الجزيرة:
تقدم بعض الخبراء العرب وكذلك الأجانب منهم بمسمى يجمع شمل كل ما تم اكتشافه في منطقة شرق الجزيرة العربية من الخط المسند بما فيهم الدكتور علي جواد بعد أن أكد أن موطن الخط المسند الأصلي هو جنوب الجزيرة العربية وهو الخط الرسمي الشائع في ممالك اليمن وان انتشاره في انحاء الجزيرة العربية بسبب التجارة وأسباب اخرى جعل منه ان يتخذه موطناً آخر له فحق له أيضاً ان يتخذ مسميات تخص تلك المناطق والبيئات المتأثرة باستعماله لاحقاً وإن ظل اسمه محصوراً كلغة عامة في موطنه الأصلي.

وأما الدكتور سعيد فايز السعيد فإنه لا يرى المسمى الذي أطلقه الباحث البلجيكي إلبرت جام شاملاً فقد ضيق حلقته دون سائر المناطق على عكس ما رآه الباحث ڤيسيمان (Wissman) من حيث اتساع المسمى، بهذا يمكننا أن نوجز كل ذلك فيما كتبه الدكتور سعيد في مدونته حين قال: “إلا اننا نقترح تسميتها بإسم: نقوش شرق الجزيرة العربية وذلك لأسباب عدة نجملها على النحو التالي:

  1. تميز مجموعة النقوش في مناطق متفرقة من شبه الجزيرة العربية بخصائص لغوية تؤهلها لأن تشكل وحدة قائمة بذاتها.
  2. إن مجموعة هذه النقوش لا تتركز فقط في الأحساء في شرق الجزيرة العربية ليتخذ ما يسمى الخط الأحسائي أداة لكتابة وثائقهم.

كان هذا نص الإقتراح الذي قدمه الدكتور سعيد في مدونته نقلت منه الجزء الذي عرض فيه رأيه بشكل واضح وصريح.

واقعاً لو أننا تتبعنا تلك الإحصائيات التي نقلتُها لك في هذا البحث حول تلك المكتشفات العالمية عن الخط المسند في جميع أنحاء الجزيرة العربية لعرفنا أن تواجد خط المسند حول مناطق الخليج العربي بما فيها شرق المملكة العربية السعودية لا يمكن مقارنته بما اكُتشِف في كثير من المناطق الأخرى ليحتل ذلك المركز المرموق الأوحد، ولو إننا افترضنا أنه قد حظي بتسجيل رسمي ليحتل مكانة له في منظمة الأمم المتحدة (اليونسكو) وهذا بالطبع سيسعدنا كثيراً حين نجد أنه ربما قد حظي بمركز لا بأس به بعد نجران ذات المئات من المكتشفات وبعد جازان وربما بعد الجوف (قرناو)،،،

بذلك نستطيع القول أن الخط المسند في شرق الجزيرة العربية ربما احتل المركز الثالث أو الرابع حيث تجاوزت أعداد المكتشفات المسجلة رسمياً فيها السبعين أو أكثر وخصوصاً إذا ما أضفنا المُتلَف منها عمداً وجهلاً وما تعرض منها للعبث والسرقات وغير ذلك وخصوصا بإضافة أعداد المكتشفات في عمان الواصل عددها في ظفار إلى المئات وهي الأكثر تأثراً وأكثرها استعمالاً لخط المسند وكذلك في صحار ووسط عمان وشمالها مثل صمد البالغ عدد تواجد المسند فيها بضع مئات وكذلك في اصطفية شمال الدقم التي عثر فيها على أكثر من مئتي نقش مسندي.

بهذا يمكننا القول أن شرق الجزيرة العربية ربما احتلت المركز الثالث أو الرابع -كما أشرت- وربما جاء بعدها في الترتيب من المنطقة الوسطى الفاو التي حوت على ٩٨ نقشاً منتوعاً منها الخط المسند وغيره ونقوش عربية كثيرة وينضم إليها نقشان على صخرتين من القصيم (الدليمية)، وكذلك الطائف ومريغان تيماء ودومة الجندل ويثرب (المدينة المنورة) وأفريقيا وبلاد الشام.

إن تَقَلُد شرق الجزيرة العربية للمركز الثالث أو الرابع بين عشر مناطق تقريباً (عدا مناطق منشأ المسند الجنوبي والمسند الشمالي) يعني أنه مفخرة ومركز يستحق الذكر والإشادة وبالتالي فإنه يستحق أن يحمل مسمى: “نقوش شرق الجزيرة العربية” كما اقترحه الدكتور سعيد في مدونته.

الجهات التي تولت حفظ الآثار في المملكة العربية السعودية وما قبل تلك الفترة:
قبل أن تولي الجهات المختصة اهتمامها بحفظ الآثار وذلك بإيعاز من الدولة فقد تعرضت -للأسف الشديد- تلك المكتشفات من الآثار بما فيها النقوش المسندية لأعمال السطو والنهب والسرقات من قِبَل الأجانب وكذلك التلف والتخريب بحكم جهل أهميتها وبحكم تعرض البعض للإغراء من قِبَل الأجانب حين كانوا يعرضون عليهم مبالغ مغرية في سبيل مساعدتهم في استخراج تلك الآثار لهم من باطن الأرض أو اقتلاعها من أماكنها، ومن ناحية آخرى خوف المجتمع منها لكونها أوثان أو بالنسبة للخطوط وبالأخص الخط المسند الذي كان البعض عندما يرى حروفه الغريبة يعتقد أنها طلاسم سحرية أو أعمال سحرية للتخريب فيعمدون إلى تكسيرها واتلافها والتخلص منها بأي وسيلة وقد حدث هذا بالفعل لكثير من الآثار نتيجة جهل أهميتها التاريخية إلى أن بدأت تأسيس البلديات في المنطقة، ففي الأربعينات من القرن العشرين جاء تكليف البلديات بمسؤولية حفظ القطع الأثرية وهي أول الجهات التي كُلِّفت بحفظ التراث والآثار.

وهنا أودُ اختيار بلدية القطيف كنموذج لجهة مختصة لحفظ التراث، وقد وقع اختياري لها لعدة أسباب منها:
أولاً: أنها بلدية المنطقة التي أسكن فيها وبالتالي يكون الإلمام والإحاطة بالمعرفة عنها أكثر من غيرها.
وثانياً: لأنها من أقدم البلديات في المنطقة لذلك فقد أخَذَت على عاتقها مسؤولية الحفاظ على جميع القطع الأثرية المُكْتشفة في منطقة القطيف وما جاورها من خارج القطيف.
ثالثاً: أن المسؤولين فيها كانوا أكثر المبادرين والمستجيبين لتلبية وتحمل هذه المسؤولية.
رابعاً: انها منطقة مشهود لها بأنها ذات عراقة وحضارة وقد احتوت أرضها على آثار قديمة متنوعة وكثيرة فهي منطقة آثار تواجدت فيها جهات مسؤولة لرعاية تلك الآثار وبشكل مركز أكثر.
خامسا: الثقافة العالية لمدير بلديتها الأستاذ خالد الفرج أحد أبناء النهضة الثقافية في دول الخليج العربي والذي كُلِّفَ بتأسيس بلدية القطيف عام ١٣٤٦هجري الموافق ١٩٢٧م ليكون أول مدير لها وأول مسؤول عن حفظ آثار منطقتها بما فيها نقوش الخط المسند فقد كان ملما بمعارف وخبرات مختلفة تعلمها خارج البلاد كالهند والبحرين والكويت كما وقد كسب مهارات عديدة في مجالات مختلفة كالطباعة والهندسة والشعر والإلمام باللغة الإنجليزية وممارسة التجارة، كل ذلك جعلت منه الشخص المناسب في المكان المناسب لحفظ التراث والآثار فقد أولاها اهتماماً كبيراً وحفظها من التلف والضياع.

وحيث أن منطقة القطيف تشرف على كثير من المناطق المجاورة لها فقد كانت جميع تلك القطع الأثرية تحت إدارة مدير بلديتها ورعايته لها طوال الأيام التي كانت البلديات هي الجهة المسؤولة عن حفظ التراث والآثار وحينها خصص بشكل شخصي منطقة مناسبة لحفظها بعد أن كثرت وضاقت مباني البلدية عليها فقد اختار المزرعة التي كانت تحت يده في منطقة العياشي بالقطيف وهي منطقة زراعية والتي بنى فيها ما يناسب حفظها إلى أن انتقلت مسؤولية حفظ الترات إلى مؤسسة حكومية أخرى، وفي أثناء الإنتقال تعرض الكثير منها إلى التلف والضياع بما فيها بعض النقوش المسندية.

وأما الجهة الثانية التي كُلِّفت بحفظ التراث والآثار لتخلي مسؤولية البلديات فقد كانت إدارة التعليم والتي كانت تضم عدة وكالات وهذه الوكالات هي: وكالة شؤون التعليم ووكالة شؤون الطلاب ووكالة الآثار حيث كانت الأخيرة هي الجهة المسؤولة عنها وهي بلا شك أكثر تفرغا واختصاصا من البلديات في هذا الجانب فقد قامت بدورها في تفعيل تلك القطع الأثرية عن طريق عرضها مع التوضيح بالكتابات عليها للطلاب والزوار عامة في معارض أشبه ماتكون بمتاحف صغيرة.

ثالثا: انتقلت هذه المسؤولية بعدها إلى الهيئة العليا للسياحة التي كانت أكثر اختصاصاً من غيرها وتقوم بتكريس جميع مجهوداتها لتدير تلك القطع الأثرية فهي جهة خاصة بالسياحة وما يتعلق بها بما فيها الآثار وحفظ التراث.

رابعاً: انتقلت مسؤولية حفظ هذه القطع الأثرية إلى الهيئة العليا للسياحة وهي الأكثر تخصصاً والأكثر تفرغاً للعناية بها وتعريفها للزوار وللقيام بدراستها ودراسة طبيعتها وتاريخها وتواجد المختصين من موظفيها في ذلك المجال من حولها. ولا تزال هذه الجهة هي المسؤولة عن حفظ جميع التراث الملموس والقطع الأثرية والمسؤولة عن المتاحف والمعارض والمعالم السياحية والأثرية.

ومن المسؤوليات المحلية المتمثلة في الدولة لحفظ الآثار بما فيها الخط المسند ننتقل للتعرف على الجهات العالمية المسؤولة عن تلك النقوش المسندية وعن تصنيفها.

الجهات العالمية المسؤولة عن تصنيف الخط المسند:
قبل الختام لا بد لنا من التعرف على الجهات العالمية المُصَنِفة لخط المسند التي قسمته إلى قسمين وهما: المسند الجنوبي وهو الأصل والمسند الشمالي الذي استمد كيانه في الأصل من المسند الجنوبي وتفرع منه، بالإضافة إلى الجهات المسؤولة التي تولت أمر تسجيله رسمياً وثقافياً وهي جهات رسمية عالمية وأولها:

  1. منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو – UNESCO). والمسؤولة الأولى عالمياً عن حماية التراث والتي سبق ذكرها في السياق أكثر من مرة.
  2. الهيئات الأكاديمية والعلمية وأبرزها جامعة اوكسفورد وجامعة برلين وجامعة لايدن وجامعة بيزا (CSAI) ومشاريع [(CIH): Corpus of South Arabian Inscription].
  3. منظمة يونيكود (Unicode) الأكاديمي.
  4. المتاحف العالمية: المتحف البريطاني – متحف اللوفر- متحف برلين- متحف المتروبوليتان. وجميع هذه النقوش عندها تعرف وتعرض تحت مسمى:
  • (نقش) الكتابة العربية الجنوبية (Ancient South Arabian Inscription). 
  • (نقش) الكتابة العربية الشمالية (Ancient North Arabian Inscription).

تشير الدراسات إلى أن الخط المسند الذي بدأ مشوار استعماله وكذلك انتشاره بسبب النشاط التجاري اليمني وهجرات القبائل الجنوبية منذ حوالي القرن العاشر قبل الميلاد أو كما يرجح البعض من الباحثين أن البدايات اقدم من ذلك بقرنين من الزمن أي منذ القرن الثاني عشر وإن أكثر النقوش وصلت أوجها بين القرنين ٨ و ٩ قبل الميلاد ما جعل بعض الباحثين يؤكدون انها بداية الاستخدام وقد استمر استخدامه حتى القرن السادس الميلادي تقريباً حيث يذكر الكثير من الباحثين ومن ضمنهم الدكتور علي جواد في كتابه (المُفَصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام) أن استعمال المسند بدأ يضعف قبل عصر الإسلام ويعزو السبب إلى تراجع ممالك الجنوب وازدياد نفوذ الخطوط الشمالية وتغير الطرق التجارية أي بعد انتشار النفوذ الحِمْيَري ثم دخوله في المسيحية وبعدها وصول الإسلام إلى اليمن حين تراجع استخدام الخط المسند تدريجياً لصالح الخط العربي الشمالي الذي تطور لاحقاً إلى الخط العربي المعروف اليوم.

ويعد زمن نقش ابرهة الحبشي (في منتصف القرن السادس الميلادي) أنه من أواخر نقوش المسند الكبيرة، وهذا يعني أن معدل تداول الخط المسند استمر لمدة أدناها أربعة عشر قرنا (١٤٠٠ سنة) وأقصاها ثمانية عشر قرناً (١٨٠٠سنة) وقد حل الخط العربي في أرجاء المناطق العربية دون استثناء واستمر انتشاره حتى غطى وقضى على جميع الخطوط المستعملة فيها وأصبح الخط العربي هو الخط السائد المتعارف عليه حتى يومنا هذا.

الهيئات والبحوث المرجعية الموثقة لخط المسند
1. مدونة نقوش شرق الجزيرة العربية القديمة: د. سعيد فايز السعيد.
2. “دليل المعرض الأول للقطع الأثرية السعودية المستعادة” : وهو بحث في كتاب قام بجمعه وطبعه مجموعة من خبراء الهيئة العامة للسياحة والآثار.
3. صحيفة واصل تصدرها مؤسسة البريد السعودي -العدد الصادر في ١٦ ابريل ٢٠١٢م – جمادى الأولى ١٤٣٣ هج.
4. المعجم الجغرافي للمنطقة الشرقية: حمد الجاسر.
5. النقوش المسندية والنقوش العربية الجنوبية: يوسف محمد عبدالله.
6. الكتابات العربية القديمة في المملكة العربية السعودية: عبدالرحمن الأنصاري.
7. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: د. علي جواد.
8. تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام: أحمد فخري.
9. دراسات عن النقوش اليمنية القديمة: عبدالله البيروني
10. Sabaic Dictionary: A.F.L. Beeston et al.
11. The Coinage of the Southern Arabian Kingdoms: George C. Miles.
12. كتلوج متحف اللوثر (للعملات)
13. كتلوج المتحف البريطاني (للعملات).
14. الأبحاث الألمانية (مدرسة غلاسر) Hermann Von Wissmann/Eduard Glasser.
15. الشرق الأوسط (تقرير): “حِلَلْ ذهبية من ضريح جاوان الأثري” – SaudiPedia- Ain Jawan Archaeological Sit.

المؤرخ الأستاذ عبد الرسول الغريافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *