ما تعلمته من إقامتي في الكهف عن الحواس – ترجمة* محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

What my cave stay taught me about sensors
(Kiana Aran – بقلم: البروفيسور كيانا أران)

خمسة أيام من العزلة في ظلام دامس تُعيد ضبط الحواس. تشرح العالمة البروفيسور كيانا أران كيف تُساعد الحواس على مشاركة الأحاسيس مع الآخرين.

أمضت البروفيسور كيانا أران خمسة أيام في إحدى الغرف الشبيهة بالكهوف المبنية في تلال غرب بولندا. حقوق الصورة: كينغا يانوفسكا و ويتش أناندا جاي، مؤسسا “ويذن: ملاذ الظلام المطلق” (Within: The Ultimate Darkness Retreat).

في برد نوفمبر القارس [2024]، في ركن هادئ من بولندا، دخلتُ كهفًا لا أحمل فيه سوى نفسي ومجموعة من أجهزة الاستشعار الحيوية. وبصفتي عالمة ومهندسة في جامعة كاليفورنيا بمدينة سان دييغو، لطالما كان هدفي ابتكار تقنيات قادرة على ترجمة لغة بيولوجيتنا الخفية بسلاسة – وهي بيانات غالبًا ما تكون معقدة ومتعددة الأبعاد ويصعب تفسيرها – إلى إشارات دقيقة وموثوقة يمكن استخدامها لمراقبة الصحة.

عندما سنحت لي الفرصة في نوفمبر 2024 للمشاركة في تجربة حرمان حسي مطولة في كهف معزول في الظلام في منطقة ريفية ببلدة فروبليفو، غرب وسط بولندا، رأيتُ فيها فرصةً للتجربة. لطالما انتابني الفضول حول كيفية تأثير روتيني اليومي وخياراتي الغذائية ومستويات التوتر لديّ على بيولوجيتي، وكنتُ أتابع حالتي بشكل غير رسمي باستخدام أجهزة استشعار مثل جهاز مراقبة الجلوكوز وخاتم أورا (Oura Ring)[1] الذي يقيس عوامل مثل جودة النوم ودرجة حرارة الجسم. لكن الكهف قدّم شيئًا مختلفًا: الإزالة التامة للمؤثرات الخارجية.

خمسة أيام في ظلام دامس وصمت مطبق، حيث لا يصلني أي ضوء أو صوت أو إشارة زمنية. وكنتُ وحيدة تمامًا، وأصبحت أنشطتي سلسلة من الطقوس المرتجلة: تناول الطعام ببطء لأستمتع بالمدخلات الحسية الوحيدة المتاحة لي، والتمدد لتخفيف التوتر، واستعادة الذكريات، وأحيانًا مجرد الجلوس والاستماع إلى دقات قلبي.

ولرصد التأثير البيولوجي لهذه البيئة القاسية، استخدمتُ مجموعة شاملة من أجهزة الاستشعار وتحليلات المؤشرات الحيوية. فقد ارتديتُ جهاز تخطيط كهربية الدماغ اللاسلكي لمراقبة نشاط الدماغ، ومراحل النوم، والبصمات العصبية للتوتر والتكيف؛ وخاتم “أورا” لتتبع أنماط النوم، وتقلبات معدل ضربات القلب، وتغيرات الإيقاع اليومي بشكل مستمر؛ وجهاز مراقبة الجلوكوز لمتابعة الاستجابات الأيضية في الوقت الفعلي.

كما جمعتُ بيانات شاملة متعددة الأوميات (multi-omics)[2] قبل وأثناء وبعد تجربة الكهف، بما في ذلك تحليل بروتينات الدم لقياس التغيرات في عملية الأيض، والاستجابة المناعية، وإشارات التوتر؛ وتسلسل الميكروبيوم في البراز واللعاب والجلد والبول لفهم التغيرات في بيئتي الميكروبية وتكوين جسمي.

لأن هذه التجربة شملت العديد من المجالات العلمية، كنت محظوظة بوجود فريق متميز من جامعتي وخارجها، ساعدني في تحليل مختلف مصادر البيانات. ولم يقتصر دعم زملائي على ذلك فحسب، بل كان الكثير منهم مفتونين بالتجربة، ومتوترين بشأنها مثلي تمامًا. وتكمن روعة البيانات في أنها جعلت تجربتي الداخلية شيئًا يمكنني مشاركته. واستطعت أن أُري زملائي التغيرات في نمط نومي، ومستويات الجلوكوز، وتغيرات الميكروبيوم. ولم يتمكنوا من الشعور بما شعرت به في الظلام، لكنهم رأوه. وبعد أيام من انقطاع الضوء أو المؤشرات الزمنية، بدأت أجهزة الاستشعار والاختبارات في سرد قصة متماسكة عن كيفية إعادة الجسم ضبط الإدراك، والتمثيل الغذائي، ووظائف الخلايا بشكل منفصل.

اختبار التذوق
عند دخولي الكهف، تغيرت حاسة التذوق لديّ بشكل جذري. وكان الطعام قوي النكهة ولذيذًا. ولم أكن أعرف بالضبط ما آكله، لكنني أتذكر بعض الأطعمة من خلال ملمسها فقط: صلابة البروكلي، ونعومة الحساء، وقرمشة المكسرات. وأكدت بيانات البروتينات التي تم قياسها لاحقًا ما كانت حواسي تحاول إخباري به: فقد تغيرت البروتينات المرتبطة بمستقبلات التذوق بشكل ملحوظ، مما يعكس زيادة حدة إدراكي.

وبقي مستوى الجلوكوز في دمي مستقرًا بشكل ملحوظ، حتى بعد تناول الحلويات. وقد أظهر جهاز مراقبة الجلوكوز منحنيات سلسة وثابتة دون الارتفاعات المعتادة بعد الوجبات. وأشارت تحليلات البروتينات في دمي إلى زيادة في “غولت4” (GLUT4)، وهو ناقل الجلوكوز المستجيب للأنسولين والذي يُمكّن من امتصاص الجلوكوز بكفاءة أكبر في العضلات، وهو تكيف يُلاحظ لدى الرياضيين المدربين¹ وأثناء الصيام².

ارتدت البروفيسور كيانا أران جهاز تخطيط كهربية الدماغ (EEG) على جبهتها لقياس نشاط دماغها أثناء وجودها في الكهف. حقوق الصورة: كينغا يانوفسكا وويتش أناندا جاي، مؤسسا “ويذن: ملاذ الظلام المطلق”.

وقد شهدت ميكروباتي تغيرات ملحوظة. وكانت أبرز هذه التغيرات في لعابي وجلدي، حيث أظهرت العديد من المجتمعات الميكروبية السائدة المرتبطة بالفم والجلد، بالإضافة إلى أنواع غير ضارة توجد عادةً على الجلد، تقلبات واضحة منذ اليوم الثاني. وفي المقابل، ظلت ميكروبات برازي مستقرة بشكل ملحوظ، مما يعكس مرونة الأمعاء المعروفة وبطء تجددها. وبشكل عام، عملت ميكروباتي كمستشعر حيوي داخلي، كاشفةً كيف تتكيف أجزاء الجسم المختلفة – بعضها بسرعة، وبعضها الآخر بالكاد – مع ظروف الظلام والعزلة غير المألوفة.

ليلًا ونهارًا
أعطاني الظلام أحلامًا شديدة الوضوح لدرجة أنها بدت حقيقية. وفي إحدى الليالي، رأيت أمي وابنة عمي وجدتي الراحلة، التي توفيت منذ زمن، جالسات معًا يضحكن بهدوء على جهاز آيباد. وقد بدينَ في غاية الحيوية، قريبات جدًا، لا يفصلني عنهن سوى باب زجاجي.

وخلال إقامتي، أظهرت بيانات جهاز “أورا” وتخطيط الدماغ الكهربائي اضطرابًا في إيقاعي اليومي، مع حدوث حركة العين السريعة (REM) وحالات أحلام شبيهة بها على مدار اليوم. وتشير دراسات سابقة حول العزل الحسي إلى أن صور الأحلام الواضحة قد تظهر أثناء النوم الخفيف أو حالات الانتقال بين النوم والنوم3، وهو ما يتوافق مع تجربتي.

تظهر البروفيسور كيانا أران (أسفل اليمين) في صورة مع طاقم تصوير سويسري يوثق حياتها العلمية، ومؤسس منتجع “ويذن: ملاذ الظلام المطلق”، فويتشيك أناندا جاي (يسار). حقوق الصورة: كينغا يانوفسكا وفويتشيك أناندا جاي، مؤسسا “ويذن: ملاذ الظلام المطلق”.

إلى جانب النوم، وثّق كلٌّ من جهاز “أورا” ونظام تخطيط الدماغ الكهربائي (EEG) تغيراتٍ ملحوظة في وظائفي الحيوية. وأظهر خاتم “أورا” انخفاض معدل ضربات قلبي أثناء الراحة عن المعتاد في بعض أيام الكهف (حتى 51 نبضة في الدقيقة)، وتذبذبه بشكلٍ أكبر من الفترة المرجعية، بما يتوافق مع فترات متناوبة من الاسترخاء والتوتر.

كما تغيّر توقيت هذه الدورات الفسيولوجية. فقد انحرف موعد النوم تدريجيًا عن النطاق الليلي المعتاد، حيث بدأ النوم في بعض الأيام في وقتٍ مبكرٍ يصل إلى الساعة 11 صباحًا، مما يشير إلى إيقاعٍ بيولوجيٍّ حرٍّ بمجرد إزالة المؤثرات الضوئية. كما أظهرت لقطة تخطيط الدماغ الكهربائي فترات قصيرة من حركة العين السريعة (REM) ونومًا خفيفًا مطولًا، وهي علامات على نظامٍ بيولوجيٍّ يعمل دون تزامنٍ خارجي.

وبحلول اليوم الرابع، اشتدّت وطأة العزلة. فلم يعد الوقت يمرّ بطريقةٍ مألوفة، وبدون مؤثراتٍ خارجية، حتى القرارات البسيطة بدت مُرهِقة. وشعرتُ بغياب الناس، والحوار، ونقاط المرجعية المشتركة بشكلٍ حادّ. وقد بدأت أدرك أن عالمي العلمي والتجاربي لا معنى له بدون الأشخاص من حولي، بدون التجارب المشتركة، حتى بدون التحديات الصغيرة التي كنت أستاء منها في السابق. فوجدت نفسي أتوق إلى موعد نهائي، رغم الشعور بالإرهاق منهم [المواعيد النهائية] في حياتي اليومية، لأن الحياة بدون موعد نهائي بدت مملة بشكل غريب.

تحسين الاستشعار
كثيراً ما نناقش نحن المهندسين كيفية تصميم مستشعرات أفضل للبيئات القاسية، لكن أكثر ما لفت انتباهي في تجربتي في الكهف هو العوامل البشرية التي يتم تجاهلها. وقد أدركتُ أن الأجهزة لا تقتصر على الدقة أو المتانة فحسب، بل يجب أن تعكس أيضاً تجربة الشخص الذي يرتديها، مما يعزز الثقة والراحة. وعلى الرغم من سهولة الوصول إليها، كانت عملية جمع العينات المتكررة من اللعاب والبراز والجلد والبول عمليةً مزعجةً وغير مريحة في بعض الأحيان. لذا، يجب إعادة النظر ليس فقط في أجهزة الاستشعار، بل في تجربة أخذ العينات بأكملها لجعل المراقبة الطولية ممكنةً حقًا.

كما قدمت بيانات هذه التجربة رؤى عملية لتحسين أجهزة الاستشعار نفسها. فقد كشفت التسجيلات المستمرة لتخطيط الدماغ الكهربائي، ومستويات الجلوكوز، والنوم، والحركة في بيئة منخفضة التحفيز عن مواطن قصور الأجهزة، أو انحرافها، أو شعور المستخدم بعدم الراحة أثناء الاستخدام المطول. فعلى سبيل المثال، تسببت بعض الأقطاب الكهربائية في أجهزة الاستشعار في تهيج الجلد أحيانًا، كما فُقدت البيانات بشكل متقطع عند إبعاد جهاز الاستشعار عن جهاز الاستقبال اللاسلكي. وأبرزت هذه الملاحظات الحاجة إلى خوارزميات تكيفية، ومواد أكثر استقرارًا، وإدارة محسّنة للطاقة، وتصاميم تقلل من الإزعاج للمستخدم.

وفي نهاية المطاف، حوّلت هذه التجربة التركيز إلى ما هو أبعد من تجربتي الشخصية: فإعادة هذه التجارب للحصول على نسخ متطابقة تقنيًا وبيولوجياً أمرٌ ضروري. ومن خلال الجمع بين البيانات القابلة للارتداء المستمرة والقياسات الجزيئية والخلوية، يمكننا أن نرى كيف تستجيب الطبقات البيولوجية المختلفة على نطاقات زمنية متباينة: بعضهم بشكل عفوي، بعضهم في غضون ساعات، والبعض الآخر على مدى أيام.

وتشير هذه النتائج مجتمعةً إلى أهمية أنظمة الاستشعار الطولية منخفضة العبء التي تندمج بسلاسة في الحياة اليومية، مما يتيح اتصالاً مستمراً ببيولوجيتنا والكشف المبكر عن الإشارات الفسيولوجية والاختلالات قبل أن تتجلى في صورة مرض.

وعندما خرجتُ أخيراً من الكهف في اليوم الخامس، عانقتُ من كانوا ينتظرونني بفارغ الصبر؛ الزملاء، والأصدقاء، ومن جعلوا هذه الفرصة ممكنة. وفي تلك اللحظة، ورغبةً مني في الشعور بكل شيء دفعةً واحدة، ركضتُ إلى البحيرة المتجمدة القريبة وغطستُ فيها. لامست المياه الجليدية جلدي، ولكن بعد خمسة أيام من الظلام، كانت أوضح تذكير بأنني ما زلت على قيد الحياة.

*تمت الترجمة بتصرف
المراجع:
1. Andersen, P. H., Lund, S., Schmitz, O., Junker, B. & Pedersen, O. Acta Physiol. Scand. 149, 393–404 (1993).
2. Neufer, P. D., Carey, J. O. & Dohm, G. L. J. Biol. Chem. 268, 13824–13829 (1993).
3. Daniel, C. & Mason, O. J. Biomed. Res. Int. 2015, 439379 (2015).

المصدر: https://www.nature.com/articles/d41586-026-00203-w
الهوامش:
[1] شركة “أورا هيلث ليميتد” (Oura Health Ltd) هي شركة فنلندية متخصصة في تكنولوجيا الصحة، وتشتهر بخاتم “أورا” (Oura Ring) الذكي، الذي يُستخدم لتتبع النوم والنشاط البدني. تأسست الشركة عام 2013 على يد بيتري لاهتيلا، وكاري كيفيلا، وماركو كوسكيلا. ويتتبع خاتم “أورا” مجموعة من المؤشرات الصحية المختلفة، بما في ذلك معدل ضربات القلب، وتقلب معدل ضربات القلب، ودرجة حرارة الجسم. كما يتتبع مستويات النشاط (مثل عدد الخطوات اليومية وإجمالي السعرات الحرارية المحروقة)، بالإضافة إلى جودة النوم. ويُقدم معلومات قيّمة حول المؤشرات الصحية.
[2] يشير مصطلح “علم الجينوم” إلى عدد من مجالات الدراسة في علم الأحياء، وتنتهي جميعها باللاحقة “-omics”، دلالةً على الشمولية. ويُعدّ علم الجينوم منهجًا جديدًا وشاملًا لتحليل الملامح الجينية أو الجزيئية الكاملة للإنسان والكائنات الحية الأخرى. فعلى سبيل المثال، على عكس علم الوراثة الذي يركز على الجينات المفردة، يركز علم الجينوم على جميع الجينات (الجينومات) وعلاقاتها المتبادلة. ويتيح هذا المنهج دراسة كيفية تأثير التفاعلات المعقدة بين الجينات والجزيئات على النمط الظاهري، كأعراض المرض لدى المريض. ومع تطور تقنيات الإنتاجية العالية، مثل تقنية التسلسل من الجيل التالي (NGS)، التي تسمح بتسلسل الجينومات بأكملها، يتوسع مجال علم الجينوم بسرعة، ويخلق آفاقًا جديدة للبحث والتشخيص. وتشمل أمثلة أنواع علم الجينوم ما يلي:
• علم الجينوم: دراسة الجينوم – المجموعة الكاملة من الجينات، أو ما يُعرف بـ”الخريطة الجينية” للكائن الحي
• علم البروتينات: دراسة البروتينات – المجموعة الكاملة من البروتينات التي ينتجها الكائن الحي
• علم النسخ: دراسة النسخ – مجموعة جميع جزيئات الحمض النووي الريبوزي (RNA)، بما في ذلك الحمض النووي الريبوزي الرسول (mRNA)، والحمض النووي الريبوزي الريبوسومي (rRNA)، والحمض النووي الريبوزي الناقل (tRNA)، وأنواع الحمض النووي الريبوزي غير المشفر الأخرى
• علم الصيدلة الجينية: دراسة تأثير الاختلافات في الجينوم البشري على الاستجابة للأدوية
• علم الأنماط الظاهرية: دراسة الأنماط الظاهرية – مجموعة من الصفات الظاهرية، مثل الوصف الشامل لأعراض المرض لدى المريض.
المصدر: https://rd-connect.eu/what-we-do/omics

المهندس محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *