“ام ارعام” اسطورة القبح في الذاكرة القطيفية – بقلم صادق علي القطري

في الذاكرة الشعبية لأهالي القطيف، لا تولد الكلمات عبثًا، ولا تُطلق الأوصاف جزافًا، بل تنشأ من تربة التجربة اليومية، وتتشكل عبر الزمن حتى تتحول إلى رموزٍ لغوية تحمل أكثر مما يظهر على سطحها. ومن بين هذه التعابير التي تختلط فيها اللغة بالخيال، وتتماهى فيها الحقيقة بالمجاز، تبرز تسمية “أم إرعام” أو “أم مرعام” بوصفها واحدة من تلك الألفاظ التي تجاوزت معناها المباشر لتصبح صورةً مكثفة للبشاعة ودمامة الخلق.

لم تكن “أم إرعام” في أصلها كائنًا أسطوريًا متكامل الملامح كما هو الحال في بعض الشخصيات الشعبية الأخرى، بل كانت أقرب إلى “كناية متخيّلة”، تُستدعى في لحظة السخرية أو التوبيخ، لتمنح الوصف بعدًا أشد وقعًا في النفس. فحين يُراد التعبير عن قبحٍ شديد، لا يُكتفى بالوصف المباشر، بل يُقال “كأنها أم إرعام”، وكأن هذه الشخصية، رغم غموضها، تحمل في الوعي الجمعي صورةً متفقًا عليها، لا تحتاج إلى شرح.

إن هذه التسمية، بما تحمله من طابعٍ أنثوي، تكشف عن جانبٍ مهم في الثقافة الشعبية، حيث تُجسَّد الصفات المجردة، كالقبح أو الخشونة، في هيئة امرأة متخيّلة، تُضخَّم ملامحها حتى تصبح رمزًا. وهنا لا يعود القبح مجرد سمة جسدية، بل يتحول إلى “كيان لغوي”، يُستخدم للتعبير عن النفور، وربما أيضًا عن الخوف من المختلف أو غير المألوف.

ولعلّ ارتباط هذه التسمية بتعابير أخرى مثل “أم هجام” و“أم خصوي” يعكس ميل اللغة الشعبية إلى بناء عائلة من الأوصاف المتقاربة، حيث تتكرر البنية (أم + صفة)، لتُنتج سلسلة من الرموز التي تؤدي وظيفةً واحدة وهي المبالغة في التعبير، وتكثيف المعنى. إنها لغة لا تبحث عن الدقة بقدر ما تسعى إلى التأثير، ولا تهدف إلى الوصف بقدر ما تريد أن تترك أثرًا.

ومن زاويةٍ أعمق، يمكن قراءة “أم إرعام” بوصفها انعكاسًا لمعايير الجمال والقبح في المجتمع التقليدي. فما يُعدّ قبيحًا ليس مجرد ملامح، بل خروج عن المألوف، أو تجاوز للحدود التي رسمها الذوق الجمعي. وهكذا، تصبح هذه التسمية أداةً لضبط تلك الحدود، عبر السخرية أو التنفير، فيتعلّم الأفراد، بطريقة غير مباشرة، ما يُقبل وما يُرفض.

غير أن اللافت في هذه الظاهرة، أنها تكشف عن قدرة اللغة الشعبية على خلق صورٍ حية دون الحاجة إلى سردٍ مفصل. فـ“أم إرعام” لا تُروى لها قصة، ولا تُحدد لها هيئة، ومع ذلك، تحضر بقوة في المخيلة، وكأنها كائنٌ معروف. وهذا ما يمنحها خصوصيتها؛ فهي ليست أسطورةً مكتملة، بل “ظلّ أسطورة”، يعيش في اللغة أكثر مما يعيش في الحكاية.

إن استحضار مثل هذه التعابير اليوم يفتح بابًا للتأمل في كيفية تشكّل الوعي الجمعي، وفي الدور الذي تلعبه اللغة في نقل القيم والتصورات عبر الأجيال. فـ“أم إرعام” ليست مجرد سبة، بل أثرٌ ثقافي، يحمل في طياته تاريخًا من الأحكام الجمالية، ومن الخيال الذي صاغها، ومن المجتمع الذي تداولها.

وهكذا، تظل هذه الكلمة، على بساطتها، شاهدًا على أن اللغة، حتى في أكثر أشكالها عفوية، قادرة على أن تكون مرآةً دقيقة لروح الإنسان، حين يحاول أن يعبّر… لا عمّا يراه فقط، بل عمّا يشعر به أيضًا.

المهندس صادق علي القطري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *