مدينة الزارة حاضرةُ الخطّ القديمة ومدينةٌ عند تخوم الذاكرة والتاريخ – بقلم صادق علي القطري

في تاريخ الخليج العربي مدنٌ بقيت آثارها، ومدنٌ بقيت أسماؤها، ومدنٌ بقيت أسئلتها. وتأتي الزارة ضمن الفئة الأخيرة؛ فهي من المدن التي احتفظت بحضورها في النصوص التاريخية أكثر من احتفاظها بعمارتها، حتى غدت مثالًا لمدينةٍ عبرت العصور بين التاريخ الموثق والذاكرة المحلية. لقد كانت الزارة إحدى أبرز مدن إقليم البحرين القديم، وارتبط اسمها بالسلطة والتجارة والصراعات السياسية، قبل أن تتراجع تدريجيًا حتى غابت معالمها الكبرى وبقي اسمها شاهدًا على ماضٍ كثيف.

الزارة الموقع والهوية الجغرافية:

تقع الزارة التاريخية بحسب غالبية الباحثين في محيط العوامية شمال مدينة القطيف الحالية، ضمن المجال الجغرافي الذي كان يُعرف قديمًا بإقليم البحرين، وهو الإقليم التاريخي الذي شمل شرق الجزيرة العربية من البصرة شمالًا حتى عُمان جنوبًا، وليس حدود دولة البحرين الحديثة الحالية. وتشير الشواهد الأثرية وامتداد اللقى الفخارية إلى أن النطاق العمراني للزارة ربما كان أوسع بكثير من حدود الموقع المعروف اليوم.

وترد الزارة في المصادر التاريخية والجغرافية الإسلامية بوصفها مدينةً ذات شأن، لا مجرد قريةٍ صغيرة أو موضعٍ عابر في جغرافيا البحرين القديمة. فقد وصفها المؤرخ والجغرافي ياقوت الحموي في معجم البلدان بقوله “الزارة قرية كبيرة بالبحرين وفيها مرزبان الزارة”، وهي إشارة تحمل دلالاتٍ إدارية وعسكرية مهمة، إذ تكشف عن مكانة الموقع بوصفه مركزًا ذا وظيفة تنظيمية ودفاعية في الفترات السابقة للإسلام.

كما أورد الحازمي في كتاب البلدان نقلًا عن الأزهري قوله “عين الزارة بالبحرين معروفة، الزارة قرية كبيرة وكان مرزبان الزارة منها”، وهو وصف يعزز حضور الزارة كموقعٍ معروفٍ ارتبط بالاستقرار البشري والإدارة المحلية. أما الفيروزآبادي فقد أشار إليها في القاموس المحيط بقوله: «الزارة بالبحرين وبها عين معروفة»، في دلالةٍ على ارتباط المكان بموارده المائية التي أسهمت في أهميته التاريخية.

ولم تغب الزارة عن كتب المسالك والجغرافيا؛ إذ ذكرها ابن خرداذبة في المسالك والممالك ضمن قرى البحرين، بينما خلص حمد الجاسر، في تحقيقاته لموضعها، إلى أن موقع الزارة التاريخي يقع في نطاق قرية العوامية الحالية، مرجحًا أنها كانت في الأصل إحدى محلاتها أو جزءًا عمرانيًا متصلًا بها.

وتشير أوصاف عددٍ من المؤرخين إلى أن الزارة كانت مدينةً ساحلية ذات أهمية بحرية، إذ ضمّت فرضةً (ميناءً) نشطًا على الساحل. وقد ذكر المسعودي أنها تقع على ساحل بحر فارس، فيما ورد في كتاب المناسك أنها “فرضة من فرض البحر، وأكثر غلتها النخل والسمك”، في وصفٍ يعكس ارتباطها الوثيق بالبحر وموارد الواحة معًا. ويرى بعض المؤرخين المعاصرين أن مدينة الزارة كانت تمتد على رقعةٍ جغرافية واسعة، تشمل أجزاءً كبيرة من الأراضي التي تُشكّل اليوم معظم مساحة العوامية.

الزارة قبل الإسلام مركزٌ إداري في إقليم البحرين:

تشير الروايات التاريخية إلى أن الزارة كانت من مراكز النفوذ الفارسي في شرق الجزيرة العربية خلال العصر الساساني، إذ ارتبطت بوجود المرزبان، وهو الحاكم أو الوالي الفارسي المحلي. ويعني ذلك أن المدينة لم تكن تجمعًا زراعيًا فقط، بل مركزًا إداريًا وسياسيًا داخل منظومة التجارة والسلطة الممتدة على ساحل الخليج.

وقد وصف الباحثون المتأخرون الزارة بأنها من أقدم مدن الخط، وربما كانت حاضرةً رئيسة للمنطقة في مرحلة ما قبل الإسلام. كما أن موقعها ضمن واحة القطيف منحها عناصر قوة إضافية وهي المياه العذبة، الزراعة، القرب من المرافئ، والاتصال المباشر بطرق التجارة البحرية والبرية.

الزارة في صدر الإسلام وحروب ما يعرف بحروب الردة:

برز اسم الزارة بوضوح في أحداث صدر الإسلام، خصوصًا خلال اضطرابات الردة في إقليم البحرين. فقد كانت البحرين القديمة بمدنها ومنها الزارة مسرحًا لتحولات سياسية ودينية مهمة بعد وفاة النبي (صل الله عليه واّله)، وأصبحت المنطقة جزءًا من الحملات العسكرية التي هدفت إلى إعادة تثبيت السلطة الإسلامية. وتظهر المصادر التاريخية أن شرق الجزيرة العربية لم يكن هامشًا في تلك الأحداث، بل كان أحد مراكزها الفاعلة.

الزارة والقرامطة وبداية التراجع:

لعل أكثر المراحل تأثيرًا في تاريخ الزارة كانت مرحلة الصراع القرمطي. إذ تشير روايات محلية وتاريخية إلى أن المدينة تعرضت للخراب أو التدمير خلال حقبة القرامطة، خصوصًا في عهد زعيمهم أبو سعيد الجنابي، ما أدى إلى تراجع دورها السياسي والعمراني. ويرى بعض المؤرخين أن هذا التحول ساهم في انتقال الثقل السكاني والعمراني إلى مواضع أخرى في واحة القطيف. غير أن تفاصيل هذا الخراب ما تزال موضع نقاش؛ فالمصادر لا تقدم وصفًا متفقًا عليه لحجم الدمار أو توقيته الدقيق.

الزارة والآثار مدينة تحت التراب:

تكشف الشواهد الأثرية الحديثة أن الزارة ليست مجرد اسمٍ في الكتب. فقد سُجل الموقع ضمن المواقع الأثرية الرسمية في المملكة، كما تشير بقايا الفخار والامتدادات الأثرية إلى وجود نشاط بشري طويل الأمد. إلا أن الموقع ما زال بحاجة إلى تنقيبات أثرية أوسع قد تعيد رسم صورة المدينة بصورة أوضح.

وفي الختام: ليست الزارة مدينةً مفقودة بالمعنى الكامل، وليست مدينةً حاضرة بالمعنى المعتاد. إنها مدينة تقف في المسافة بين النص والأثر، بين الذاكرة والمكان. وربما تكمن قيمتها الحقيقية في أنها تكشف كيف يمكن لمدينةٍ واحدة أن تختصر تاريخ الخليج كله في التجارة، البحر، السلطة، الصراعات، والتحولات التي تصنع المدن ثم تعيد تشكيلها.

المهندس صادق علي القطري

أهم المصادر التاريخية والمرجعية:
• ياقوت الحموي، معجم البلدان.
• مادة الزارة التاريخية (ملخصات ومراجع)
• الشيخ حمد الجاسر، كتابات ودراسات حول بلاد البحرين والخط.
• محمد سعيد المسلم، ساحل الذهب الأسود.
• دراسات حروب الردة في البحرين القديمة.
• الدراسات المحلية حول آثار القطيف والعوامية.
• https://areq.net/m/%D8%A7%D9%84%D8%B2%D8%A7%D8%B1%D8%A9_%28%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D9%8A%D9%81%29.html?utm_source=chatgpt.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *