تاريخ نحت المكعبات من حجارة فروش الخليج العربي واستخلاص حجارة البناء وألواح تسقيف الجداول ومد الجسور الحجرية ومنحوتات أخرى – بقلم عبد الرسول الغريافي

منذ فترات زمنية سحيقة جداً تَعَّودَ فيها سكان مناطق سواحل الخليج العربي على بناء بيوتهم بإستعمال الخامات البيئية والتي منها الطين أو الجص (الطين المحروق) ومعه الحجارة المستخرجة من شواطيء الخليج العربي، وأما سقوف هذه البيوت فكان بعضها من جذوع النخل (المُسَجَّن) وبعضها من جذوع الأشجار (الچندل) ومعها -أحيانا- جريد النخل بالإضافة إلى أن هناك نظام التسقيف المعروف بـ(الباسچيل) المزخرف وفيما بعد جاء نظام التسقيف بالمرابيع والليحان، وأما بعض الحمَّامات العامة (وهي نادرة) فكانت سقوفها على شكل قببي من نفس مواد البناء وهي الجص والحجارة دون الحاجة لاستخدام الجذوع أو الأخشاب.

كان أغلب نظام البناء المتبع هو الطريقة المعروفة بنظام السافات المكوَّنة من طبقتين وهما الملاط والمعروفة محلياً في بعض المناطق باللقم (التلقيم) وبعدها تأتي طبقة أخرى فوقها تعرف بالحشو وهي حجارة بأحجام معينة يعتمد حجمها ونظام صفها حسب المتعارف عليه عند بنائي تلك المنطقة لذا كنا دائما نسمع الأستاذ (وهو رئيس البنائين المهندس والمشرف والمنفذ والمخطط للبناء) ومعه مساعده يرددان عبارة مكوَّنة من كلمتين الأولى منهما إسم والثانية فعل وهذه العبارة ماهي إلا اصدار أومر وتوجيهات للعمال المساعدين فيقول: “حشو.. لَقِّمْ/ حشو.. لَقِّمْ”: أي ناولني حشوة.. ناولني لقمة/ ناولني حشوة ناولني لقمة، وطبقاً لذلك يتم مناولته ما يطلبه من أجل تنفيذ البناء وهكذا يتم رفع الجدار ويتخلله النقايل (والنقيلة هي العمود). تلك الكلمتان هما ملخص كيفية بناء الأسوار بشكل عام، ولهذا البناء تفاصيل أخرى نتعرض لذكر بعضها.


إن أغلب حجارة بناء بيوت سواحل الخليج العربي عادة ما تكون بحرية تُقلع من قيعان بحر الخليج القريبة المتكونة عند السواحل وتعرف محلياً في بعض مناطق الخليج بالفروش حين تكون متراكمة عند السواحل في كتل كبيرة.
إن سبب تسميتها بهذا الإسم لأنها حين تنمو وتتكون تمتد مفترشة بعض قيعان السواحل بشكل متقطع أو بشكل متصل أحياناً على مد البصر واحيانا تنمو متراكمة مشكلة ما يشبه المرتفعات الجبلية البيضاء وتعرف بالقصَّار وأما جزء ذلك القصَّار الذي يستمر فيه قطع الحجارة فيسمى المقلع (وجمعه مقالع)، وأما عن آخر حد منه يجرى فيه القلع والتكسير فهذا يعرف بالمقص.

كان العمّال من هؤلاء الكسارين يستغلون مرحلة الجزر (المعروفة محلياً بالثبر/الفبر) أو المدّ المنخفض أو كما يسمى في مناطق أخرى بالربيع البحري ليصلوا إلى طبقات المجمع الحجري الصلب (القصّار) القريب من ساحل البحر بعد أن تنحسر عنه بعض المياه وعندها يقوم بقلعها وتكسيرها هؤلاء العمَّال وهم رجال أشداء يعرف الواحد منهم بالكسَّار فيستخدمون أدوات يدوية تُعرف بالمرزبَّات (وهي مطارق حديدية كبيرة) فيحولون تلك الفروش إلى حجارة ذات أحجام يسهل نقلها على ظهور الحمير بواسطة حاويات خشبية فكل حمار يحمل حاويتين على جانبيه وهذه الحاويات ذات أشكال هرمية مقلوبة (أي أن قاعدتها المنفرجة مقلوبة إلى الأعلى فتكون على شكل ٧٧) وتسمى الواحدة منها (اللنقة) ويسميها البعض الآخر (المَنْقل)، وفيما بعد جاء عصر العربات الخشبية التي تجرها الحمير والمعروفة بـ(القواري) وتلى ذلك عصر سيارات (النچَّال) أو (القلاّب) التي سهَّلت نقل الحجارة من البحر إلى مواقع البناء في وسط الأحياء والقرى مباشرة وكانت كل شحنة تسمى (تريب) فيقال: تريب رمل وتريب حجارة وكلمة تريب جاءت من كلمة انجليزية (trip) بمعنى رحلة.


جدير بالذكر أن هناك نوعان من الأحجار المستعملة في بيئتنا الخليجية، فأهالي المناطق المتاخمة للبحر يبنون بيوتهم من حجارة الفروش البحرية أما القرى والمناطق النائية عن البحر والقريبة من البيئات الصحراوية والتي تتواجد حولها المرتفعات الجبلية فإنها تستخدم الأحجار الجبلية البرية أياً كان نوعها -كما هو في قرى القطيف الغربية. ومن الغريب أحياناً أننا نجد بعض البيوت في تلك المناطق تُبنى بخليط من الحجارة الجبلية منها والبحرية المعروفة بالفروش.

مسميات الأحجار البحرية المحلية والعالمية:
يطلق أغلب سكان سواحل الخليج العربي مسمى حجارة الفروش على تلك الحجارة التي يستخرجونها من سواحل الخليج العربي لبناء البيوت والأسوار وغيرها من المباني التقليدية التي تبنى على سواحل الخليج العربي لكون تلك الأحجار هي الأقدر والأقرب على التكيف وتحمل رطوبة البحر فيكسب البِناء القدرة على البقاء طويلاً في المناطق الساحلية، ومن البديهي أن تتنوع المسميات التي تطلق على تلك الحجارة البحرية في مناطق ساحلية مختلفة في انحاء العالم حسب اللغة والعادات والتقاليد والأعراف الإجتماعية وحسب صفاتها ومميزاتها الخاصة بكل منطقة أيضاً،

لذلك من الطبيعي أن تكون المسميات كثيرة ومتنوعة بحيث لا يسع ذكرها جميعاً في هذا البحث إذ أن التوسع في ذكر مسمياتها يحتاج لبحث مستقل ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله. فأما المسميات العلمية منها فهي متشابهة عالميا وتكاد تكون محدودة على عكس المسميات المحلية. في بعض مناطق سواحل البحر الأحمر بالمنطقة الغربية بالسعودية وبالأخص جدة -مثلاً- يطلقون عليها مسمى حجارة (المنقبي) وكذلك (الحجارة المنقبية) ويقال أن سبب هذه التسمية لأن أهالي المنطقة يحتاجون للتنقيب عنها في البحر.

وفي المنطقة الجنوبية -في جازان- يُستخدم الحجر البحري ايضاً ولكن بقلة وذلك في بعض مناطقها الساحلية وبالأخص في الجُزُر ولكن في عامة منطقة جازان أغلب البناء فيها يعتمد على الأحجار الجبلية. جزيرة فرسان هي إحدى جزر جازان التي يُستَعمل الحجر البحري فيها للبناء ويعرف بالحجر الفرساني وفي جزيرة المرجان أيضاً يستعمل الحجر البحري ويعرف بالمرجاني.

ويسمى رسمياً في بعض مناطق اليمن الساحلية الجيري الشعابي والمرجاني، أما في شحر وعدن والمكلا واغلب امتداد الساحل الحضرمي فيسمى (الحجر الشحري) نسبة لمنطقة شحر حيث مركز تواجده واستخراجه وكثرة استعماله فيها، كما أنه يحمل نفس الإسم في أرخبيل سقطرى. أما في عمان فالقلة منهم من أهالي المناطق الشرقية من يسميه الفروش ولكن في الغالب الاسم الرسمي هو الحجر الجيري والبحري ويسمى في بعض المناطق (تكوين السيب وتكوين الجفنين) نسبة إلى ولاية السيب العمانية ومنطقة الجفنين. حين يستخدم أهالي بعض المناطق العمانية هذا النوع من الحجارة فإنهم يستخدمون معه الطين المحروق (الجص) كمادة للتكسية ويسمى محلياً (الصاروج).

من الواضح أن استعمال هذه الأنواع من الحجارة البحرية في عالم البناء ليس مقتصر على مناطق الخليج فحسب وإنما استعماله كمواد للبناء منتشر في كثير من المناطق الساحلية على الصعيدين العربي والعالمي وإن كان استعماله نسبياً أعلى في مناطق الخليج العربي الساحلية لعدم وجود البديل الموثوق فيه ولوفرته ولسهولة استعماله وقربه ومقاومته للرطوبة، ولكن من الطبيعي أن تختلف مسمياته المحلية والرسمية في مختلف مناطق العالم حسب كل منطقة فعلى سبيل المثال توجد قلاع وبيوت قديمة في محافظة مرسى مطروح بجمهورية مصر مبنية بهذا الحجر البحري ويعرف عندهم بحجر مطروح وأما في بعض المناطق الساحلية الأخرى في مصر فهو غالباً مايعرف بحجر الدَبْش المرجاني.

وفي مناطق فلسطين الساحلية يعرف بإسم الكركار وكذلك في مناطق لبنان الساحلية يعرف أحيانا بنفس الإسم ولكن الغالب يعرفونه بمسمى الحجر المرجاني البحري وأيضاً الحجر الجيري الصدفي وفي بعض من مناطق سوريا يسمى الحجر الحلبي وفي مناطق اخرى حول هذه الديار يستعملون نفس المسميات: (الكركار والجيري الصدفي والمرجاني البحري).

وعلى الصعيد العالمي فهو يُستعمل بشكل واسع -فمثلاً لا حصراً- في ولاية فلوريدا الأمريكية يستعملونه كمادة لرصف الطرق وكأحجار بناء للمنازل ويعرفونه بحجر الكوكينا (coquina)، وكذلك يستعمل في بناء المنازل في المناطق الساحلية في اسبانيا -مثلاً- كما هو في جزيرة مايوركان وكذلك في منطقة كاتالونيا فإنهم يبنون أغلب منازلهم بحجر الفروش البحرية ويسمونها كوكينيه (Coquine) ويسمونه أيضاً كونكيلا (Conquilla) بلغتهم الكاتالونية.

أما عن المسمى العلمي العالمي العام لهذا الحجر فهو حجر الـ (coquina) وتعَريفه العالمي هو الحجر الصديفي وهو حجر يتألف من كسارة المرجان والأصداف البحرية. وعن موسوعة (Grolier) الأمريكية فإنها توضح تعريف حجر الكوكينا (coquina) بأنه نمط من مركب الحجر الجيري (Limestone) المؤلف من شظايا مكسرة من حطام الأحافير وإن
أغلب هذه الشظايا بحجم الحصى الجزيئي (أكبر من ٢ملم /٠.٨٠ بوصة) وعادة يكون ذلك الخليط (المركب) من المواد الصدفية.

إن لفظة (coquina) مشتقة من اللغة الإسبانية والتي تعني (cockle) اي أنها نوع من الأصداف أو المحار (shellfish) التي كانت تتآكل بسبب تحركاتها وتنقلاتها بفعل حركات التيارات البحرية الجارفة والأمواج المتدافعة. وفي الأصل أن هذا الإسم جاء من اسمها العلمي وهو تركيبها الكيميائي كربونات الكالسيوم (CaCO₃) حيث عندما نقرأه مجتمعا نقول (كاكو) وقد لحقته اضافات أخرى.
إن شظايا الكوكينا سهلة التكسر، وهي ناعمة ومسامية للغاية ومتواجدة بدرجات متفاوتة من اللون الأبيض. لقد تم استخدام رواسبه التي عثر عليها مؤخراً في فلوريدا كمادة لرصف الطرق وكحجر بناء للمنازل.
إنها صخور رسوبية ساحلية تتكوّن مباشرة في منطقة الشاطئ (منطقة المدّ والجزر)، وغالباً ماتُعرف علميًا في بعض المناطق باسم (صخور الشواطئ) (Beachrock)، وأما إن كانت غنية بالأصداف والقواقع الصغيرة فهي تعرف بالكوكوينـا (Coquina).

ومن تعريفاتها العلمية أنها حجارة جيرية بحرية، ومن ادق الأوصاف العلمية الجيولوجية لها هو أنها حجارة جيرية مرجانية (Coral Limestone) كما ويُطلَق عليها أيضاً مسمى (Coralline Limestone) وتعني بالعربية: “حجر جيري مرجاني”. وهناك وصف علمي آخر لها بمسمى “صخور مرجانية كلسية” ولكنه غير رسمي وأما باللغة اللاتينية فيدعى: (Calcareous Coral Rock). إن التركيب الكيميائي لهذا لحجر الجيري (Limestone) هو (كربونات الكالسيوم CaCO₃) – (Coral / Coralline) الناتج عن تراكم (هياكل الشعاب المرجانية) ، أي أنه حجر تكوَّن من بقايا المرجان المتحجرة عبر آلاف السنين.

وهناك أيضًا مسميات أخرى مثل (الحجر الجيري المرجاني الأحفوري) (Fossil Coral Limestone) ، وإسم آخر هو الحجر الجيري الشعابي (Reef Limestone) ، ومن مسمياته أيضاً (حجر جيري بحري حيوي المنشأ) (Marine Biogenic Limestone) ، وأما في سائر الخليج العربي من حيث الدراسات المعمارية والتراثية، فغالبًا مايعرف بإسم: “منازل مبنية من كتل الحجر الجيري المرجاني” (Coral stone houses built from coral limestone blocks). وهذا يعادل نفس المسمّيات المحلية الخليجية: حجر الفروش والحجر البحري والحجر المرجاني.

مراحل تكوين أحجار الفروش والفترات الزمنية المستغرقة:
قبل اكتمال تكوين أحجار الفروش فإنها تمر بسلسلة من المراحل حتى تتحول لتصبح تلك الأحجار التي نراها تشكل جزءاً كبيراً من مكونات بيوتنا التقليدية القديمة وهذه المراحل التي تمر بها هي:

1. مرحلة تراكم الرواسب: حيث تتراكم الرمال البحرية والطين مع شظايا الأصداف والقواقع والمحار الصغير وبقايا كائنات بحرية كلسية فيحدث ذلك التراكم بفعل تحركات الأمواج والتيارات البحرية.
2. مرحلة الترسيب في منطقة المدّ والجزر: حيث أن هذه المنطقة تنغمر بمياة البحر بشكل متكرر ثم تتعرض بعدها للجفاف ثم تأتي مرحلة التبخر، وهذا التناوب مهم جدًا لبدء المرحلة التالية وهي التماسك.
3. التماسك (التسميت): حيث أن مياه البحر غنية بـ كربونات الكالسيوم (CaCO₃) فعند التبخر أو تغيّر درجة الحرارة تترسّب كربونات الكالسيوم فتعمل كمادة لاحمة بين الحبيبات فتتحول الرواسب المفككة إلى صخر صلب نسبيًا.

أما سبب احتوائها على القواقع والأصداف الصغيرة وكذلك القليل جدا من الجزيئات المرجانية فذلك لأن الأصداف والمحار تعيش في نفس البيئة الساحلية فحين تموت فإنها تتحطم وتُدفن بسرعة في وسط تلك الرواسب مكوّنة أساساً من كربونات الكالسيوم، مما يُسَهّل اندماجها في الطين المتحول إلى هذا الصخر ويجعلها جزءًا بنيويًا من الحجر وليس مجرد شوائب.

من خلال ما وضحته لنا نظرية مراحل تكوين هذه الحجارة وتراكماتها الصخرية وكذلك ما نلاحظه ونشاهده بأعيننا فإنه يتبادر إلى الذهن مدى تناسب مسمى (الحجر المرجاني) على هذه الصخور وإن كان بعضها مسميات عالمية فمن الواضح أنه لاعلاقة في تكوين هذا النوع من الأحجار بالمرجان بشكل مباشر ولا ينطبق هذا الإسم عليه بالتمام! نعم قد نلاحظ في تركيباته بعض من الشظايا أو القطع الجزيئية المرجانية إلا أنها قليلة وليست حتى بنفس نسبة تواجد القواقع والأصداف الصغيرة والمكونات الأخرى فيه ، فبيئة تكوينه ساحلية بينما بيئة نمو وتكوين المرجان تكون في مناطق أعمق وأبعد.

وعن المدة الزمنية المستغرقة لتكوّين هذه الأحجار فهي متفاوتة حسب ظروف التكوين بشكل تقريبي حيث أنها تمر بمرحلتين: الأولى منها مبدئية وهي دورة التكوين السريعة التي تتراوح مدتها التكوينة بين عدة سنوات إلى عشرات وتمتدت إلى مئات السنين، أما المرحلة الثانية فهي التي يحدث فيها التكوينات التراكمية المركبة الضخمة فتحتاج لمدة طائلة تصل إلى آلاف السنين وهي المرحلة التي تتكوِّن فيها سلاسل من مرتفعات صخرية على قيعان سواحل البحر وهي ما تعرف محلياً بالقصَّار وتعرف عالميا بالـ (Reef).

وعموماً إن هذه الفترة التكوينية وإن كانت فترة طويلة جداً لا يستهان بها إلا انها تُعد جيولوجيًا سريعًة جدًا مقارنة بالصخور الأخرى التي على اليابسة فهي تحتاج الى ملايين السنين. إن صخور الفروش البحرية (كوكينا) سريعة التكوين كما أنها مستمرة في التكوين دون توقف طالما أن العوامل البيئية مستمرة، وهذه الضخور هي أقل صلابة من الصخور النارية لكنها مع ذلك على درجة عالية من التماسك كما أنها تدوم لمدد طويلة في البناء تصل لآلاف السنين، وأما بعد تكوينها وبقائها في البحر فقد تتعرض للتآكل مع مرور الزمن بفعل ارتطام الأمواج بها بشكل متكرر وكذلك بفعل التغيرات الكيميائية ومن جانب آخر نحت ونخر الكائنات الحية البحرية لتكوين بيوتها فيها.

تعديل وتشكيل أحجار الفروش البحرية من أجل استغلالها في البناء عبر العصور:
أظهرت لنا المباني التقليدية والآثار العمرانية القديمة في منطقتنا الخليجية تعدد الإستعمالات لأحجار الفروش واستغلال الانسان الخليجي شتى السبل من أجل الإستفادة من استعمالاتها على أتم وافضل الأوجه كما وقد استطاع توظيف جميع أحجامها وأنواعها وبأشكال مختلفة منها لتشكل عناصر رئيسية في بناء تلك الصروح التي ظلت شامخة تصارع عوامل الزوال على مدى سنين وعصور في بقاع مختلفة من مناطق ومدن وقرى سواحل الخليج العربي ولا سيما مانراه قريباً منا في المناطق التي استعملته بكثرة وبشكل رئيسي كما هو في مناطق وبلدات الكويت القديمة كجزيرة فيلكا وكذلك في مناطق مختلفة من البحرين وبعض المناطق الساحلية القديمة من شرقية السعودية كالقطيف حيث أن جميعها استخدمت حجارة الفروش منذ عصور قديمة وحتى عهد قريب حين حلت محلها مواد البناء الحديثة الأنسب لهذا العصر.

من أجل توضيح أكثر علينا أن نسلط الأضواء على استعمالات تلك الأحجار في مراحل زمنية مختلفة وأيضاً بإختلاف اشكالها وأحجامها وكيف تم ذلك وما الطرق المتبعة في تسهيل المهمات من أجل الإستعمال.

ونستعرض هذه الإستعمالات التي شُوهِد تواجدها في المباني القديمة وكذلك التي شهدها العصر الحديث والتي استمرت حتى عهد قريب من ثمانينات القرن العشرين وهذه الإستعمالات هي:

أولاً: إستعمال حشوات صغيرة لإقامة سافات جدران البناء من أحجار الفروش البحرية:
النمط السائد في استعمال الأحجار البحرية للبناء هو تلك الاحجام المُعتاد استخدامها وإن اختلفت في المقاييس نوعاً ما وأيضاً في المسميات بين منطقة وأخرى فهي مستخدمة بنفس أشكالها الطبيعية العشوائية كما هي عليه مع الإضطرار لتعديل اشكالها احيانا والتحكم في احجامها عن طريق التكسير، لذا نلاحظ أنه من الطبيعي أن يتحتم على البنائين القيام بتصنيف حجارة بناء المنازل المستخرجة من البحر والمعروفة بالفروش وذلك حسب الحاجة وحسب مواقع استعمالها وحسب ظروف البناء، كما ولا بد من تمييز تلك التصنيفات بإعطائها مسميات تدل على أحجامها وأشكالها حسب مواقع استخداماتها، ففي القطيف -مثلاً- هناك مسمى لكل حجم من هذه الحجارة وكل حجم يستخدم حسب موقعه المناسب في البناء وهذه المسميات متعارف عليها كمصطلحات بين البنائين وفي العادة هناك من يقوم من العمال بتكسيرها في موقع البناء وتعديلها حسب الحجم والشكل المطلوب من قِبَل أستاذ البناء (رئيس البنائين) ومن أشهر مسمياتها القطيفية هي:
1. القوايس: (واحدتها قياس/قياسة) وكما يصنف البناؤون حجمها بأنها (حوشة يد) يعني قبضة يد وهي أكبر من الحشوة (التي سيرد ذكرها).
2. الحشوة: هي أصغر من القوايس بقليل ووزنها يصل تقريبا إلى الحقة (وحدة وزن قديمة) وتستعمل هذا الحجم عادة للموازنة.
3. قوايس قوية: وهي أكبر من الحشو وأكبر من القوايس تستعمل لبناء (صلخ /صلوخ الروازن) ويصل وزنها إلى حقة ونصف.
4. قوايس أم ألفين: بحجم نشر الكفين ووزنها أربع حقات.
5. ألافِين: أكبر بقليل من حجم كفين كبيرتين منشورتين.
6. حشوة قوية: اكبر من الحشوة المعتادة وتستعمل لحشو النقايل (الأعمدة) في وسطها بنظام اثنتين اثنتين لتترك تجويف وسطي في النقيلة لحشوها بالمادة الملاطية ان كانت جص أو اسمنت.
7. حشوة صغيرة: اصغر من الحشوة المعتادة.
8. اربوع قوية: يصل وزنها ربع منّْ قطيفي (أي ٤ كيلو).
9. ربوع ضعيفة: اصغر من القوية بقليل.
10. ربوع الساسات/ربوع الساس: والساس هو الأساس أي قواعد البيت فهذه الحجارة كبيرة تستعمل لتأسيس البناء ولقواعده.
11. الصلابيخ مفرد صلبوخ: عادة تكون أم ألف ولكنها معدلة مملسة لغرض تسهيل البناء في مواقع حرجة منه.
12. الوجنات: حجارة معدلة مهذبة بشكل زوايا مستديرة تستخدم في أطراف وزوايا النقايل (الأعمدة).
13. حقروص: صغيرة أصغر من القوايس للضبط الدقيق وخصوصاً لنقايل القول (وهي الأعمدة الإسطوانية التي تُبنى لحمل الأقمار أي الأقواس) فالأعمدة الإسطوانية تخلو من الزوايا والطوالع.
14. الجراويل: ومفردها الجرويل كما يسمى في بعض المناطق كما هو في جزيرة تاروت ولعل الإسم اشتق من جرو الكلب كناية تدل على صغر الحجم وهي نفسها الحشوات الصغيرة والتي تسمى احيانا بالحصم وهي الصغيرة جداً وهذه تستعمل لتكسية سطح السقف العلوي سواءًا أكان باسجيل او سقف جذوع أو جريد.

تلك هي مسميات أحجام حجارة البناء المحلي المتعارف عليها في بناء البيت القطيفي أو الخليجي بشكل عام في بعض مناطق الخليج والمعروف محلياً بالبيت العربي. تلك الحجارة كانت تستخلص من صخور فروش البحر الضخمة بعد تكسيرها من مواقع نموها ونقلها إلى مواقع البناء بأحجام معينة وشبه متساوية وبعدها يتم تكسيرها إلى الأحجام المطلوبة السالفة الذكر عند موقع البناء.

وأود أن اشير هنا إلى أن بذراني القطيف وهو موقع ضمن حدود القطيف الغربي والممتد غرباً حتى يتصل بصحراء الدهناء والذي كان مفعم بالقرى وحركة أهلها وسعيهم بين تلك القرى ومقرات أعمالهم في البساتين وفلاحتها وبين مزارعهم التي اشتهرت بزراعة العيش الأحمر المعروف محلياً بالهندية وكذلك في مساعيهم بين عيون السيح
وجداول وسابات مياهها المسقوف منها والمكشوف من أجل المساقاة، تلك العشرات من القرى سواءًا المندثرة منها أو التي لاتزال باقية لتندمج ببعضها لتنحو إلى صوب المدنية الحديثة وكذلك بقسميها الغربي والشرقي فقد بُنِيت جميعها بنظام السافات والجلسات منذ القِدم وقد سبق الحديث عنها ولكن الجدير بالذكر هنا هو أن القرى الشرقية منها قد استخدمت حجارة الفروش البحرية وقد يشوبها أحيانا حجارة صحراوية (جبلية)، وأما القرى الغربية فأغلب حجارة البناء فيها هي الحجارة الجبلية إلا ما ندر منها. وإلى عهد قريب كان كبار السن الماضون يتحدثون عن وجود (سيسان) بيوت تلك القرى أي أساسات قواعدها والتي عفتها الرمال ولاتزال بعضها قائمة حتي أيامنا هذه والتي يمكن رؤيتها كلما انحسرت عنها الرمال.

لقد استمرت استعمالات أحجار الفروش البحرية في البناء التقليدي المحلي حتى عصر ما قبل انتشار البناء الخرساني المسلح ولم يتوقف حتى ثمانينات قرن العشرين الماضي وقبل استبدالها بالطوب أو الطابوق وخصوصاً بعد ان بدأ الدعم من بعض الشركات الكبيرة لموظفيها وكذلك ما قدمته الحكومات من صناديق الدعم للمواطنين عند الرغبة في الشروع في البناء كما كانت تقدمه شركة أرامكو لموظفيها منذ بدايتها وكذلك ما قدمه صندوق التنمية العقاري السعودي لكل مواطن يسعى للبناء، وفي هذه الحالة لا بد من وضع المواصفات الحديثة المتقدمة من أجل الإرتقاء بمستوى البناء وبالتالي اتجه المجتمع نحو البناء الحديث طبقاً للمواصفات المطلوبة وبهذا تم الإستغناء عن كثير من مواد البناء التقليدية التابعة لأنظمة البناء التقليدي القديم بما فيها حجارة الفروش البحرية.

إن اتباع نظام البناء بطريقة (السافات) وكذلك نظام (الجلسات) في بيوتنا التقليدية القديمة ليست وليدة سنين قريبة أو عقود قليلة من الزمن فقد تمكنت بعض فرق خبراء الآثار والإكتشافات من إبراز دلالات أثرية لقرى ومدن منطمرة تحت الأرض يرجع تاريخها لآلاف السنين وقد كان بناؤها بنفس الطريقة المُتَّبَعة وهو نظام البناء بالسافات او الجلسات لجميع منازل عامة الناس وهي الطرق التقليدية المستخدمة بين بعض سكان سواحل الخليج قبل العصر الحديث وذلك باستعمال هذه الأحجار في بناء جدران البيوت والمساكن وحتى بوابات المزارع وأحياناً بعض أسوارها وغالبًا تُربَط هذه الحجارة أثناء البناء بـمونة من الطين أو الجص المحروق بدلاً من الأسمنت الحديث، لأن الإسمنت لم يكن متوفرًا في تلك الآونة ولكنه فيما بعد حل بشكل عام كمونة بديلة تربط هذه الحجارة ببعضها بدلاً من الجص أو الطين.

ثانياً: نحت المكعبات ومتوازيات المستطيلات الحجرية البحرية بأحجامها المختلفة:
هناك نمط آخر لاستخدام حجارة الفروش والذي كان مُتبع في بعض مناطق الخليج بشكل نادر بسبب اقتصار استعماله على مبانٍ خاصة وفي مناطق محدودة من أجل أن تدوم طويلاً وبالفعل أن بعضها لايزال قائماً حتى أيامنا هذه منذ آلاف السنين، وهذه المباني متسمة بالفخامة لكونها قصور أو قلاع أو معابد أو دور عبادات أو أسوار مدافن أو أبراج ومنارات بحرية أو أسوار تحيط العيون من الداخل والمعروفة محلياً بالجالات.

هذه المجهودات المبذولة في انجاز نحت المكعبات ومتوازيات المستطيلات من هذه الأحجار تستغرق أوقاتاً طويلة جداً، فلك أن تتخيل كل صخرة أو حجرة تُنْحَتُ لتصبح متوازي مستطيل أو مكعب وبأدوات يدوية بدائية بسيطة! فكم تحتاج من الوقت والدقة والمهارة للحصول على ما يكفي لمبنى كاملا؟ في منطقتنا يطلق محلياً على هذا النوع من النحت التوجين والفعل منها وجَّن والوجن من أصل عربي هو تكسير الحجر او تعديله (راجع لسان العرب) ومن معانيها أيضاً ما ارتفع عن الخدين او نتأ منه وجميعها تصب في نفس المعنى وهو تهذيب وتعديل الحجر بشكل مجسّم منتظم ومتعدد الوجوه. وهناك أيضاً توجين الجدران او الجداول المائية بمعنى مسحها بالجص او الاسمنت لتبقى ملساء ومستقيمة ومضلعة ومنتظمة ومتناسقة.

إن هذا النوع من البناء يختلف عن نظام حجارة السافات التي تتم بوضع طبقة من الملاط وطبقة من الحجر، لأنه في هذه الحالة بعد نحته بشكل متوازي مستطيلات او مكعبات ليتم صفه على تلك الطبقة الرقيقة من الملاط بين كل حجر بحيث تشكل هذه الأحجار النسبة الكبرى من البناء وأما الملاط بينها فنسبته قليلة لأنة يشكل فقط شريط بنائي ضيق، إن هذا الحجر المكعب محاط من أربع الجهات بهذا الملاط تماما كما يتم في عملية صف الطوب أو الآجر (أو كما يعرف محلياً بالطابوق) وذلك في البيوت الحديثة في هذه الأيام.

إن هذه الأحجار المكعبة حتى وإن اهترت مادة الملاط التي تحيط بها وذلك بعد مرور زمن طويل فإن هذه المكعبات تبقى مصفوفة متماسكة فوق بعضها ثابتة معتمدة على ثقلها الذي يزيد من رصها فوق بعضها وبجانب بعضها وخصوصاً الضخمة منها فتبقى ثابتة صامدة على مر الزمن دون الحاجة إلى المزيد من مادة المونة او الملاط.

من خلال تتبع أحجام هذه الصخور التي تم نحتها خلال فترات زمنية ماضية قديمة جداً يمكننا تصنيفها إلى الأحجام التالية:

١. المكعبات ومتوازيات المستطيلات الحجرة الضخمة:
وأما بالنسبة لنحت تلك المكعبات من أجل بناء الصروح فقد امتازت كل مرحلة زمنية بمواصفات وأحجام معينة خاصة بها قد ميزتها عن بقية أعمال المراحل الزمنية الأخرى وذلك حسب الحاجة وأنواع البناء وما يرونه أبناء كل جيل، وقد كان أقدمها هي التي تميزت بالحجم الأكبر وتحديدا تلك المكعبات ومتوازيات المستطيلات التي بني بها معبد عشتاروت في جزيرة تاروت القطيف بالمملكة العربية السعودية والقائم بناءه حتى أيامنا هذه وهي التي تشكل جدران ذلك المعبد وسقوفه ولم يُشهد منحوتات حجرية بحرية بشكل متوازيات مستطيلات بحجمها في مناطق أخرى من الخليج العربي قط فهي تضاهي أحجام بعض مكعبات ومتوازيات مستطيلات صخور أهرامات الجيزة بمصر بل حتى أن تاريخ البناء لكلا الصرحين متقاربين على وجه التقريب (أعني أهرامات الجيزة ومعبد عشتاروت) حيث أن تاريخ بناء ذلك المعبد يعود الى العصر السومري الذي يقدر في الألف الثالث قبل الميلاد (نحو 2100–1900 ق.م) تقريبًا، ولكن لما الربط بالحضارة السومرية؟

لأن هذا المعبد (القابع في جزيرة تاروت) مرتبط بعصر إلهة عشتاروت وهي إلهة الحب والجمال والخصوبة والأمومة والحرب والقوة والتي ظهر ذكرها في ملحمة جلجامش والمقدر بدء كتابتها التقريبي في أواخر الألفية الثالثة قبل الميلاد، (أي كما سلف ذكره- حوالي 2100–1900 ق.م) في بلاد الرافدين القديمة بنسختيها السومرية الأولى التي كُتبت في عصر سلالة (أور) الثالثة عند السومريين، ثم جُمعت وطُورت لاحقًا باللغة الأكادية في العصر البابلي (العصر البرونزي القديم في حضارة بلاد الرافدين)، فظهور عبادة عشتاروت بدأت منذ العصر السومري المبكر، أي قبل أكثر من 5000 سنة. وكان اسمها السومري الأصلي غالبًا إنانا، ثم أصبحت تُعرف في العصر الأكدي والبابلي باسم عشتار.

عندما ندير الدفة لنتجه بعيداً هناك -إلى مصر- لنسلط الأضواء على عصر بناء أهرامات الجيزة الثلاثة -خوفو وخفرع ومنقرع- العائد تاريخ بنائها إلى مايعرف بعصر “مملكة مصر القديمة” وبالتحديد في عهد الأسرة الرابعة حوالي 2580–2510 قبل الميلاد، فإننا سنلاحظ أن فترة بنائها قد امتدت إلى خمسة آلاف سنة حتى هذا العصر وهي نفس الفترة التي تم فيها بناء معبد عشتاروت بجزيرة تاروت، وهذا ما دفع فضولي في إستمرار المقارنة والمتابعة المتواصلة منذ زمن بعيد لمعرفة ما يقوم به العلماء والخبراء في مصر من دراسات وبحوث حول شؤون تلك المكعبات ومتوازيات المستطيلات الصخرية التي بُنِيت بها تلك الأهرامات وحول ما توصلوا إليه من نتائج وماهية طرق اقتلاع تلك الصخور الضخمة وما الوسائل المستعملة في نقلها من المناطق الجبلية وكيفية نحتها وكذلك الأدوات المستعملة في ذلك وكيفية تركيبها وتثبيتها وهندسة صفها فلعلي بذلك استطيع التوصل ولو عن طريق المقارنة إلى الأساليب التي اتبعها القطيفيون القدامى في طريقة بناءهم لذلك المعبد الصخري الجاثي حول ضفاف عين العوده بتاروت (في حمَّام تاروت) والذي أُنشِئت فوق سطحه (سطح المعبد) فيما بعد قلعة وقصر تاروت،،،

وقد استمرت متابعتي لذلك بكل شغف وحماس إلى أن توصل البعض منهم إلى أن تلك الصخور التي بنيت بها الأهرامات ما هي إلا مكعبات تشكل طوب ضخم صُنِعت من الطين وبواسطة عمليات معقدة وتحت ضغوط عالية تمت صناعتها بإتقان تصل إلى درجة صلابة الصخور لتكون مقاومة عبر الزمن، ومن ناحية الإستعانة بالجانب الديني فقد توصل بعض العلماء المصريين إلى تعزيز هذه النظرية بآية من القرآن الكريم التي كان فيها فرعون يطلب من هامان اقامة صرحا من الطين فذكره القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (سورة القصص الآية ٣٨). هذه الآية تظهر أن فرعون قد طلب من هامان أن يوقد له على الطين (النار) فبهذا قد عزز البعض من الباحثين المصريين الذين يرون في نظرياتهم أن تلك الصخور المكعبة والمتوازية المستطيلات ما هي إلا طوب ضخم صنع من الطين المحروق وبتقنيات عالية لتصل صلابته إلى صلابة الصخر.

لقد شكلت هذه النظرية أو هذا الرأي نقطة افتراق بيني وبين تلك الآراء المختلفة عن حقيقة مكعبات احجار تاروت البحرية وصنعت حاجزاً يحول عن استمراريتي في المتابعة فالطوب الذي أتحدث عنه والتي بنيت به الصروح في بعض مناطق الخليج كمنطقة القطيف بشرقية المملكة العربية السعودية وقلعة باربار في البحرين وفي جزيرة فيلكا بالكويت وغيرها هي دون أدنى شك منحوتات حجرية اقتُطِعت أغلبها من صخور الفروش البحرية الخليجية كما يشهد بذلك ظهور القواقع والأصداف الصغيرة والكتل المرجانية الظاهرة على اطرافها الجانبية.

ورجوعاً إلى صخور الأهرامات مرة أخرى رغم ما قيل حول احتمالية صناعتها من الطين فإن أغلب الأدلة العلمية الموثوقة المتاحة اليوم تقول أنه لا يوجد دليل يدعم القول بأن الحجر لم يكن طبيعيًا أو أنه صُنع خارج السياق الطبيعي (مسحوراً) أو من ينادي بظاهرة القوى الخارقة أو الخلطات البديلة عن الحقائق المثبتة علميًا.

الحقيقة الواقعة المؤكدة هي أنها كتل حجرية طبيعية صُلِبت وقطِعت من محاجر طبيعية للحجر الجيري المحلي وأن أغلبها جاء من محاجر قريبة جدًا داخل هضبة الجيزة نفسها، حيث كان العمال يقصّون الكتل مباشرة من الصخور الراسية على الأرض ثم ينقلونها إلى موقع البناء، وإن الناعم منها يُستخدم للواجهات وهو الذي تم استخراجه من محاجر تورّة (Tura) على الضفة الشرقية لنهر النيل، وتم نقله بالقوارب عبر النهر ثم استمرار توصيله براً، أما الأجزاء الداخلية فهي من الجرانيت الذي جُلِبت من أسوان في جنوب مصر — على بعد 800–900 كيلومتر جنوباً تقريبا باستخدام قوارب نيلية وبعناية تنظيمية عالية.

عند متابعة أخبار ما يتوصل إليه الخبراء المختصون في دراساتهم حول صخور الأهرامات يمكننا الاستفادة منها من حيث التوصل لبعض الحقائق عن الصخور المنحوتة التي بني بها معبد عشتاروت فظروفها بلا شك مشابهة لظروف احجار الأهرامات من حيث الفترة الزمنية ومن حيث تقارب الحجم والغرض الذي أُقيم من أجله الصرح وكذلك طرق نقل تلك الصخور الثقيلة وطرق رفعها ورصها فوق بعضها وطرق نحتها لتحويلها الى مكعبات ومتوازيات مستطيلات، ولكن ما الأدوات التي تم استعمالها من أجل الإنجاز؟

إن أضخم أحجام هذه المكعبات المنحوتة من صخور الفروش البحرية في أنحاء مناطق الخليج على الإطلاق هي تلك التي بُنيَ بها معبد عشتاروت في جزيرة تاروت بالقطيف والتي لا زالت كما هي مقاومة رغم مرور الأزمنة والعصور على تاريخ بنائها والتي تضاهي في الحجم صخور أهرامات الجيزة وإن كانت الأخيرة أصغر منها بقليل. عندما أقول “أضخم الأحجام المكعبة في الخليج” فإني أقصد بذلك أضخم الأحجار المكعبة التي هي من فروش البحر وإلا فهناك ماهو أضخم منها من متوازي المستطيلات والمكعبات في جزيرة فيلكا ومعبد باربار بالبحرين ولكنها أحجار برية أما البحرية منها فهي بلا شك أصغر من مكعبات فروش عشتاروت.

رغم ذلك الإختلاف فإني لا زلت مستمراً في متابعة تلك الدراسات والحقائق والآراء التي لا زالت ترى أن صخور تلك الأهرامات هي صخور قد نُحِتت من الجبال وقد نقلت بوسائل وطرق معينة خاصة بذلك العصر وبتلك المنطقة، لكن تتبع مسار هذا الرأي قد يساعد كثيراً للتوصل إلى معرفة طريقة نقل ونحت تلك الصخور الكبيرة التي بُنِي بها معبد عشتاروت بجزيرة تاروت في القطيف إذ يصل معدل أبعاد تلك الصخور إلى أكثر من ٦٠سم و ٧٠سم بل ويصل أبعاد بعضها إلى ١٠٠سم وهذا قريب من احجام صخور أهرامات الجيزة التي تتراوح ابعادها بين المتر والمتر ونصف وكذلك الارتفاع الذي يصل بعضه الى ٥٠سم.

إن الصخور البحرية المنحوتة بأشكالها التكعيبية ومعها أيضاً صخور أخرى غير منحوتة ولكنها ذات أسطح واسعة وممتدة هي أكبر من صخور معبد عشتاروت وهي التي يُصنع منها الجسور وما يشبه القناطر والتي تُجلَب من المقالع البحرية، لكن السؤال لايزال قائماً حول كيفية نقلها وهي بهذه الضخامة من سواحل البحر إلى منطقة البناء! فما الوسائل المستخدمة في نقلها وكيف تم ذلك؟

الأوزان التقريبية لأحجار مبنى معبد عشتاروت التكعيبية:
كما سبق القول أن بناء هذا المعبد من مكعبات ومتوازي مستطيلات قد نُحِتت من حجارة بحرية ضخمة تعرف محلياً بالفروش وهي جيرية صدفية وتعرف عند البعض بالمرجانية، حيث تقدر كثافة هذا النوع من الصخور عادة بين ٢٢٠٠ و ٢٧٠٠ كجم/م٣ (كل متر مكعب يزن من ٢٢٠٠ كيلوجرام إلى ٢٧٠٠ كيلوجرام) وبالتالي عندما حسبنا المعدل لأوزان تلك المكعبات الحجرية استخلصنا الأبعاد الآتية: ٩٠×٧٠×٧٠ لتمثل معدل احجام الأحجار، وعلى ذلك عندما تكون الكثافة ٢٢٠٠كجم/م٣ فإن الوزن يكون: ٠.٤٤١× ٢٢٠٠=٩٧٠ كجم،

وأما عندما تكون الكثافة ٢٧٠٠ كجم/م٣ فإن الوزن يكون: ٠.٤٤١ × ٣٧٠٠ = ١١٩١ كجم/م٣. لذلك يكون معدل الوزن التقريبي لكل صخرة مكعبة في هذا البناء هو بين ٧٩٠ و ١١٩٠ كجم ومعدل الرقمين هو ٩٩٠.٥ كجم، بمعنى آخر أن أوزانها تتراوح بين طن واحد إلى ١.٢ طن تقريباً حيث توجد بعض الصخور متوازية الأضلاع تتعدى أطوالها الـ ١٠٠ سم×٧٠سم ×٧٠سم.

كيف رُفِعت الصخور الضخمة وصُفَّت فوق بعضها:
أما بعد وصولها إلى الموقع وبعد القيام بإجراءات عمليات النحت لتحويلها من أشكالها العشوائية إلى مكعبات ومتوازيات مستطيلات موحدة الأبعاد فبعد هذه المرحلة تأتي مرحلة شاقة جداً تتطلب جهود ومهارات عالية وهي عملية رفع تلك الأحجار المكعبة الضخمة فوق بعضها ولا شك أنهم اتبعوا خطوات ذكية تسهل عليهم رفع تلك الصخور المكعبة فوق بعضها وخصوصاً في زمن غياب الروافع الآلية التي يعرفونها أبناء هذا العصر ولا شك أيضاً أن العملية محفوفة بالمشقة والمخاطرة. لقد كشف خبراء الآثار عن تلك الخطوات المتبعة التي تم عن طريقها التمكن من رفع تلك الصخور وصَفُّها ورصها فوق بعضها بحسابات هندسية دقيقة هي في غاية الصعوبة لذا نجد أن المعالم التي لم تتعرض للتلف منها لا تزال ثابتة وراسية فوق بعضها ومقاومة من أجل البقاء ومستمرة حتى أيامنا هذه. ومن هذه الخطوات التي اكتشفها خبراء الآثار وتم توضيحها والتحقق منها ودراستها هي:

١. انشاء المنحدر المستقيم (الأقدم والأبسط): يفترض أن مُنحدرا ترابياً ضخما كُوِّمَ امام هذا الصرح سواءًا كان معبدا أو قلعة أو قصرا أو غيرهم من المباني الجاري انشاءه وذلك لغرض تسهيل سحب الصخور عليه بواسطة زلاجات خشبية.
٢. طريقة المنحدر المتعرج على أحد الجوانب: يصعد المنحدر بمحاذاة أحد أوجه الصرح (كما يجري في الهرم) على شكل مسار متعرج (زيكزاك zigzag)، ومن ميزة هذه الطريقة انها تحتاج مواد اقل بكثير. ومن عيوبها: قد يحجب رؤية الزوايا عند الإلتفاف حولها بينما كانت دقة الزوايا أكثر صعوبة.
٣. المنحدر الحلزوني الخارجي يلتف حول المبنى من الخارج مع ازدياد الارتفاع. ميزته: انه لايحتاج منحدرا طويلا.
عيوبه: يجعل متابعة الاوجه والزوايا اكثر صعوبة.
٤. قد يستخدمون الحبال والزلاجات الخشبية في رفعها كما يستخدموها في نقلها.

٢. أحجام آخرى متنوعة في معبد عشتاروت اصغر حجماً:

عند النزول في عين العودة لحمّام تاروت سنلاحظ أن بعض الصخور في أسفل الجدار المشترك بين العين والمعبد وهو الجدار الشمالي للمعبد والجنوبي بالنسبة للعين هناك ضخور على شكل متوازي مستطيلات وبعضها مكعبة وجميعها أصغر من تلك الصخورة الضخمة المبني بها المعبد والسالف ذكرها، وبعضها أصغر ولكنها أطول من تلك المكعبات الضخمة: (تصل الى ١٣٠سم تقريباً×٥٠ سم×٥٠ سم) وبعضها يشبه قوالب الثلج المُصنَّعة في مصانع الثلج في أيامنا هذه وذلك في الحجم والشكل بالإضافة إلى وجود مكعبات أخرى بجانبها أصغر من السابق ذكرها تصل أبعادها إلى ٥٠ سم×٥٠ سم×٥٠ سم تقريباً.

٣. مكعبات ومتوازيات مستطيلات ذات أحجام أصغر
هذه الأحجام ظهرت في أزمنة متعددة بين منحوتات قديمة جدا وبين منحوتات تعود لعدة قرون واحجامها التقريبية هي قريبة من الطوب (الطابوق) الحديث والذي مقاسه ٢٠×٢٠×٤٠سم، ومن هذه المنحوتات الصخرية البحرية القريبة في شكلها وحجمها هي تلك التي نشاهدها في برج ابو الليف في وسط بحر مجيدية القطيف، وكذلك التي بُنِيت بها الجدران الداخلية لمدافن جاوان بالقرب من صفوى وكذلك صخور جدران قلعة البحرين ومعها أيضاً بعض من مكعبات معبد باربار بالبحرين.

هذه المنحوتات التكعيبية المستخدمة على شكل طوب في بناء المعبد والبرج والمدفن وغيرها يبلغ معدل أبعادها الثلاثي التقريبي بين ٢٥سم و٣٠سم. وأما تاريخ استخداماتها فتعود إلى ثلاث فترات زمنية متباعدة؛ فالقديمة منها التي تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد خلال العصر الدلموني وهي التي تبدو كالطوب الصخري المنحوت الذي بُنِت به بعض جوانب معبد باربار بالبحرين وكذلك الذي بُنِيت به بعض جدران قلعة البحرين في الفترة الدلمونية الحديثة ٢٣٠٠ ق.م. تقريباً. وأما بالنسبة لمعبد جاوان فجدرانه الداخلية بُنُيت بطوب تكعيبي الشكل أيضاً وبنفس أحجام ما بنيت به قلعة البحرين ومعبد باربار تقريباً وكان ذلك في العصر الهيلينستي الذي يقدر بزمن يعود إلى ٣٢٣ قبل الميلاد.

لقد استمر استخدام هذا الحجم من حجارة الفروش البحرية المنحوتة الى العصور الحديثة، ففي القرن السادس عشر الميلادي تم بناء برج أبو الليف بنفس نظام تلك الصخور المكعبة المنحوتة من أحجار الفروش البحرية في وسط البحر ليكون مناراً للسفن (lighthouse) وبرج مراقبة في نفس الوقت. البرج من الأسفل يبدأ بصَفَّتين من الأحجار المكعبة: الصَفّة الأولى والثانية تمثلان قاعدة البرج وحجم مكعباتهما أكبر من بقية الأحجار التي تعلوهما حيث يبلغ معدل حجم المنحوتة الواحدة التقريبي ٥٠×٥٠×٥٠سم، بينما الصخور العلوية تتراوح ابعادها بين ٢٥ و ٣٠سم.

لقد تعرض هذا البرج لقصف مدفعي عام ١٨٦٦م ولكن لاتزال قاعدته صامدة ومعها ارتفاع بسيط من جداره وفتحة ادخال الليف لحرقه ولا تزال هذه الكوّة موجودة في أسفله من الجهة الشمالية الشرقية حتى الآن. هذا الجزء المتبقي من البرج لا يزال قائما على ما يسمى قصَّار (مرتفعات من حجر الفروش) والمعروفة علميا بالـ(Reef) وتعريفه أنه حَيد بحري أو سلسلة صخور عند السواحل حيث المياه الضحلة وهي تشبه الجزيرة الصغيرة التي تختفي في حالة المد، وآثار هذا البرج ظاهرة جلية في حالتي المد والجزر حتى أيامنا هذه ليكون شاهداً بأحجاره المكعبة البحرية المنحوتة منذ قرون عديدة.

٤. متوازيات مستطيلات بحجم مايعرف اليوم بالإنترلوك (interlock) وأحجام أخرى أكبر منها:
هذا الحجم الذي يشبه في أيامنا هذه ما يعرف بالإنترلوك (interlock) وهو الطوب المتداخل أو المعشق في بعضه الذي تُرصف به بعض الطرقات الحديثة وهو بشكل متوازي المستطيلات والذي يكون حجم الواحد منه التقريبي بمعدل مقداره ٢٠×١٠×١٠سم كان يُنْحَت من أحجار الفروش البحرية ما يشبه حجمه ، وكذلك من صخور الجبال منذ أزمنة قديمة ولكنها لا تستخدم لأغراض رصف الطرقات في تلك الآونة كما هو الآن ولكنها تستخدم لأغراض أخرى مثل بناء بعض جدران القصور وتكوين الأقواس المعروفة بالقمريات كذلك لبناء بعض جالات عيون السيح وهي الأسوار المحيطة بها بالإضافة إلى متوازيات مستطيلات ومكعبات بأحجام أكبر من ذلك أحياناً (تصل إلى ما معدلها ٤٠×٤٠×٤٠سم وأقل من ذلك وأكثر) أو أن بعضها يصل تقريباً إلى ٤٠×٢٠×٢٠سم كما أن بعضها في المناطق والقرى القريبة من المرتفعات الجبلية تُنحت أحياناً من صخور تلك المرتفعات ولكن يظل الأغلب من أحجار الفروش.

وهذا النوع من متوازي المستطيلات كان يتم نحتها واستخداماتها في فترتين زمنيتين متباعدتين إحداهما قديمة جداً كما هو الحال في جالات بعض عيون السيح القديمة في القطيف كما نراه في عين الحناية الجنوبية الواقعة في قرية برزة في البذراني بين حدود سيهات الشمالي وحدود الجش الجنوبي وموقعها اليوم متاخم للمقبرة الجديدة وكذلك في عين المعلَّى (المعلّا) في الجانب الجنوبي الشرقي للملاحة في القطيف وفي بعض عيون الآجام في الجنوب الغربي كعين القرن أو كما يسميها البعض حالياً عين القر بمنطقة القرن الزراعية جنوب غرب الآجام بالقطيف.

هذه المكعبات أو متوازيات المستطيلات بهذه الأحجام والتي قد مضي على زمن نحتها قرون عديدة لا يزال الكثير منها مقاوم من أجل البقاء، كما وقد استمر توارث نحتهم عند أهالي المنطقة بين الأجيال حتى القرنين الماضين التاسع عشر وبداية القرن العشرين حيث شُيِّدت بها بعض القصور والصروح والمباني خلال القرنين الماضيين لاستعمالها في الأقواس (العقود/القمريات) والنوافذ وفي بعض جدران القصور والقليل من بوابات بيوت قلعة القطيف وتاروت والعوامية وحسينية بن جمعة بصفوى وفي بيوت عائلة النصر في سيهات وفي جدران وأقواس قصر ومجلس منصور بن جمعة وكذلك في مكتبه المعروف بالمنصورية في حي الكويكب وفي بعض جدران المجالس والحسينيات القديمة في الكويت وفي بعض المنازل في البحرين (التي هي بحجم الإنترلوك (interlock) وربما أكبر بقليل).

كان هذا هو الفاصل الزمني الختامي الذي اتتهت عنده فكرة نحت الأحجار على شكل متوازيات مستطيلات أو مكعبات أحياناً في مناطق الخليج بشكل عام حيث نهاية القرن التاسع عشر الميلادي.

افتراضية كيفية نحت هذه الأحجار؟
لا شك أن الأدوات في الأزمنة الماضية القديمة المستعملة في النحت كانت بسيطة لكنها فعَّالة ويعتقد الباحثون أن من بينها أزاميل نحاسية لقطع الحجر الجيري الطري، ولعل المطارق كانت صخرية من حجر قوي وقاسي وهو حجر الدوليريت الخاص وذلك لقدرته على القطع الأصعب مثل الجرانيت وغيره.

ويتبع أيضاً في قَطْع الصخور الضخمة طريقة إدخال أوتاد خشبية في شقوق تلك الصخور ومن ثم سقيها بالماء وقد كان هذا من أجل توسيع التشققات وبها يتم فلق الصخر بسهولة أكبر. وطريقة فلق هذه الصخور بالأوتاد تشبه طريقة فلق جذوع النخل التي كانت متداولة حتى عهد قريب في هذه المنطقة وهي عملية تُعرف محلياً بالتسجين والتي يتم فيها تشريح جذوع النخل إلى أربعة جذوع طولية تستعمل لتسقيف المنازل. وقبل استعمال هذه الأوتاد يستعمل القدوم لإحداث شرخ في الجذع يسمح لإدخال هذه الأوتاد، إن هذه الأوتاد الخشبية تسمى محلياً (بنات العافية) وأما العافية (الأم) نفسها فهي قطعة خشبية على شكل متوازي مستطيل بطول ذراع الإنسان ولها مقبض تستعمل لدق وغرز بنات العافية (بناتها) في جذع النخلة، ولكن لا اظن أنها تستعمل لفلق الحجر.


لا زالت هذه الطريقة اليدوية الشاقة الفردية تستعمل حتى أيامنا هذه وباستخدام نفس الأدوات وهي الأوتاد لفلق تلك الصخور الضخمة في كثير من المناطق الجبلية في العالم لبناء المنازل كما هو مثلاً في الهند وباكستان وتركيا والعديد من المناطق الأخرى ولكنها أكثر صلابة فهي مصنوعة من الحديد أو الفولاذ.
لقد كانت الطرق المتبعة في فصل الصخور الكبيرة أولاً عن مناطق تكونها -كما سبق ذكره- عن طريق تحديدها وفصلها بحفر الأخاديد حولها مع التعميق في الحفر وتوسيعه حتى يتم الفصل ومن ثم نقلها إلى المواقع المراد استعمالها فيها، عندها تبدأ إجراءات النحت المُستخدم فيها الآلات اليدوية على النحو التالي:

١. استخدام الأزاميل وهي أهم الخطوات وكذلك المطارق المصنوعة من حجر الدوليريت وهو حجر شديد الصلابة أو ما يعادله حسبما يتوفر في المنطقة.
٢. في بعض الحالات يدقون اوتاداً خشبية في الشقوق ثم يبلونها بالماء فتتمدد ويساعد ذلك على فصل الكتلة.
٣. تأتي بعدها مرحلة اللمسات الدقيفة المتقدمة لتشكيل الكتلة إلى متوازي مستطيلات او مكعبات بالأحجام المطلوبه وتتم بالخطوات التالية:
١. تسوية وجوهها الستة باستخدام الأزاميل النحاسية وتلك المطارق الحجرية الآنفة الذكر.
٢. يستخدم الرمل كمادة كاشطة حيث أنه يحتوي على حبيبات الكوارتز الصلبة القادرة على عمليات القطع.
٣. في مناطق أخرى تم استخدام مناشير يدوية ضخمة خاصة وكذلك مثاقب نحاسية فربما كان هذا النظام مُتَّبع في قص حجارة الفروش الخليجية أيضاً مع ضعف الأحتمال.
٤. تتم عملية التحقق من الإستقامة ودقة الزوايا بأكثر من طريقة: احداهم باستخدام خيوط مشدودة متدلية بشكل دقيق، وثانية باستخدام مساطر خشبية، وأخرى باستعمال ما يُعرف بالشاقول (وهو ثقل من حجر او حديد يربط في طرف الخيط ويدلى من زاوية الصخرة المراد نحتها)، وهناك أيضاً طريقة استعمال الميزان المائي (البدائي) والمعروف أيضاً بالقبّان.

بهذه الطرق استطاعوا في تلك الحقب الزمنية الحصول على أسطح مستوية وزوايا دقيقة بشكل مدهش. وكتير من هذه الصخور المنحوتة لم تكن تُنهى بالكامل بل كانت تُعدل أثناء تثبيتها في مكانها النهائي حتى تتطابق مع بقية المكعبات المجاورة ولذلك نجد أن أبعادها ليست متساوية بل هي متفاوتة في الأبعاد. ومن الملاحظ أيضاً أن الأحجار الخارجية أكثر دقة من الداخلية ، أولاً لأنها الواجهة وهي التي تعطي المنظور الأجمل وثانياً لأنها الأسهل في الوصول والتعامل معها بسهولة ويسر من الداخلية التي تحيط بها المعوقات.

في بعض المناطق أو الدول هناك نقوش على مثل هذه الصخور المتوازية الأضلاع وهذه النقوش تظهر صوراً لعمال ينقلون الأحجار على زلاجات خشبية وآخرون ينحتون الصخر.هذا الأسلوب معروف في تاريخ البناء القديم وهو عملي ومثبت أيضاً في مواقع المحاجر المصرية وغيرها ومُصوَّر بالنقوش تفاصيل طرق الصناعة والنقل. لاشك أن هؤلاء الحرفيين يتمتعون بمهارات عالية في طرق قطع وتكعيب هذه الصخور.

ثالثاً: تهيئة الألواح الحجرية المسطحة الضخمة من أجل تسقيف الجداول
والمقصود بالتسقيف هنا هو تغطية الجداول المائية الكبيرة بأحجار الفروش البحرية المسطحة التي تأتي على شكل ألواح حجرية وذلك في بعض المناطق التي يتحتم فيها تغطيتها منعاً من تعطيل المارَّة أو تعرضهم للسقوط ولتسهيل مرورهم ودون الحرج من بعض المناظر أو لعل بعضها قد تنبعث منها الروائح كالتي تتوسط الطرقات والأسواق والأحياء أو تلك المهددة بزحف الرمال التي تسدها أو تدفنها كما هو في مزارع وقرى البذراني في القطيف. إن هذا التسقيف الذي يتم بأحجار الفروش الضخمة لتغطية تلك الجداول يتم بطريقتين سيتم توضيح كلا منهما على حدة.

وهناك استعمال آخر وهو انشاء الجسور بتلك الفروش للتمكن من العبور أو اجتياز الجداول والمصارف والسابات والمجازات ولغرض الإنتقال بين ضفتي كل جدول. بالنسبة لتغطية الجداول بأحجار الفروش المسطحة ذات المساحات المتسعة والسُمْك الرقيق المستوي فكما أشرت أنها تسقف بطريقتين:

الطريقة الأولى: كما هو في الأماكن العامة تسقف الجداول بأحجار الفروش بشكل أفقي ويتساوى مع سطح الأرض يحيث لا يشعر المارَّة بأنهم يجتازون جدول مائي بل وأحيانا تمر تلك الجداول من داخل الأسواق والأحياء كما هو في الجدول المعروف بالكريدي القادم من الغرب بمحاذاة الحدود الجنوبية لحي المدارس بالقطيف والمتجه نحو سوق السكة ليتفرع شمالا وجنوباً فنراه تارة مكشوفاً في بعض البقاع وتارة مغطى حسب ظرف المنطقة التي يمر بها حتى يتخطى فرعه الشمالي اسوار القلعة من جهتها الجنوبية الشرقية ليسقي داليات فريق السدرة ثم يخرج متجها شطر البحر.

الطريقة الثانية: هي تغطية الجداول بتلك الفروش على شكل جملون بشكل رقم ثمانية (٨) وخصوصا في سابات عيون البذراني بالقطيف التي بني حولها أسوار عالية وقد غُطِّيت ساباتها بألواح الفروش الحجرية بشكل جملون وذلك تحسباً لزحف رمال صحراء الدهناء لكي لا يشكل ضغطاً عالياً عليها ونرى هذا أيضاً في بعض من أجزاء ساب ابو اكحيل بالقطيف وكذلك في قسمه القادم من حي مياس والمحاذي لأسوار بيوت مياس الجنوبية فقد غُطِي على شكل جملون. ولا ننسى أيضاً سابات بعض عيون البحرين في المناطق الرملية منها فإنها مغطاة بألواح احجار الفروش البحرية على شكل جملون.

رابعا: عمل الجسور الضخمة والشبيهة بالقناطر الغير رفيعة
الحديث هنا عن جداول وسابات القطيف فلا شك أن جذوع النخيل لعبت دورا كبيراً في عمل الجسور فوقها وأن أغلب الجسور هي من جذوع النخيل ومن بعض جذوع الأشجار الأخرى أحياناً، ولكن بعض هذه الجسور وخصوصاً التي تمر عليها العربات التي تجرها الحمير فهي ثقيلة لا يتحمل وزنها سوى تلك الجسور الحجرية. ومن اشهر تلك الجسور الحجرية هو ذاك الجسر الذي يمثل مخرج القطيف جنوباً بعد حي الشويكة مباشرة والواقع اليوم في شارع الملك عبدالعزيز من الجنوب حيث يمر أحد أفرع ساب أبو خمسة والمعروف بساب أبو دانك (أبو دانق) القادم من الغرب والمتجه صوب الشرق بعد ري البساتين ليصب في البحر، وهو الذي تم تحويله في بداية ستينات قرن العشرين ضمن مشروع الصرف إلى أحد مصارف القطيف والذي عُرِف فيما بعد بسد الشويكة. هذا الساب يتقاطع مع الطريق الخارج من القطيف ليمر بمحاذاة العياشي حتى يصل سيهات جنوباً. إن هذا الجسر المقام فوق ساب ابو دانك قد بُنِي من أحجار الفروش الكبيرة ومعها جذوع النخل.

وثمة جسر آخر هو أضخم من حيث الإرتفاع وهو الجسر الذي يقابلنا حين نواصل المسير باتجاه الجنوب بعد نهاية عنك وهو المُقام على نهاية الساب المعروف بالساب الكبير بسيهات عند بداية مدخلها من الشمال حيث الطريق القادم من القطيف وهو شارع الملك عبدالعزيز اليوم. إن هذا الجسر قد بني من حجر الفروش العريضة المسطحة أيضاً على شكل يشبه القنطرة للعبور. نلاحظ إن الساب الكبير بسيهات موازٍ لساب ابو دانك في القطيف الذي يبعد عنه ٤ كلم تقريبا الى الشمال منه وهذا الساب المعروف بالساب الكبير هو الآخر أيضا تم تحويله إلى مصرف وكأنه يشكل الحد الفاصل بين سيهات من الجنوب وعنك من الشمال. وهناك العديد من الجسور التي بُنِيت من كتل حجارة فروش البحر الضخمة ومنها الجسور الكبيرة ومنها الجسور الصغيرة جداً.

خامساً: كتل فروش ضخمة متناثرة على اليابسة:
من شهد بدايات فترات سبعينات قرن العشرين الماضي وما قبلها وتحديداً في القطيف وفي بعض مناطق البحرين فإنه ربما لاحظ مشاهد قد تبدو له غريبة حين يتأمل عند مروره بجانب ساب ماء أو جدول واسع جداً وبجانبه صخرة ضخمة من صخور فروش البحر أو في داخل الساب نفسه على إحدى ضفتيه وقد أحاطت المياة جوانبها، وعند التحقق في أمرها فإنه سرعان ما يدرك أن هذه الكتلة الصخرية هي من صخور الفروش التي جُلِبت من البحر لتثبيتها من أجل الجلوس عليها لغرض الاقتراب أو الوصول لمياه ذلك الساب المنهمرة في الجريان ومن أجل الإستنفاع بمياهه بسهولة ويسر ولكن تتبادر في الأدهان عدة أسئلة حائرة مرتبطة بعضها وفي آن واحد حول تلك الصخرة ومن جملة هذه الأسئلة مثلاً: ما الذي جاء بها من البحر إلى هنا؟ ولما هي هنا؟ وكيف تم حملها ونقلها من البحر إلى هذه المنطقة وهي بهذا الوزن الثقيل والحجم الضخم؟ وما مجالات استعمالاتها؟ وثمة اسئلة أخرى قد يصعب الاجابة عليها!

(فأما الفروش الحجرية التي هي على ضفاف الجداول فيستفاد منها لغسل الملابس عليها وكذلك الأواني وخصوصاً بالنسبة للنساء والدوبية (ومفردها الدوبي وهم متعهدي غسل الملابس)، بالإضافة إلى أن البعض وخصوصا ممن يعملون بالقرب من هذه السابات كالفلاحين يَرِدون على هذه السابات للإستحمام ولغسل حميرهم إذ كانت على درجة عالية من النظافة بسبب قربها من منابع المياه كالعيون.

بعض هذه الفروش تراها مسطحة مستوية وكأنها صممت خصيصا لذلك المكان حيث تشكل همزة وصل بين اليابسة وموضع النزول في ذلك الجدول حتى وكأنها مهيئة للجلوس المريح عليها! فكيف جاءت مسطحة بهذه الدرجة من النعومة والإستواء؟

بكل بساطة أن سبب استواء سطح أحد جوانبها وهو المثبت بالإتجاه العلوي والمسطح وكأنه منحوت ومجلي بآلة حديثة هو في الحقيقة قد كان في مرحلة نشأته التكوينية في البحر يشكل الجانب السفلي لتلك الصخرة وقد كان يلامس تربة قاع البحر المستوية أثناء فترة النمو والنشأة فوق سطح قاع البحر فشكل ما يشبه القالب فكأنما هذا الحجر صُب فوق ذلك القاع المستوي وبعدها مرَّ بمرحلة التحجر فشكل نسخة معاكسة لسطح القاع المستوي.

هناك العديد من أحجار الفروش المسطحة الضخمة والتي يأتي البعض منها على شكل شرائح حيث كانت تستعمل لأغراض مختلفة على اليابسة كاستعمالها لبناء جسور تربط بين ضفاف الجداول المائية والجسور الكبيرة التي تشبه العقود المنخفضة. وهناك الفروش التي هي على هيئة ألواح مستوية مسطحة لتسقيف سابات عيون بذراني القطيف وغيرها (كما سبق ذكره) بشكلها الجملوني (على شكل ٨) وكذلك لتسقيف بعض من أجزاء السابات التي تخترق طرقات الأحياء والأسواق إن كانت جانبية ونائية عن الممرات كما هو في قسم من ساب ابو اكحيل القادم من مياس فهو جانبي وكذلك أجزاء من الكريدي.

افتراضية كيفية اقتلاع واستخراج ونقل الفروش الضخمة من البحر ورفعها فوق بعضها؟

تظل الإجابة على هذا السؤال لغزاً محيراً حول اكتشاف طريقة نقل حجارة ضخمة يصل وزنها إلى أكثر من الطن من ساحل البحر في زمن انعدمت فيه تقنيات وسائل النقل الثقيل بل وكيف تم فصلها ككتلة واحدة ضخمة عن الحِيد البحري وهو سلسلة الصخور البحرية (reef) أو كما يسمى أحياناً بالعرق الصخري البحري الذي يتم عن طريق تحديد الكتلة المطلوبة ومن ثم تُجرى عملية حفر أخاديد حول تلك الكتلة المحددة باستخدام مجرد آلات يدوية بدائية. لا تبدو أنها عملية بسيطة أبداً، فحسبما دلت الأبحاث أنه كانت تستخدم أزاميل ومطارق من حجر الدوليريت وهو حجر شديد الصلابة ، فبعد حفر تلك الأخاديد حولها يتم تعميقها شيئا فشيئا حتى يتم عزلها جزئياً ثم تتوسع عمليات الحفر حول تلك الكتلة إلى أن يتم عزلها تماماً عن ذلك الجيد البحري أو العرق الصخري المتصل بالقصّار (الجبل البحري).

بعدها تأتي مرحلة تقل هذه الصخور الضخمة من مواضع تكوينها في البحر إلى اليابسة. حديثا وكما سبق ذكره حتى نهاية سبعينات قرن العشرين أو بعده بقليل كانت أحجار الفروش البحرية ذات الأحجام والأوزان الصغيرة والمتوسطة تُنقَل على ظهور الحمير (في اللنقات أو المناقل) وبعدها ظهرت العربات المعروفة بالقواري التي تجرها الحمير ومن ثم جاءت السيارات (النجال/القلاب) وهذا يعني نقلة نوعية كبيرة في نقل كميات حجارة الفروش البحرية من عدد محدود فوق ظهور الحمير ، فباستعمال اللنقات أو المناقل إلى كمية مضاعفة بواسطة عربة (قاري) يجره الحمار الى سيارة نقل كبيرة تحمل أضعاف كثيرة مما تحمله العربة.

ولكن يظل سؤالنا عن كيفية نقل تلك الفروش الضخمة التي قد يتعدى وزنها الطن والطنين في أزمان قديمة جداً لم تُصنَع فيها تلك الناقلات ولا الرافعات! فكيف تم نقلها إلى اليابسة والكثير منها لايزال حتى أيامنا هذه جاثية في بقاع متفرقة من اليابسة من حولنا!

لقد وُجِدت نقوش على جدران وعلى جبال وعلى مسلات في مناطق تعود لحضارات قديمة مختلفة كالحضارة الفرعونية والبابلية تظهر رسوماً توضح نقل حجارة ضخمة على زلاجات (sledges) خشبية تجرها خيول أو حمير أو بغال باستخدام الحبال ويكون دور الإنسان هو توجيهها وسياقتها، وهناك رسوم أخرى تظهر بأن الذي يجرها بالحبال هو الانسان نفسه. تبين أبحاث الخبراء الحديثة أن سبب تَرطيب الرمال أمام الزلاجات اثناء السير يقلل الاحتكاك بما يصل إلى نحو 50٪، ما يجعل السحب أسهل بكثير.

سادساً: منحوتات فنية قديمة متنوعة من حجر الفروش البحرية لكنها نادرة جداً
نتكلم هنا عن استعمال الحجر البحري المعروف بالفروش بشكل مختلف في حقول ومجالات أخرى بعيدة عن عالم العمران والإنشاءات وإنما كمادة نحتية تحتاج لحِسٍّ فني أكثر دقة وهذه المنحوتات قد تم نحتها في عصور قديمة جداً شحّت فيها الأدوات والآلات في عصور اعتمدت فيها الناس على الأحجار والأشجار كمواد أساسية للصناعات المحلية وقد تلتها الإستعمالات النحاسية.

بالنسبة للحجر البحري كخامة نحتية فبالرغم من اكتشافات العديد من المنحوتات في مختلفة المجالات إلا أن المنحوتات من الأحجار البحرية جملة تعتبر قليلة مقارنة بالمنحوتات التي هي من الأحجار الأخرى وذلك لأن الحجر البحري هو حجر جيري مرجاني احفوري شعابي وكلسي وهو أيضاً مسامي وهذه المواصفات ربما لا تؤهله لأن يكون صالحاً لنحت وصناعة بعض الأدوات منه إلا ما ندر حيث تم العثور على آثار قديمة جداً لأدوات منزلية اثناء التنقيب تحت باطن الأرض بعضها من حجر الصوان ومن الأحجار الجبلية وكذلك من الأحجار الرملية ولكن القليل النادر منها هو من أحجار الفروش البحرية، ومن تلك المنحوتات النادرة مثلاً الزخارف المعمارية (ولا أقصد بها هنا الجصية) وكذلك المكاشط الحجرية المستعملة لكشط الجلود والأعمال المتعلقة بالدباغة والمباخر والمساحن (مفرد مسحن) المستعملة للطحن وبعض الأواني كالكؤوس وبعض رؤوس الرماح والسهام وبعض شواهد القبور وكذلك عمل (المداور) وهي مراسي السفن المركزية المثبتة على السواحل (كما في دارين القطيف) ومراسي السفن الحجرية الأخرى المثقوبة في وسطها التي تستعمل لتوقيف (رسو) السفن في عرض البحر لغرض الغوص من أجل اللؤلؤ أو الوقوف أثناء الصيد أو الوقوف الطارئ.

وهناك وجه آخر لهذه المنحوتات القديمة جداً التي تعود إلى ما قبل الميلاد متعلقة بالمعتقدات القديمة وهي منحوتات لتماثيل آدمية وحيوانية كانت تمثل الآلهة في عصور عبادة الأوثان والتي يعود تاريخها إلى ما قبل الميلاد.

حكايات قطيفية-تاروتية لايعرفها الكثير
هنا لا زلنا في صدد الحديث عن تلك المنحوتات التي تمثل الآلهة عند القدماء في عصر عبادة الأوثان أي في عهد يرجع إلى ما قبل ميلاد المسيح بكثير من العقود الزمنية إذ حفظت لنا هذه الأرض تحت باطنها وتحت أنقاض مباني المعابد وركام المدافن القديمة الكثير من تلك التماثيل الآدمية والحيوانية ما دفع الكثير من الأجانب وهم أصحاب خبرات عالية في عالم الآثار أن يطمعوا في التنقيب عنها في أنحاء قرى القطيف المهجورة وجزرها كما وقد كانوا يعبرون المقطع البحري الفاصل بين القطيف وجزيرة تاروت ليصلوا إليها وذلك إما بركوب العربات (القواري) التي تجرها الحمير في أوقات الجزر او ركوب العبرات وهي قوارب صغيرة وذلك في ساعات المد ليجوبوا انحاء جزيرة تاروت وكذلك جزيرة دارين باحثين عن الآثار التي كانت تعج بها أراضيها آنذاك مصطحبين معهم بعض الأشخاص من أهالي تاروت كمرشدين ليخبروهم عن مناطق تواجد تلك الآثار التي أخذوها معهم مقابل دفع مبالغ زهيدة إلى هولاء المرشدين وقد استطاعوا بالفعل تسفير تلك الآثار معهم إلى بلدانهم بعد حصولهم عليها وقد جمعوها من مناطق مختلفة من أنحاء المملكة ولكن لحسن الحظ استطاعت الدولة مؤخراً استرداد البعض منها وقد وُثِقت هذه القطع المستردة وجمعت معلوماتها وصورها في كتاب خاص بسيرة سفر كل قطعة ووجهتها ووصفها ومن كانت في حوزاتهم (ارجع إلى كتاب دليل المعرض الأول للقطع الأثرية السعودية المستعادة) وهو كتاب أصدرته الهيئة العامة للسياحة والآثار يوثق جميع ما استرد من خارج المملكة وأسماء الأشخاص أصحاب تلك المقتنيات وكذلك بعض الجهات التي اشترتها من متاحف ومؤسسات.

لقد حدثني البعض من أهالي تاروت ممن قاموا بمساعدة هؤلاء الأجانب حين كانوا يجهلون فداحة ما ارتكبوه من أخطاء فقد ابدوا بعدها أشد الندم على ما قدموه من خدمات لهؤلاء الأجانب في مساعدتهم في انتشال تلك الثروات مقابل مبالغ زهيدة لتسهيل اقتلاعهم لتلك الثروات من الآثار أو استخراجها من باطن أرض تاروت التي كانت تعج بتلك الآثار.

الظريف المؤلم في الأمر أنه من جانب آخر اكتسب البعض من أهالي المنطقة خبرات ومهارات فائقة في استخراج مثل هذه الكنوز من التماثيل وخصوصاً الفلاحين أثناء حرثهم لأراضيهم فإنهم غالباً ما يجدون تماثيل آدمية وأخرى حيوانية فيحسبونها مغنما كبيراً يزيد من رصيد أعمالهم الأخروية حين يأخذونها إلى بيوتهم ويجتمعون ومعهم عوائلهم أو جيرانهم أو اصدقائهم ليقوموا بتحطيمها رغبة في نيل الثواب كونها أصنام كانت تُعبَد من غير الله في أزمنة سحيقة ترجع إلى ما قبل الميلاد وهم بفعلهم هذا يقتدون بما فعله النبي (ص) وهم يرتجزون أثناء التكسير وبكل حماس:
“يامكسر الأصنام… وياه حيدر علي” ، لينهجوا نهجاً يقتدون فيه بما فعله الرسول (ص) ومعه الإمام علي (ع) في تكسير الأصنام ومعهم بعض الصحابة عند فتح مكة حين دخل إلى الكعبة وحولها أصنام كثيرة وقد أمر علياً بالصعود لإزالة بعض الأصنام الموضوعة على الكعبة أو فوقها بعد أن حمله على كتفيه فطُرِحت الأصنام وكُسِّرت بعد أن أُسقِط الصنم الأكبر وذلك بعد فتح مكة وهدم معابد وأوثان في السرايا كانت لا تزال تُعبَد خارج مكة كصنم الفلس لقبيلة طيء وكذلك طمس التماثيل وتحطيم العزى ومناة.

هذا ما كان من أمر أهالي تاروت الكرام نحو ما يظهرونه من باطن الأرض اثناء حراثة الأراضي الزراعية في مناطق مختلفة من تاروت أو أثناء نبش الأولاد الأرض التلالية عبثاً. وأما في بعض المناطق الأخرى كما يُذَكر مثلاً أنه قد كانت هناك في بذراني القطيف غرباً الكثير من التماثيل الضخمة الواضحة ملامحها والتي تعود إلى ما قبل الميلاد فكان أحد الأشخاص جلب ثلاثة منها في مزرعته ليجعل منها تحف تزين غرفة بركة السباحة في بستانه إلى أن ازيلت البركة وازيلت معها تلك التماثيل فكان مصيرها التلف حين هُدِمت البركة.

وثمة تمثال آخر ضخمٌ وطويلٌ جداً كان مشهوراً يعرفه جميع أهالي تلك المنطقة وقد كان طوله يزيد على ثلاثة أمتار وقد كان مسجى على الأرض التي كانت في النهاية الجنوبية لمنطقة في قرية برزه تسمى الحقروص التي تتوسط بين الجش والملاحة وسيهات (لذلك عرفت بهذا الإسم) بالقرب من مزرعة آل حمود القريبة من مزارع المطرود من جهة الشمال، كان من طول هذا التمثال أن سموه “اشنيق أبو اعنيق” وهو إسم مشهور لوحش اسطوري خرافي خليجي وعربي قديم كان يُعرف بإسم قريب من هذا الإسم لذلك فقد أطلق أهالي هذه المنطقة هذا الإسم على تمثالهم المذكور لبعد عنقه عن قدمه. كان الكثير من الشباب والصبية يتعمدوا المرور عليه للبصق على وجهه ونطه تعبيراً عن اهانته والتبول فوقه نكاية به وكأنهم يترجمون قصيدة أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وذلك قبل الإسلام حين قدم إلى صنم ليقدم له القربان فشاهد ثعلبان (انثى الثعلب) تبول فوق رأسه فوقف مندهشاً مُتَّعِظاً قائلاً:

أرب يبول برأسه الثعلبان..
لقد ذل من بالت عليه الثعالب
فلو كان رباً كان يمنع نفسه
فلا خير في رب نأَته المطالب

وأما دور النساء فقد كنَّ يطأن فوق جسمه ويضربنه بأحذيتهن ويوجهن عليه سيلا من اللعنات. لقد استمر وجود هذا التمثال منذ القدم حتى نهاية خمسينات قرن العشرين عندما برز له رجل من أهالي الجش اسمه أحمد ويلقب بالمتليك ومعه بعض اصدقائه فجهّزوا علية وانهالوا عليه بالضرب بمعاول هدمهم من أعمدة حديدية وفؤوس حتى نسفوه وساووا به الأرض.

من المؤكد أن هذه التماثيل ليست من حجر الفروش البحرية وانما هي من الأحجار الجبيلة وأما التي سبق الحديث عنها -أعني المكتشفة في تاروت- وكذلك التي هي من مناطق ساحلية اخرى فأغلبها من الاحجار الجبلية أيضاً وإنما النادر منها فقط من أحجار الفروش البحرية وعادة ما تكون صغيرة الحجم وقد تم ذكرها بشكل عام لنصل إلى نتيجة واضحة وهي أن التماثيل المنحوتة لم تقتصر خامتها على الصخور الجبلية فحسب وإنما قد طالت صخور الفروش الخليجية ولو بشكل نادر جداً لكون عدم صلاحية أحجار الفروش البحرية التامة لذلك بسبب مساميتها التي تعرقل إظهار الملامح التفصيلية ولعلها أيضاً أنها اكثر هشاشة.

أحجار الفروش البحرية والأحافير:
لو تأملنا إلى هذه الأحجار البحرية لأدركنا حقيقة الأمر بشكل عام ما هي إلا أحافير متحجرة مكونة من مزيج من بقايا كائنات حية بحرية حيوانية ونباتية مثل القواقع والأصداف الصغيرة وبعض القطع المرجانية التي غاصت بعد موت ما بداخلها من رخويات في وسط طين فتهيأت له الظروف أن يتحجر بهذه التركيبة ليأخذ أشكالاً احفورية. وبالإضافة إلى ذلك فقد عُثِر على العديد من الأحافير لحيوانات بحرية كبيرة كالأسماك على سطوح أحجار هذه الفروش في انحاء سواحل الخليج العربي فمتحف قطر -مثلاً- يحتفظ بالعديد من أمثال هذه الأحافير السمكية على سطوح أحجار الفروش البحرية كما ويقتني مثلها الكثير من الهواة من أهالي الخليج العربي وهي أحافير في وسط أحجار فروش بحرية لمختلف من الحيوانات البحرية كالأسماك (ومنها أنواع منقرضة) وكذلك فرس البحر والسرطعونات وجراد البحر (lobster) والروبيان (القريدس) وقنافد بحرية متحجرة (urchin Fossil) ومنخريات كبيرة داخل الحجر الجيري وأسنان أسماك قروش وهياكل وعظام أسماك وبقايا شعاب مرجانية وغيرها فكل هذا يُعتبر نوع آخر من الأحافير.

خاتمة: الفكرة بشكل عام قد ينظر إليها البعض أنها ليست سوى جدل حول أمر تافه لا يعدو كونه حديث عن نتاج بيئي لا دخل للإنسان في تكوينه حيث ان ذلك مجرد حجارة بحرية اهتدى الإنسان إلى فكرة استغلالها في الماضي في عالم البناء كمواد أولية بيئية قديمة لإنشاء المأوى بطرق مختلفة عما هي في زماننا هذا فاستعمالها كان في زمان سادت فيه حضارات ماضية ثم بادت بعد مرور زمن بعيد وقد باد معها من كان يستخدمها وتغيرت بعدها تدريجياً جميع أسس الأستعمالات والمواد والأفكار الإنشائية والتصاميم والطرق التي وضعها خبراء أجيال ذلك العصر طبقاً لمتطلبات الإنسان في تلك الأيام ومن ثم توجه هذا الجيل الحديث إلى استخدام البدائل الأخرى الحديثة المتماشية مع هذا العصر، لكن حقيقة الأمر أن تلك كانت ظاهرة تحتاج إلى وقفة تأمل واعتبار لأنها مثلت طفرة حضارية انتقلت بمجتمعها من بساطة السكن مع قلته أو عدمه أحياناً إلى عالم الإنشاء المتطور الذي توصلوا فيه إلى انشاء حتى القصور والقلاع،،،

لذا كان من المبغي علينا الإستفادة من تجارب هؤلاء الأجداد والأسلاف ومن خبرات هؤلاء السابقين مَن تعامل مع تلك المواد وذلك عن طريق طلة من بعيد من خلال نافذة حُفِرت على جدار التاريخ الفاصل والمشرف من جهة أخرى على ماحدث من أمر تعامل ذلك المجتمع مع تلك الحجارة في الأزمنة الماضية السحيقة وعلينا بعدها تكوين معرفة تامة ودراسات تفتح لنا آفاق التعامل وكيفية تهيئتها وخطوات اعداداتها حتى نتمكن من إلالمام التام لمعرفة كل ما يتعلق بهذه المواد وبزمنها ومراحل تجهيزها وما لعبته من دور فعال في تلك العصور من تقدم حضاري في مجال الإنشاء العمراني حيث كان نتاجها بناء صروحاً ومرافقاً للخدمات العامة شامخة صلبة مقاومة لو لم تطالها الايدي العابثة وما جرى عليها من الإهمال والتهميش ولو لم تتعدى عليها معاول الدمار أو آلات الحروب والتخريب لظلت جميعها كما كانت صامدة مقاومة ضد الإنهيار حتى أيامنا هذه منذ آلاف السنين ومع ذلك فإن الكثير من تلك المنشآت أو على الأقل الكثير مما تبقى من آثارها لازالت مقاومة متحدية بشموخها لعوامل الحت والتعرية والهدم بدليل أن جميع ما تبقى من آثارها لازالت باقية حتى أيامنا هذه فلو انها حظيت ببعض العناية التي تصحبها لمسات خفيفة من الصيانة والترميم لعادت كما كانت من أول أيامها وبنفس القدرة على التحمل والإعتماد عليها على أنها صروح صالحة للإستخدام والعيش فيها أو كآثار تحكي ماض لأقوام لهم حضاراتهم وكل ذلك بسبب أنها انشئت من مواد بيئية تكونت في نفس بيئتها لذا فهي مقاومة لتقلبات الأجواء البيئية ولعوامل التلف المحلية وبالتالي فهي تدوم طويلاً وتظل شامخة كما كانت لتحكي لنا تاريخ حضارة اسلافنا الماضين كاملاً.

هكذا نرى أثر صمودها يمثل نموذجاً ودرساً يستفاذ منه في أن هذه المواد البيئية المحلية استخدمت لإنشاء بناء ليدوم طويلاً وهي الأفضل للبناء والأكثر صداقة للبيئة وربما فكر الجيل القادم بفضل ما سيتوصلون إليه من تجارب ودراسات علمية قد تمكنهم من الرجوع إلى استخدامها من جديد مع إضافات لمسات تطورية هي أكثر تقدمية مما مضى.

المؤرخ الأستاذ عبد الرسول الغريافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *