نزهة في تراث القطيف الجغرافي (ج5) – بقلم علي الجشي

يأتي هذا التوثيق بعنوان «نزهة في تراث القطيف الجغرافي» بوصفه قراءة، تاريخية معرفية، تفاعلية وغنية للبيئة الطبيعية والجغرافية لديموغرافية واحة القطيف، تُقدَّم بأسلوب مريح وسلس، بعيد عن الجفاف الأكاديمي، ليأخذ القارئ في رحلة معرفية ممتعة عبر المكان والزمان.

[نزهة في تراث القطيف الجغرافي – الجزء الخامس قرى المحيط أكاليل وارفة]

لقطة جوية لجزء من شارع المحيط بعدسة المرحوم خالد الطلالوة رحمه الله

طريق المحيط

في محاذاة الجهة الجنوبية الغربية للساحل البري من واحة القطيف، تقع ست قرى تفصلُ ببقعتها الخضراء المحيطة بها كثبانُ رمالِ الصحراء عن ساحل البحر، بمسافة تبلغ نحو سبعة كيلومترات. تضم هذه البقعة الخويلدية، وحلة محيش، والجارودية، وأم الحمام، والجش، والملاحة، والتي عُرفت مجتمعةً بقرى المحيط.

تُشكّل بلدات المحيط عنقودًا من أكاليل البساتين والنخيل وعيون المياه العذبة، إلى جانب ما تتميز به من إنتاج زراعي، وإبداع ثقافي، وتماسك اجتماعي، مما شكّل أساسًا قويًا من أسس التكوين البيئي والمجتمعي للمنطقة عبر التاريخ.

وبتكوينه البديع، يخلق هذا المكان جاذبية تجعل المرء تواقًا لمعرفة التكوين البيئي والثقافي لهذه المساحة الساحرة من الأرض، بما تحويه من مكونات ومقتنيات، وما تمثّله من تاريخ مضيء عبر الأجيال. فلنبدأ جولةً نتنزه فيها عبر هذه المناطق، بعد أن نتعرّف على طريق المحيط الذي يربط بينها. ولنواصل هذه النزهة، نبدأ باستكشاف طريق المحيط

وفي بداية الستينيات أُنشئ طريق جديد مُعبَّد بالأسفلت يربط مركز القطيف، مبتدئًا بالخويلدية، ثم الجارودية، تليها أم الحمام، فالجش والملاحة. هذا الطريق، شكّل شريانًا حيويًا يربط قرى المحيط بعضها ببعض، ويربطها بمحيطها الأوسع.

تاريخ الإنشاء
تشير كثير من الروايات الشفهية إلى أن طريق المحيط أُنشئ في بداية الستينيات من القرن الماضي، وتحديدًا عام 1961م، أي قبل نحو 65 عامًا.
ورغم عدم وجود تاريخ قاطع، فإن من عاصروا تلك الفترة يؤكدون مشاهدتهم لأعمال إنشاء الطريق، وسيارات المقاول “الوابل” وهي تجوب المنطقة ذهابا وإيابا دون تحديد السنة بدقة.

وقد عُرف بإسم “شارع المحيط” أو “طريق المحيط”، وكان مشروعًا تطويريًا مهمًا في حينه.
ويُرجّح أن الجهة المنفذة كانت وزارة المواصلات، نظرًا لكونه طريقًا يربط بين قرى متفرقة، وقد مُنح الرقم (7812) كطريق مواصلات لا كشارع داخلي.

وسُمّي بـ“المحيط” لأنه يمر بالقرى الواقعة غرب شمال القطيف، ومن ثم عُرفت هذه القرى باسم “قرى المحيط”. كما استُمد اسم نادي الجارودية الرياضي “نادي المحيط” من هذا الطريق.

مسار الطريق
كان الطريق يبدأ من شارع الحرية (حاليًا شارع بدر)، عند تقاطعه مع شارع الإمام علي (طريق السطر سابقًا)، وتحديدًا في الزاوية الشمالية الغربية من ديرة الدبابية. وفي هذه الزاوية كانت تقف سيارات الأجرة (التكاسي) التي تنقل الركاب (العبرية) إلى البلدات الواقعة على هذا الطريق.

بعد هذه النقطة، يمر الطريق بأحياء أم الجزم والجعيلي، وهي أحياء جديدة في حينها، ثم يعبر شارع الرياض (الذي أُنشئ في بداية السبعينيات). وبعد نحو 500 متر يصل إلى قرية الخويلدية غربًا، بعد أن يمر فوق السد القادم من جهة التوبي.

ومن الخويلدية، يواصل الطريق مساره ليعبر السد المتجه شرقًا، الذي يصرف مياه الزراعة الفائضة باتجاه البحر.

وعند مرور الطريق بقرية الجارودية، يمر بمحاذاتها من الجهة الشرقية، قبل أن ينعطف جنوبًا لمسافة تقارب 3 إلى 4 كيلومترات. وفي الجهة الشرقية من مسار الطريق يمكن مشاهدة قناة لتصريف المياه الزراعية الفائضة (سد)، تبدأ من الطرف الجنوبي الشرقي للجارودية القديمة، لتصب ما تحمله من مياه في السد الرئيسي المتجه نحو البحر.

وقبل الوصول إلى أم الحمام، يمر الطريق بحي كبير يُعرف بـ“القوع”.

وبعد المرور بأم الحمام بمحاذاة جهتها الشرقية، يستمر الطريق حتى يتفرع إلى ثلاثة مسارات رئيسة:
• المسار الغربي: يتجه إلى قرية الجش، ثم إلى التقاطع مع طريق رأس تنورة–الظهران في منطقة البدراني، حيث يبدأ أيضًا طريق أبو حدرية المتجه إلى الكويت، وتوجد هناك نقطة شرطة ومحطة وقود ومقهى.
• المسار الجنوبي: يمتد حتى نهايته في قرية الملاحة.
• المسار الشرقي: يتجه نحو حي العليوات في عنك، حيث يلتقي بطريق القطيف–الدمام (طريق الملك عبد العزيز حاليًا).
ويستمر الطريق شرقًا عند مفرق القرى الثلاث حتى يلتقي بطريق القطيف–الدمام، وتحديدًا عند حي العليوات في الطرف الجنوبي الغربي من عنك.
ولقد كنا نتخذ من هذا الطريق مسارًا للتنزه، سيرًا على الأقدام أو على الدراجات الهوائية والنارية، بل وحتى بالسيارة. كان مكانًا أشبه بالفردوس، يفيض بالخضرة ويغمرنا بأجواء النخيل الوارفة، حيث نتنفس الهواء العليل بين الخمائل المعطّرة التي تتناثر على امتداد طرقه ودروبه المتشعبة. هناك، كنا نستمتع بعبق الرياحين، ونستنشق شذى زهور الياسمين، وتمتزج في الأجواء روائح الترنج والرارنج والليمون، إلى جانب عبير الكرفس والكزبرة المزروعة في مشارب البساتين.
أما حلة محيش فبقيت مرتبطة بالقرى المجاورة عن طريق الطرق الزراعية القائمة، وتم ربطها بوصلة مُعبَّدة مع الطريق الذي يربط مركز القطيف بعنك وسيهات والدمام، والذي أُنشئ قبل الستينيات لتسهيل حركة مرور أسرع.

مُوَطِنٌ غَمَرَهُ الْجَمَالُ

إِنَّ الشَّمَالَ كَمَا الجَنُوبْ
فِي وَطَنِي مِثْلَ الْوَسَطْ

وَالشَّرْقُ فِيهِ مُدَلَّلٌ
خُطَّ لَهُ فِي الرُّوحِ خَطْ

كُلُّ دُرُوبِ أَرْضِهِ
لَهَا فِي الْقَلْبِ مَحَطْ

وَفِي مُحِيطِهِ قُرًى
خَالِيَةٌ مِنَ الشَّطَطْ

وَأَهْلُهَا مِنْ خِيَرَةِ النَّاسِ
لَا يُرَى مِنْهُمْ سَخَطْ

إِلَى الْمَعَالِي يَنْظُرُونَ
وَهَدَفُهُمْ قَدِ انْضَبَطْ

مُوَطِنٌ غَمَرَهُ الْجَمَالُ
وَلَمْ يَغِبْ عَنْهُ قَطْ

وَتَحَلَّى بِالْوِفَاقِ
فَهْوَ فِي أَبْهَى نَمَطْ

أَنْعِمْ بِهِ مِنْ مُوَطِنٍ
وَضَعَ الْحُرُوفَ عَلَى النُّقَطْ

1- الخويلدية… [مدخل المحيط الجميل]

تاريخ يُروى

نستهل رحلتنا عبر طريق المحيط، وهي أول قرية يمر بها هذا الطريق للقادم من القطيف. في بداية الثمانينات الميلادية أخبرني زميلي في العمل المرحوم عيسى بن عبد الله الأمرد، من أهالي الخويلدية، وكان راويًا جيدًا، وقاصًّا مجيدًا، ومتحدثًا مفوّهًا، وحافظًا لكثير من الأشعار والأمثال والحِكم، رغم أنه لم يكن يجيد القراءة والكتابة، مما يدل على امتلاكه ذاكرة قوية وقدرة على التحليل المنطقي؛ أخبرني بأن الخويلدية كانت في الأصل قريةً تقع غرب القطيف، على أطراف الصحراء المجاورة للنخيل، فيما يُعرف بامتداد برّ البدراني.

وقد اضطُرّ أهالي الخويلدية إلى النزوح من قريتهم الأصلية المكشوفة لبرّ القطيف إلى موقع القرية الحالي، نتيجة تعرّض قريتهم لغارة من البدو في أحد أيام الخميس، حين كان رجال القرية وشبابها، كعادتهم في هذا اليوم من الأسبوع، متواجدين في سوق الخميس، وهي سوق تجارية أسبوعية يقصدها أهالي القطيف وما جاورها كل خميس لبيع منتجاتهم وشراء احتياجاتهم. فاستغلّ ضعاف النفوس من البدو خلوّ القرية من الرجال، فأتوا عليها ونهبوها. عندها قرّر أهل القرية الانتقال إلى موقعهم المعروف اليوم بالخويلدية، وكان آنذاك أَحْراشًا، فطوّروا الأرض وعمّروها.

لقطة جوية لوسط الخويلدية بعدسة المرحوم خالد الطلالوة رحمه الله

ومن هنا يمكن استنتاج أن الانتقال إلى القرى الواقعة وسط غابات النخيل كان يتم لدواعٍ أمنية دفاعية؛ لأن غابات النخيل الكثيفة تساعد على إبطاء الغارات البدوية المفاجئة وتمكّن من صدّها بشكل أفضل، كما أنها تكون أقرب إلى التجمعات السكانية للبلدات الأخرى. وهذا يذكّرنا بالقصة التي تُروى عن المرأة الخويلدية الشجاعة التي تسلّلت عبر النخيل وخاطرت بنفسها عندما لاحظت تجمعات لبعض البدو استعدادًا للانقضاض على قرية الدبابية أثناء ما عُرف بوقعة الشَّرْبة، فأوصلت المعلومة إلى أهالي الدبابية لكيلا يُؤخذوا على حين غرّة، كما حدث لأهلها في قريتهم القديمة.

وقد ذكر لي المرحوم عيسى، الذي ربطتني به علاقة صداقة قوية، مسمّى القرية القديم، لكنني نسيته؛ وآفة العلم، كما يقولون، النسيان، وعدم التدوين نكران لجميل الأوطان. وقد حاولت التأكد من آخرين من صحة رواية الحاج عيسى، لكنني لم أخرج بنتيجة، لأتذكّر متحسّرًا بيت الشعر القائل:

وَكُلُّ سِرٍّ جَاوَزَ الاثْنَيْنِ شَاعْ
وَكُلُّ عِلْمٍ لَيْسَ فِي القِرْطَاسِ ضَاعْ

وهو ممّا ورد في باب «نوادر ملك السباع» من كتاب «فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء» لأبي محمد أحمد بن محمد، المعروف بابن عربشاه.

رواية مطابقة للتاريخ

إن ما رواه المرحوم الحاج عيسى الأمرد يتوافق كليًا وجذريًا مع التاريخ المكتوب. فقد جاء في كتاب «ساحل الذهب» للمرحوم محمد سعيد بن موسى المسلم ما يطابق رواية الحاج عيسى. إذ يذكر المسلم، اعتمادًا على كتب التاريخ، ما يلي:

أن مدينة القطيف القديمة تبعد عن الساحل مسافة ميل، كما يذكر المسعودي، وقد ذكرها ياقوت في معجمه فوصفها بأنها مدينة بالبحرين، هي اليوم قصبتها وأعظم مدنها، ووصفها ابن بطوطة في رحلته بأنها مدينة حسنة ذات نخل، وتحيط قصبتها واحة عظيمة من أشجار النخيل وأنواع الفاكهة.

وتبلغ مساحتها من الشمال إلى الجنوب تقريبًا ثمانية عشر ميلًا، ومن الشرق إلى الغرب ثلاثة أميال، ويظهر أنها كانت فيما مضى من الزمن أكثر سعة وامتدادًا؛ فقد روى أبو الغداء المتوفى سنة 732هـ في كتابه تقويم البلدان نقلًا عن بعضهم بأنها أكبر من الأحساء. ويرجع السبب – كما يظهر – في تقلص مساحتها إلى زحف رمال الصحراء على بساتينها ومزروعاتها من جهة، وإلى اضطراب حبل الأمن وارتباك الأوضاع السياسية في الأيام الغابرة من جهة أخرى، أي قبل استتباب الحكم السعودي الحالي عليها.

ويواصل المسلم قائلًا:

«حدّثني المرحوم والدي أنهم كانوا في أيام شبابهم يقفون قرب النزهة ويرون البرّ، ويدل على تقلّص مساحتها أيضًا ما نجده من أطلال وبقايا أحجار مبعثرة هنا وهناك في تلك الصحاري، مما يدل على أنها بقايا قرى كانت عامرة، وكذلك وجود العيون البرية على مسافات شاسعة من الواحة. ويقال إن تلك المسافة من الصحاري التي تفصل الأحساء عن القطيف كانت كلها آهلة بالسكان وبالقرى والواحات، بل يذهبون إلى أبعد من ذلك فيقولون إن الماشية السائبة كانت تنتقل من مدينة القطيف بين القرى والواحات حتى تصل إلى مدينة الأحساء. وهذا القول، وإن حملناه على المبالغة، فمما لا شك فيه أنه يدل إجمالًا على أن هذه المساحة كانت آهلة بالسكان والمزروعات في الزمن الغابر، وأن جفاف الينابيع التي تسقي سيحًا، بالإضافة إلى الأسباب التي ذُكرت آنفًا، يُرجع إليها السبب في تسرّب الخراب والدمار إلى هذه المناطق».

وإذا علمنا أن الحاج عيسى قد شهد وعاش في المنطقة قبل مائة عام أو أكثر، فإن ذلك يجعل روايته أقرب إلى اليقين، خاصة أنه رجل مؤمن أمين، ويعرف مسؤولية الكلمة.

توثيق تاريخي
يُذكر أن الحاج عبد الله أحمد العود (1340 هـ – 1405هـ) هو من أوائل الذين وثقوا لتاريخ القرية، حيث أعد أول إحصائية لسكانها قبل أكثر من 60 عامًا ودوّن أحداثًا محلية مهمة.
والحاج عبد الله من معلمي القرآن المعروفين بالخويلدية، تعلم على يديه العديد من أبنائها، ومع كونه أحد معلمي القرآن فقد اشتهر بحبه وتدوينه لكتابة التاريخ. وقد قاده شغفه إلى تدوين أول إحصائية لعدد سكان الخويلدية قبل أكثر من 60 عامًا وتحديدًا في العام 1385 هـ، وعنونها ”تاريخ إحصاء لبيوت البلاد – الخويلدية“. عشر ورقات ضمت أسماء 210 من البيوت، وبعدد سكان 1584 شخصًا. كما سجل تاريخ وفيات بعض الشخصيات، وقام بنسخ بعض الأدعية الرمضانية.
ومارس الحاج عبد الله عادة علاج ألم الأسنان تقوم على الإيحاء، وهي عادة اجتماعية تعرف قديمًا ب”التسجين“، وطريقتها أن يضع المريض إصبعه على السن المصاب، فيما الحاج أو المعلم يقرأ بعض الأدعية والأذكار، ويضرب مسمارًا في لوح من الخشب أو الكرب لإقناع المريض بقتل ألمه أو حبسه“.

التسمية
مسمى الخويلدية للقرية اسم جميل وفخم. وهناك من ينسبه إلى بني خويلد، وهي بطن من قبيلة بني عقيل. ويعتقد أن هذه القبيلة استوطنت المكان أو امتلكت بساتينه في فترة تاريخية مبكرة. وهناك من يرجّح أن “خويلد” هو تصغير لكلمة “الخلد” (اسم من أسماء الجنة)، وقد سُميت القرية بذلك تشبيهًا لها بالجنة لكثرة بساتينها وعيونها المائية التي جعلتها خصبة وجميلة. وهناك من ينسب الاسم إلى نبع ماء تاريخي اسمه “الخلد” كان يقع شمال القرية، وقد اندثر هذا النبع مع مرور الزمن. وجميع هذه الآراء قابلة للترجيح لأنها مطابقة للمعلوم من التاريخ والبيئة والجغرافيا.

الإنتاج الزراعي
في الستينات والسبعينات وعبر العهود القديمة كانت الخويلدية مصدرًا مهمًا لمنتجات حليب الأبقار، إذ تصدر منه كميات كبيرة وبجودة عالية من عدة مزارع، ومنها مزرعة أم سعيد. كانت أم سعيد تملك عددًا كبيرًا من الأبقار، مما مكّنها من انتاج الحليب الذي يصنع منه الرُّوب، الذي نعرفه اليوم أيضًا بالزبادي (yogurt)، وكذلك اللبن (buttermilk). وبفضل جودة الحليب الذي كانت تنتجه أبقار مزرعة أم سعيد، نتيجة التغذية الجيدة المعتمدة على القَتّ (البرسيم)، كانت منتجات الروب بزبدته الصفراء الدسمة ذات لذّة لا تضاهيها لذّة، وكان اللبن الطازج بحُبيبات دسمه الصفراء الطبيعية بطعم لا يماثله شيء. لذلك كانت هذه المنتجات مطلوبة من الزبائن بإلحاح ومواظبة، وما زال كثيرون يتذكرونها حتى اليوم.

ولو وُجد آنذاك عقل تجاري جيّد مع ما كان متوفرًا من قدرات وخبرات في تربية الأبقار، فلربما تحوّلت مزرعة أم سعيد من مزرعة محلية محدودة الإنتاج والتموين إلى مصنع له شأن، يماثل شركات الألبان الوطنية الكبرى على مستوى البلاد كتلك التي انشأها الحاج عبد الله المطرود. كما اشتهرت القرية تاريخيًا بـتجارة “الطين الخويلدي” أو “طين البيلون”. كان يُستخرج من مناجم بين الخويلدية والجارودية.

2- الجارودية… [أرض الأجواء البديعة]

وبعد أن نتجاوز الخويلدية ونعبر السد الذي يمر بينهما نصل إلى الزاوية الشمالية الشرقية من الجارودية ليدخلك الطريق إلى وسطها. وتُعدّ الجارودية، بعراقتها، واحدةً من القرى التاريخية الرئيسية في القطيف، حيث المناخ المعتدل والأرض الخصبة الخصبة ووفرة المياه والموقع الإستراتيجي الهام ورخاء العيش. وهي مشهورة بالبساتين المحيطة بها. ولذلك كانت مسكنًا مفضلًا للقبائل التي تعاقبت على المنطقة منذ القدم ونزحت إليها.

لقطة جوية لبعض مزارع الجارودية بعدسة المرحوم خالد الطلالوة رحمه الله

الموقع

تبعد الجارودية عن ساحل البحر بمسافة تقارب خمسة كيلومترات، كما أنها تقع على مرتفع من الجبل الصلد، ومنفتحة على فضاء الصحراء، ومرتفعة نسبيًا عن مستوى سطح البحر بما يتراوح بين 5 و10 أمتار. ويحدّها من الشمال قرية الخويلدية، ومن الجنوب الجش وأم الحمام، ومن الشرق قرية حلة محيش، ومن الغرب الصحراء (برّ البدراني).

وقد بني لها سوراً من الحجارة والطين يحميها من الهجمات الخارجية السائدة في ذلك الوقت. وقد بقيت اثاره الى زمن قريب، ويطلق عليه سور الصدّين وله بوابتان: الدروازة الشرقية، شرق الجبل على شارع البدراني. والثانية تدعى الدروازة الغربية. كم أن للسور برج يقع على عين الصدّين يسمى ببرج الصدّين. وفي داخل السور توجد مجموعة من «الفرقان» منها: الفريق الجنوبي، والفريق الشمالي، وفريق البراحة، وفريق القصر، ومعظم بيوتها من الحجارة والطين وقلة من الأكواخ وهناك مساكن أخرى كانت خارج الديرة القديمة. ويشير تعدد الفرقان في البلدة إلى كبرها واتساعها وإلى نوع من التنظيم العمراني والاجتماعي.

التسمية

ويرجح أن تسمية الجارودية هو نسبة إلى الجارود المُعَلّى العبدي، أحد سادة قبائل بني عبد القيس الذين سكنوا المنطقة، ورئيس وفد البحرين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لاعتناق الإسلام، كما ورد في الروايات ويتداول بين الناس. وكانت قديماً تُسمّى لملوم. وفي ذلك يقول الشاعر مهدي محمد السويدان رحمه الله:

جارود لملم بالأهالي أخالها… عذب المياه يسيل فوق رباها

الحياة الاجتماعية
تتميز الجارودية بتاريخ اجتماعي وثقافي مرتبط بنمط الحياة في ضواحي القطيف، ويظهر ذلك في عاداتها، وتراثها، وعمرانها القديم، وأسلوب الحياة التقليدي. ويبرز وجود الجمعيات الخيرية النشطة التي تخدم المجتمع مثل جمعية الجارودية الخيرية للخدمات الاجتماعية الترابط الاجتماعي الموروث لديمومة التحضر.

أول مدرسة
تأسست أول مدرسة ابتدائية للبنين في الجارودية عام 1979هـ، اما المدرسة المتوسطة فتأسست بعد أعوام عديدة فكان على طلبة المرحلة المتوسطة الدراسة في مدرسة القطيف المتوسطة الأولى التي كانت تخدم أغلب القرى المحيطة. كان ذلك فرصة للتعارف، فتعرّفتُ 1968م على مجموعة من زملاء الدراسة من أهالي الجارودية، منهم: إبراهيم بدر العيد، وسيد عبد العظيم الطويلب، وأبناء أخيه حسن وحسين، وعبد العظيم السادة، ويوسف عواد وأخوه، وجعفر المرهون، وكل هؤلاء من نفس الفئة العمرية وهناك آخرون في فصول أخرى. كان هؤلاء الطلبة لطفاء، مبدعين ومتميزين. وقد حقق الأخ العزيز عبد العظيم الطويلب مركزًا متقدمًا (ربما الثاني) ضمن العشرة الأوائل على مستوى المنطقة الشرقية في اختبار الكفاءة المتوسطة، وكان معروفًا بذكائه واجتهاده وحبه للعلم والتعلّم. وكان يتخذ من مزرعتهم مكانًا للمذاكرة ومراجعة الدروس. ومما لمسته إن أهل الجارودية محبون للعلم والتعلم. كما أنهم طيبو المعشر، ليني الطباع وودودون، فنشأت بيني وبينهم علاقة طيبة.

وعندما دعوني، بلطفهم وكرمهم، لزيارة الجارودية، سررت بذلك واستجبت لهم. وكان لديّ دائمًا دافع خفي يدفعني للتعرّف على المناطق المختلفة واستكشافها، فكانت هذه الدعوة فرصة سانحة لتحقيق ما أتوق إليه.

شارع المحيط لأول مرة
في إحدى أمسيات الربيع ركبت دراجتي الهوائية الجديدة وانطلقت من بيتنا في باب الشمال متجهًا إلى الجارودية. كانت بالنسبة لصبي في سني مغامرة.
مررت بالمدارس، والسطر، والدوبج، وأم الجزم، والجعيلي (وهي أحياء في جنوب مركز القطيف)، ثم قطعت شارع الرياض الحالي الذي كان يُعرف آنذاك بالشارع الدائري لأنه يلف حول القطيف وكان حينها جزءًا من مشروع نزع ملكية لإنشاء هذا الشارع، وبعدها مررت بعين الصباغي وقرية الخويلدية، وهي أول قرى المحيط من جهة القطيف، والذي ينعطف عندها الطريق نحو الجنوب باتجاه الجارودية.
حينها شعرتُ بطول المسافة وبعد الطريق وخشيتُ أن يحل الظلام، فقفلتُ راجعًا إلى من حيث أتيت. في اليوم التالي اكتشفتُ من زملائي أنني كنت قريبًا جدًا ولو استمريت لبضع دقائق على دراجتي لوصلت الجارودية؛ فالمسافة بين الخويلدية والجارودية لا تتجاوز نحو 500 متر (وهي اليوم متصلة بالخويلدية). تأسفت كثيرًا، ولاحقًا، كنت أتذكر تراجعي عن إتمام رحلتي وأصبح هذا الموقف درسًا يحفزني لإتمام أي عمل تثنيني الصعوبات وظواهر المعوقات عن اتمامه، وكما في الخطب القصيرة للإمام عليه السلام: “الهيبة تورث الخيبة”. ومنذ ذلك الوقت شعرت إن مع امتداد هذا الطريق وفيما وراء ذلك المنعطف الذي توقفتُ عنده حكايةً تستحق أن تُروى.

لقطات جوية للجارودية بعدسة المرحوم خالد الطلالوة رحمه الله

الزراعة

تتميز الجارودية بمنتجاتها الزراعية الجيدة، وذلك لأسباب عديدة، منها وقوعها على أرض مرتفعة خصبة، وريّها بالمياه الجوفية العذبة التي تتميز بها المنطقة، إضافة إلى انفتاحها على البر، مما يوفر لها تهوية جيدة وشمسًا نافعة.

لذلك تُعدّ الجارودية من أفضل مناطق القطيف في إنتاج الليمون و«البوبي» إضافة إلى أنواع الرطب المختلفة. ولا تزال الجارودية جزءًا مهمًا من النشاط الزراعي في القطيف، وخاصة في زراعة النخيل والمنتجات المحلية.

عيون الجارودية

يذكر من عاصروا التكوين البيئي الطبيعي للمنطقة قبل تغيّره وانحساره السريع مؤخرًا، أنه كانت في سيحتها (المنطقة الزراعية التابعة لها) عشرون عين سيح نَبّاعة (ارتوازية)، جميعها تشتهر بمياهها العذبة.

ولعل عذوبة هذه المياه يعود إلى جيولوجية أرض الجارودية ذات الطبيعة الصخرية، مما يميزها عن غيرها من مناطق القطيف. ومن أشهر هذه العيون: عين القشورية وعين الصدين.

عين القشورية

اشتهرت هذه العين بتزويد سكان القطيف والمناطق المجاورة بالمياه العذبة طيلة السنين الماضية، وربما كانت الأشهر على مستوى القطيف. وكان يُضرب بحلاوة مائها المثل، فيقال: «ماء قشوري»، أي شديد العذوبة والنقاء. ولكنها، ومع الأسف، اندثرت، كباقي عيون السيح في القطيف وأصبحت اثرًا بعد عين. وكان الماء يُنقل من هذه العين بالقِرَب (جمع قِربة) إلى بيوت الوجهاء والأعيان لاستخدامه في الشرب وتقديمه للضيوف، ممزوجًا بماء اللقاح أو مع الشاي.

وكانت مهنة نقل الماء من المهن المطلوبة، وقد امتهنها كثير من الرجال ذوي البنية القوية. وكان يُطلق على من يمتهنها «الرواي»، وهو ما يماثل مسمى «السقاء» في الحجاز ومصر، وقد حملت بعض الأسر هذا اللقب بسبب امتهانهم لهذه المهنة.

وفي العربية: «الراوي» اسم فاعل من «روى»، والجمع «رُواة»، ويُقال: راوي الحديث أو الشعر، أي ناقله. أما «الرواي» (بتقديم الواو) فيبدو أنها لفظة محلية اختص بها أهل القطيف.

ولعل استخدام هذا المسمّى جاء لارتباطه بمعنى «الرّي» والإرواء؛ إذ يُقال: رَوِيَتِ الماشيةُ من الماء، أي شربت حتى شبعت، ورَوِيَتِ الأرضُ، أي تشبّعت بالماء وارتوت. ومن هذا المعنى اشتُقّ وصف «الرواي» لمن يتولى إرواء الناس بالماء ونقله إليهم، فكأنه لا يكتفي بحمله، بل يقوم بمهمّة الإرواء ذاتها.
وقد ظلت عين القشورية حتى وقت قريب شاهدة على تاريخها، حتى بعد حفر الآبار الارتوازية الحديثة ووصول مياه التحلية إلى المنازل، وانتشار استخدام قوارير المياه المعبأة.

ومن الطرائف أن صديقًا أهداني ذات مرة قنينة ماء وقال: «هذا ماء قشوري جلبته من العين». وكان ذلك تقديرًا منه لي. ورغم إصراره، اعتذرت قائلاً: «معذرة، لا أستطيع شرب هذا الماء يا صديقي». كانت هدية، والهدية لا تُرد، لكن الزمن قد تغيّر.

عين الصدين

وهي العين التي كان يعتمد عليها أهالي الجارودية في استخداماتهم اليومية، مثل الشرب والغسيل والاستحمام.

وتكمن أهمية هذه العين في وقوعها داخل الديرة المسوّرة، مما يجعلها كافية في حال تعرض البلدة لهجوم أو حصار، وهو أمر لم يكن مستبعدًا قبل استتباب الأمن في البلاد بعد قيام المملكة.

وتنقسم هذه العين إلى قسمين: قسم للنساء وآخر للرجال، بما يتناسب مع احتياجات الاستخدام، وهو حال العيون التي تخدم البلدات في أنحاء القطيف.

وفي الجهة الشرقية، بالقرب من هذه العين، يوجد مسجد لا يزال قائمًا يُعرف بمسجد العين، كما توجد سدرة يعود تاريخها إلى مئات السنين.

وبالإضافة إلى الاستخدام البشري، كانت مياه هذه العين تُستخدم لريّ بساتين عديدة، حيث تُفرغ في مشرب (ساقية كبيرة) لتسقي البساتين الشمالية، مثل: العمارة، والحرة، وطف الجارودية، وأم خصاب العصفور، وأم العريشات في الركن الشمالي الغربي من الجارودية.

تبقى مصدرًا للمياه

ولأن برّ البدراني يتميز بارتفاعه الطبوغرافي عن بقية مناطق القطيف، وبتوفر أراضٍ شاسعة فيه، فقد أُنشئت خزانات لمياه التحلية القادمة من محطة تحلية العزيزية، حيث تُعالج ثم تُوجَّه إلى خزانات ومحطات توزيع المياه في مدن مختلفة من القطيف. كما أُنشئت فيه المحطة الرئيسية لمعالجة مياه الصرف الصحي، ومنها تُوجَّه المياه المعالجة إلى نقطة تصريف في البحر أو استخدامها في الزراعة المحصورة (restricted irrigation). وهكذا بقيت الجارودية مصدرً للمياه الحلوى التي تغذي القطيف من عين القشورية ولمياه الزراعة التي تسقي المناطق الخضراء.

الطين الخويلدي
كان هذا الطين يُستخرج من نتوءات صخرية كبيرة بارزة على سطح الأرض شمال غرب الجارودية، ومن المناطق التي تقع اليوم حول قاعة الملك عبد الله ومشروع الإسكان، وتمتد شمالًا حتى غرب الخويلدية. ويُطلق على هذه النتوءات اصطلاحًا مسمى جبل عرف باسم “جبل البراق”، وهو مسمى وصفي لتلال أثرية قديمة في منطقة غير جبلية.
وتُسمى أماكن استخراج الصخور الطينية “مقالع”، لأنها كانت تُقلع باستخدام العواميد والفؤوس الحديدية، ثم تُقطّع إلى كتل حجرية صغيرة سهلة التفتيت وجاهزة للبيع. وتمتاز هذه القطع بألوان متباينة، يغلب عليها اللون الأخضر الفاتح مع تداخل اللونين الأصفر والأحمر بدرجات متفاوتة، تبعًا لمكوناتها الطبيعية.
وبعد إزالة جبل البراق في أواخر السبعينات (1403هـ)، استمر استخراج الطين من قاع الأراضي المحيطة عن طريق حفر الأنفاق. وقد استمر ذلك لسنوات، إلا أن الطلب عليه بدأ في التراجع حتى أصبح اليوم سلعة نادرة وذكرى من تراث المنطقة.
وتشير بعض الروايات إلى أن استخراج الطين عبر الأنفاق كان عملًا شاقًا ومحفوفًا بالمخاطر، نظرًا لاحتمال انهيارها، خاصة أنها كانت تُحفر بطرق بدائية وتفتقر إلى احتياطات السلامة اللازمة.
ولهذا الطين عدة استخدامات حيوية بعد نقعه في الماء وإضافة بعض المواد إليه؛ إذ كان يُستخدم كصابون لغسل الملابس والبدن، وكشامبو لتنظيف فروة الرأس بعد خلطه بصفار البيض، لا سيما لدى النساء، حيث اشتهر بفوائده الطبية لاحتوائه على عناصر طبيعية وخلوه من المواد الكيميائية. كما استُخدم في وقف النزيف وعلاج بعض الأمراض الجلدية.
إلى جانب ذلك، دخل في صناعة الأواني الفخارية مثل جرار حفظ وتبريد الماء، واستُخدم في طلاء جدران المنازل وصنع الزخارف. ويُقال أيضًا إنه كان يُستخدم أحيانا للإغلاق المؤقت لآبار النفط.
وبفضل هذه المميزات، اكتسب الطين الخويلدي أهمية اقتصادية، إذ كان مطلوبًا محليًا وفي مناطق الخليج المجاورة. وقد عمل بعض الأهالي بشكل مستقل في استخراجه وبيعه في سوق الخميس والأسواق المحلية، أو توزيعه مباشرة على المنازل، حيث كان الباعة يحملونه على الحمير ويتجولون به بين الأحياء، كما كان شائعًا في بيع السلع التقليدية آنذاك.
كما رأى بعض التجار والمستثمرين فيه فرصة ذات مردود اقتصادي جيد، نظرًا لسهولة تخزينه وعدم تعرضه للتلف، فقاموا بتشغيل عمال لاستخراجه بكميات تجارية وبيعه بالجملة للعطارين، أو تصديره إلى مناطق مختلفة مثل البحرين والكويت ومكة المكرمة والمدينة المنورة والعراق والهند.
ورغم أن مواقع استخراج هذا الطين تقع غرب الجارودية وتمتد شمالًا حتى الخويلدية، فإن الاسم المتداول له هو “الطين الخويلدي”. ويُعزى ذلك إلى أن أغلب العاملين في استخراجه وتسويقه كانوا من أهالي الخويلدية. كما يُعرف أيضًا باسم “طين البيلون”، وفي الجارودية يُسمى “طين خاوا”.

برّ البدراني – طقس جميل

في الجهة الغربية من الجارودية تقع طعوس (كثبان) رملية عالية في برّ البدراني المجاور، يُقدَّر ارتفاعها ما بين 15 و20 مترًا أو أكثر.

وكانت الجارودية، وبالخصوص برّ البدراني، متميزة بهوائها العليل الجاف والخالي من الرطوبة، مما جعلها مقصدًا لأهالي القطيف للمبيت فيها خلال ليالي القيظ شديدة الحرارة والرطوبة. ففي فصل الصيف تصبح المناطق القريبة من الساحل حارة ورطبة بشكل لا يُطاق، فتكون البدراني ملاذًا لمن يستطيع الوصول إليها.

صورة حيّة

وهناك قصة لطيفة ارتبطت ببرّ البدراني، وظلّت في الذاكرة لتبقي صورة حيّة لزمنٍ طوته الأيام:

كانت والدتي تروي، بنبرة من الحمد والشكر، قصة جارهم “الحاج علي بن سعود”، الذي كان يذهب للنوم في برّ البدراني هربًا من الرطوبة الشديدة عند الساحل كلما أتى صيف قائظ. كان الحاج علي لا يطيق الحر ولا يتحمّل الرطوبة، وربما احتمل على مضض رياح “البارح” الجافة، التي كان يخفف وطأتها بترطيب بدنه بماء “الرجية” البارد. وكانت الوالدة تترحّم عليه في كل صيف يمر بنا، وتقول: في ذلك الوقت لم تكن هناك مكيفات، ولا حتى مراوح هوائية، فلم يكن للناس حيلة إلا الصعود إلى أسطح المنازل، أو الذهاب — لمن يستطيع — إلى البدراني للمبيت هناك.

لقطة جوية للجارودية بعدسة المرحوم خالد الطلالوة رحمه الله

أعلام الجارودية
ورغم كل المعالم والآثار، وأهمية الزراعة والمنتجات للاقتصاد، يبقى أثر الإنسان أقوى وأكثر تأثيرًا وديمومة، بما يقدّمه من خدمات، ولا سيما ما يتعلّق بالعلم والبناء الاجتماعي. وقد انتمى إلى الجارودية أعلامٌ بارزون تركوا أثرًا متميّزًا، فحفظتهم ذاكرة الأجيال وخلّدتهم سير التاريخ، ومن هؤلاء:
المرحوم الحاج الملا سليم قاسم أحمد المدن الجارودي (1320–1398هـ)، وهو سليل أسرة علمية عريقة. كان خطيبًا وشاعرًا وناسخًا متميّزًا بخطّه الجميل، فكان له الفضل في حفظ الكثير من العلوم التي أنتجها علماء القطيف، ممن سبقوه ومن عاصروه، أمثال: الشيخ علي أبي عبد الكريم الخنيزي، والشيخ علي أبي الحسن الخنيزي، والعلامة فرج العمران. وكان يصنع أقلامه من القصب بنفسه، كما كان يُعدّ أحباره التي يستخدمها للكتابة باللونين الأسود والأحمر، ويُجهّز أوراق الكتابة بأحجام متفاوتة ويُجلّدها بنفسه.
وكانت له مكتبة خاصة، وكان يقدّم دروسًا في اللغة العربية، كما كان من المهتمين بعلم الفلك، الذي كان يُعرف بالتنجيم، ويُستخدم لمعرفة مواسم الأمطار والزرع والحصاد والبوارح، وتحديد أوقات السفر، ولا سيما الرحلات البحرية. وقد تتلمذ على يديه عدد من الشخصيات، منهم: الملا علي بن الملا عيسى آل عبد العال، والملا حسن مقيلي، وعبد الجليل محمد تقي القديحي، وعمدة القطيف محمد الفارس، رحمهم الله جميعًا.

المرحوم الحاج الملا مكي قاسم أحمد المدن الجارودي (1314–1389هـ)، وهو أخو الملا المرحوم سليم الجارودي المذكور أعلاه. نشأ محبًا للعلم والعلماء، وواظب على حضور دروس العلامة الشيخ منصور المرهون، ولم تثنه صعوبة المواصلات عن الذهاب إلى مجالس الدرس لينهل من العلم، حتى برز بين أقرانه، وصار مثالًا يُحتذى في الجد والاجتهاد. عُرف بالتقوى والورع والصلاح والتعبد، وكانت له منزلة علمية دينية رفيعة ومكانة اجتماعية مرموقة، فأُطلق عليه لقب “المعلّم” و“الشيخ الفاضل”.
ورغم كونه مكفوف البصر، لم يكل سعيه في طلب العلم والحرص على تعلّم الجديد في الخطابة، حتى أجاد فنونها ووظفها في الأغراض الإصلاحية، وعُدّ في مقدمة خطباء زمنه على مستوى القطيف.
كان يستعين بمن لديهم حافظة قوية في حفظ الشعر، فيحفظ القصائد التي تُتلى في المجالس عن ظهر قلب، لينم تدوينها لاحقًا. كما نظم الشعر بالفصحى والعامية في رثاء أهل البيت، ورثاء بعض الأعلام، كأستاذه الشيخ المرهون.

الملا بدر العيد ( ١٣٢٠- ١٤٠٩هـ)
وهو من الشخصيات ذات الوجاهة، والتي عرف عنها حبها للعلم وتعليمه، فكانت في حيازته العديد من الكتب القيّمة حيث كان الكتاب حينه نادرًا وعزيزا، وعلّم القرآن وصعد المنبر الحسيني، ونسخ بخط يده الكثير من الكتب. كما أنه كتب الشعر، وله فيه مرثيات، ومنها أبياتًا في الإمام الشيخ علي أبي عبدالكريم الخنيزي يقول فيها:

يا أيها المولى التقي الذي … يفتي لنا بوركت من عالم
أنت حمانا أنت ناموسنا … وأنت كهف البائس النادم
أنت لنا حصن -ويا عزنا- … تحوطنا عن كل ذي آثم

ومن خطباء الجارودية القدماء الذين حظوا بمكانة مرموقة كان هناك ايضًا المرحوم الحاج الخطيب الملا جواد مهدي حسين المعراج (أبو جعفر) وهو جد زميلنا المهندس علي المعراج، و العديد من الفضلاء الخطباء من اهل الجارودية الكرماء ممن ذكروا في الكتب والأسفار، فلمن مضى الرحمة وللباقين التوفيق.

الشيخ محسن المعلم
محسن بن علي المعلّم عالم دين ومفخرة من مفاخر القطيف العلمية ورائد من روادها الأفاضل، وله فيها مكانة سامية. عاش بين اهله فيها مصلحاً ومربياً ومرشداً ومعلماً وشاعرًا، جم التواضع، رفيع الأخلاق، عالي الهمة، كثير العطاء دؤوب في العمل. له إسهامات كثيرة ونشاط متواصل في التعليم والرعاية المستمرة والتوجيه والإشراف، والإصلاح الاجتماعي، وتربية الشباب والحرص على مصلحة المجتمع.

فالخير فيك يا جارودية القطيف، لم تبخلي… عطاءً متواصلًا لم ينقطع عبر الدهور،
فيك شباب دائم متطلع للعلاء… والعطاء وخدمة بلاده فواصلي.

3. حلة محيش… [دفء المكان وجمال الإنسان]

تعود الذاكرة إلى حلة محيش منذ أيام الدراسة في المرحلة المتوسطة، حين تعرّفت إلى بعض الزملاء في الفصول الدراسية، ومنهم المرحوم أحمد طاهر المهنا. وقد قادتني زيارة إلى الحلة برفقة مجموعة من الزملاء، في مناسبة تخص عائلتهم، فكانت تلك الزيارة نافذةً لاكتشاف هذه القرية الوادعة، التي تتربع وسط بساتين تُعد من الأجمل والأوسع في الواحة، حتى إن بعضهم يطلق عليها “عروس القطيف”. وقد عبِّر الشاعر عباس مهدي خزام عن مشاعره نحو هذا الجمال بقصيدة، نذكر منها:

حلة محيش جنةٌ لم يُشاهد
مثلها في الجنائن الخضراء
سحرُ واديكِ لم يزل يبعث النجوى
بقلبي في زهوة الخيلاء
وطيور الربيع تستلهم اللحن
فتشدو في رقةٍ وصفاء
تستجم النجوم في أفقك الوردي
جذلى في غمرة النداء
حلة محيش كنتِ مصدرَ إلهامٍ
ولا زلتِ واحةَ الشعراء

الموقع

وكي نبدأ رحلتنا مع هذا الجمال، لا بد من الوقوف أولًا عند موقع هذه الحلة ومحيطها الجغرافي.

تقع الحلة في وسط رقعة زراعية تحيط بها من الجهات الأربع: الشويكة والخويلدية شمالًا، وأم الحمام والملاحة والعلويات بعنك جنوبًا، والجارودية غربًا، وساحل البحر عند الخميسية شرقًا، فيما يُعرف اليوم بشارع القدس المار بالمجيدية.

لقطة جوية للحلة بعدسة المرحوم خالد الطلالوة رحمه الله

وقد يُعزى إلى هذا الموقع المتميز الإسهام في تشكيل شخصية مجتمعها، فجعلها أكثر انفتاحًا وتقاربًا مع الآخرين. ولا شك أن للبيئة الريفية الهادئة أثرًا نفسيًا إيجابيًا في تعزيز روح الألفة والتعاون بين أهلها.

التسمية

وبعد التعرَّف على الموقع الذي يمنح المكان حضوره، نتعرَّف على اسمه الذي يكشف عن دلالاته ومعانيه الكامنة.

يحمل اسم “حلة محيش” دلالات لغوية غنية؛ فكلمة “حلة” تشير إلى الزينة والجمال، كما في قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾، وهي توحي بمكان تحيط به مظاهر الجمال، وكأن البساتين تكتنفه فتزينه.

أما “محيش”، فتُشتق من “حشّ”، ومنها: حشّ الحشيش أي قطعه، وحشّ النخلة إذا كثر حملها، وحشّ السحابة إذا كثر ماؤها، وحشّ القوم إذا تجمّعوا. وعليه، فإن الاسم يعكس معاني الوفرة والخصب والاجتماع.

كما تُعد “محيش” تصغيرًا لـ“محش”، وهي أداة محلية لقطع الحشائش. وقد عُرفت الحلة بأسماء قديمة، منها: حلة أبارق، نسبةً إلى صناعة الأباريق الفخارية، وحلة البارقة، نسبةً إلى سوق البارقة.

مداخل الحلة

وبعد التعرف على الاسم والموقع، ننتقل إلى كيفية الوصول إلى الحلة ومسارات الدخول إليها قديمًا وحديثًا.

قديمًا، كانت الممرات الزراعية الضيقة المتعرجة هي الشرايين التي تربط الحلة بالقرى المجاورة، وتمتد بين البساتين كثيفة الأشجار، فلا ينفذ إليها إلا القليل من الضوء، ولا يُسمع فيها سوى خرير الماء وزقزقة الطيور، في مشهد يعكس بساطة الحياة وهدوءها.

ومع إنشاء قنوات التصريف الزراعي في أواخر الخمسينات الميلادية، استُغلت جوانب تلك القنوات كطرق جديدة، فظهر مدخلٌ شمالي يتصل بمركز القطيف والخويلدية، بتصميم متعرج، ربما كان يهدف إلى تنظيم حركة الدخول. وبعد العبور من هذا المدخل، يبرز خزان مياه مرتفع، إلى جانب بئر ارتوازية لتوفير مياه الشرب، ومسجد كبير في الجهة الشرقية، شكّل معالم بارزة للقادمين إلى الحلة.

أما المدخل الشرقي، فقد أُنشئ نحو عام 1390هـ، ليربط الحلة بطريق القطيف–الدمام، وكان أول طريق مسفلت يخدم السيارات، بعد أن كان الوصول إليها يقتصر على ممرات ضيقة لا تتسع إلا لشخص ودابته، أو تلك المصممة لعبور القواري التي تجرها الحمير. كما استفادت الحلة من “حمى” القنوات الزراعية ليربطها بالجهة الجنوبية. وعلى الطرق الزراعية المؤدية إلى الجارودية، تنتشر ساحات ترابية مدموكة، وقد تكون مواقعَ للأسواق القديمة، مثل سوق البارقة، الذي اشتهر ببيع البشوت. ويبدو أن هذه الساحات استُخدمت كملاعب لكرة القدم في التمارين والمباريات المحلية.

المركز السكني

ومع تعدد هذه المداخل، يتشكل داخل الحلة نسيجها السكني الذي يعكس طبيعة مجتمعها.

ضمت الحلة القديمة منطقتين رئيسيتين: “الديرة” في الجنوب، و“الفريق” في الشمال، وكلاهما يمثلان تجمعين سكنيين متقاربين اجتماعيًا، مع كون “الديرة” أوسع نطاقًا و“الفريق” جزءًا من الكل. ومع النهضة العمرانية، شهدت الحلة توسعًا ملحوظًا، تجاوز حدودها القديمة بكثير.

الاقتصاد والمنتجات الزراعية

ولا يمكن فهم هذا النسيج الاجتماعي دون التعرّف على مصادر العيش التي شكّلت ملامحه.

اشتهرت الحلة بغزارة إنتاجها الزراعي، وشملت منتجاتها من الفواكه: البنبر، واللوز، والموز، والرمان، والتين، والعنب، والكعك، والكنار، والبوبي، والتوت، والبطيخ الأصفر؛ ومن الخضروات: الليمون، والسفرجل، والكوسة، والطروح، والطماطم، والبوبر، وغيرها.

ومن الملاحظ أن اقتصاد القرية لم يتوقف عند الإنتاج الزراعي فقط، بل امتد ليشمل توظيف التجارة عبر إنشاء أسواق محلية مثل سوق البارقة، والسوق المركزي، والتجارة بالأسماك. وكذلك الاستفادة من الحرف الفنية المتعلقة بالزراعة مثل رعاية النخل، وإنشاء المشاتل الزراعية، إضافة إلى غيرها مثل تعليم الكتاتيب، وصناعة الفخار، وتدوير المعادن، والترافع في المحاكم.
وهكذا تبدو الحلة مجتمعًا حيويًا متكاملًا، جمع بين خيرات الأرض وحيوية الإنسان، فصاغ نموذجًا محليًا لقريةٍ نابضةٍ بالحياة والعمل.

التعليم

ومع ازدهار الحياة الاقتصادية، برزت الحاجة إلى التعليم بوصفه ركيزةً أساسية في بناء الإنسان.

في بداية التسعينات الهجرية، عُيّن صديقي الأستاذ أمين معلمًا في مدرسة حلة محيش، التي كانت آنذاك في بيت مستأجر مبني على الطراز العربي المحلي.
شُيّد البناء بالحجارة المحلية، وسُقفت غرفه بجذوع النخل، وكان يضم ساحة داخلية واسعة تحيط بها الغرف، مع ممرات مسقوفة ومدخل كبير، مما جعله مناسبًا كمدرسة.
فمن الناحية الإنشائية، شُيّد بالحجارة المحلية، وسُقفت غرفه بجذوع النخل. ومن الناحية المعمارية، كان يضم ساحة واسعة في الوسط، تحيط بها غرف تطل على ممر مسقوف مفتوح، وله مدخل واسع ببوابة كبيرة، مما جعله مناسبًا لاتخاذه مدرسة.

وكانت أول مدرسة ابتدائية للبنين قد تأسست عام 1388هـ، تلتها المدرسة المتوسطة في 1402هـ، والثانوية في 1418هـ. أما مدارس البنات فبدأت بأول مدرسة ابتدائية عام 1393هـ، تلتها المدرسة المتوسطة في 1403هـ، فالثانوية في 1410هـ.

بيئة محفّزة للمذاكرة

وفي هذا السياق التعليمي، تتجلى جوانب من الحياة اليومية التي عاشها أبناء القطيف في طلب العلم.

في المرحلة الثانوية، كانت الحلة محطة الوصول الأخيرة في رحلات المذاكرة الجوالة، وهي طريقة اعتاد عليها طلبة القطيف، خاصة في المواد التي لا تتطلب كتابة، مثل النصوص (المطالعة والشعر)، والتاريخ، والجغرافيا، والأحياء، والجيولوجيا.

كان الطلبة يسيرون في الطرق الزراعية، يراجعون دروسهم وسط الهدوء والطبيعة، مستفيدين من طيبة أهل المنطقة وترحابهم، مما يضفي على الدراسة روحًا تجمع بين الفائدة والمتعة. فعلى جوانب الطرقات والغدران وأطراف الجداول، تجد الزهور ومختلف الأعشاب ذات الروائح العبقة، تعلوها النخيل الباسقات محملة بعذوق الرطب المبهجة بمختلف ألوانها، وسعف النخيل الراقص بين نسمات الهواء العليل، وكأنه يعزف ألحانًا للبلابل والعصافير المزغردة فوق أغصان الأشجار، وعلى مقربة تُسمع أصوات حمامة بدي، وكأنها تدعو للسكون، بينما تنبعث أصوات الضفادع لتؤنس المارة. وفي هذا المكان، كانت كل حركة تُسمع، وكل صوت له حضوره الهادئ.

عين أم عمار… جوهرة عيون القطيف

ومن بين تلك التجارب، تبرز محطات لا تُنسى، ارتبطت بالطبيعة ومعالمها الفريدة.

في تلك المرحلة، كنا نتوجه غالبًا إلى عين أمّ عمّار، التي كانت وجهتنا الأساسية للتنزه وممارسة السباحة. وتُعد هذه العين من أبرز معالم الحلة الطبيعية، بل من أشهر عيون السيح القديمة في القطيف، وتقع بينها وبين الجارودية.

تتميز العين بقوة تدفقها وصفاء مياهها، التي تتلألأ تحت أشعة الشمس كأنها زجاج مصقول. وكان السابح يشعر بخفة الماء وسهولة الحركة، بفضل قوة الدفع من الأسفل، مما جعلها مقصدًا للمتنزهين من مختلف مناطق القطيف.

ويُذكر أنها كانت ثاني أقوى عين في قوة دفع الماء بعد عين داروش في صفوى، فكانت تتفرع منها سواقي عريضة وعميقة، تسقي النخيل والبساتين شمالًا إلى الخويلدية وغربًا إلى الجارودية، وتمتد في الجهات الجنوبية والشرقية لتسقي المزارع على بعد عدة كيلومترات، ويذهب فائضها إلى البحر. قال فيها شاعر الحلة أحمد بن حسين البصري:

أنتِ ماءُ الفرات بل أنتِ دجلةُ
أين ماءُ الفرات من مائكِ أنتِ

كم سقيتِ من النخيل العطاشى
وزروعًا فما بمائكِ بخلتِ

كم أطفأتِ اللهيب في فنائكِ
بين غطسٍ وقفزةٍ طول وقتِ

وإلى جانبها، كانت توجد ثلاث عيون سيح نابعة أخرى، وهي: عين المروانية (غرب الحلة)، وعين الخليلي (جنوب المروانية)، وعين الجزيرة (جنوب الحلة).

صورة اجتماعية

وإذا كانت الطبيعة قد منحت المكان سحره، فإن الإنسان هو من أكسبه روحه الحقيقية.

تترك الحلة لدى المتأمل صورةً راسخة من المنعة والإقدام، والمشاركة الفاعلة في شؤون القطيف العامة. فقد عُرف أهلها بالكرم والجود والعطاء، مقرونين بالحكمة والهدوء وحب العمل، إلى جانب روح المبادرة في الأعمال الخيرية.

ويروي أحد الذين تعاملوا معهم في المجال الخيري قائلًا: “إذا احتاج العمل إلى شخص، اندفع إليه منهم عشرة”، وهو تعبير صادق عن سمو الروح الجماعية التي يتميز بها المجتمع. وقد تجسدت هذه القيم في عدد من المشاريع الاجتماعية الرائدة، من أبرزها: روضة الطفل السعيد (تأسست عام 1401هـ)، ولجنة التنمية الاجتماعية المحلية (تأسست عام 1401هـ)، ومؤسسة الأعمال الخيرية بالحلة (تأسست عام 1415هـ).

أعلام وشخصيات الحلة

وقد تجسدت هذه الروح في شخصيات بارزة تركت أثرها في مختلف المجالات، حيث برز فيها عدد من الشخصيات العلمية والأدبية، منهم على سبيل المثال لا الحصر: الملا طاهر آل مهنا، والملا حسن بن الملا محمد الباقر، والشيخ عبد الله اليوسف، والشيخ علي الجنبي، والشيخ إسماعيل عجيان، والملا حسين بن الملا محمد الباقر، والملا باقر آل باقر، والملا أحمد البطران، والملا حسن آل باقر.

كما لمع في المجال الاجتماعي والتعليمي كلٌّ من: الحاج سعيد جواد البوري، والشاعر أحمد بن حسين البصري، والأستاذ عبد المحسن بن إبراهيم عجيان، الذي شغل مناصب متعددة في سلك التعليم وكان من الشخصيات المعروفة على مستوى القطيف، إلى جانب الأستاذ منصور بن حسن الناصر.

وفي مجال الخط، برز الحاج عبد الله بن إبراهيم عجيان، والسيد مصطفى العرب، بما قدّماه من إسهامات فنية مميزة.

أما في الجانب التاريخي، فيُعد العمدة الحاج إبراهيم عجيان من أبرز شخصيات الحلة، بل ومن رموز القطيف، إذ كان من زعمائها وممثليها لدى الحكومة، وأسهم بدور مهم في خدمة مجتمعه.

هدية وتحية

وهكذا، تبقى حلة محيش، بما تركته في الوجدان لذاكرة المكان والزمان، وروح الإنسان، صورةً حيّةً لقريةٍ حافظت على قيمها وتراثها رغم تغيّر الزمن، وظلّت وفيّةً لبساطتها، وثرائها الإنساني، وجمالها الطبيعي الذي يسكن القلوب قبل العيون. وأهم من ذلك إنسانها الخلّاق، وأرضها المعطاء؛ فهي بخيراتها تمثّل عطاءً إلهيًا للإنسان الذي احتضنته عبر الأزمان، في مكانٍ يجمع بين خضرة الأرض ودفء التفاعل الإنساني.

إن تاريخها الناصع جديرٌ بأن يُروى، ويُكتب، ويُحفظ في الوجدان. وجميلٌ أن نختتم بتحيةٍ لهذا المكان الجميل بأبياتٍ من قصيدة “حلة الخير” للشاعر عدنان أبو المكارم:

(حلة محيش) الأبية لك من قلبي تحية
والحقول السمر طُرًّا والأزاهير الندية
والروابي والسواقي والمروج السندسية
كل ما فيك ينادي جل خلاق البرية
يا أريج المسك يا بنت القطيف الألمعية
حلة الخير وهذه مدحتي أغلى هدية
وردة بيضاء تبقى طيلة العمر ندية

قريبا: نزهة في تراث القطيف الجغرافي (ج6)

لقراءة الجزء الأول: https://www.qatifscience.com/?p=33195

لقراءة الجزء الثاني: https://www.qatifscience.com/?p=33311

لقراءة الجزء الثالث: https://www.qatifscience.com/?p=33579

لقراءة الجزء الرابع: https://www.qatifscience.com/?p=34101

المهندس علي الجشي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *