إسم الكتاب:
“الحكمة المشتركة: التطور الثقافي في عصر الذكاء الاصطناعي”
[Shared Wisdom: Cultural Evolution in the Age of AI]
تنصّل:
لا تعبّر هذه الترجمات بالضرورة عن تأييدٍ أو رفضٍ للأفكار والآراء الواردة في النصوص الأصلية، بل تهدف إلى إثراء المحتوى العربي عبر نقل معارف ورؤى متنوعة من مصادر مختلفة، مع الحرص على الحفاظ على المعنى والسياق بأقصى درجات الدقة والأمانة. وقد تتضمن هذه المواد أفكارًا أو تصورات قد لا تتوافق مع بعض القناعات الشخصية، غير أن نشرها يأتي في سياق دعم الحوار المعرفي، وبناء جسور للتواصل الثقافي والفكري، وإتاحة مساحة للنقاش الموضوعي في مجالات متعددة كالصحة والتقنية والاقتصاد وغيرها. ونأمل أن تسهم هذه الترجمات في توسيع آفاق القارئ العربي، وتعزيز التفكير النقدي، مع التأكيد على حق كل قارئ في تبنّي ما يراه مناسبًا أو نقده بوعي واحترام.
وقد جرى في إعداد هذه الترجمات الاستعانة بعدة منصات للذكاء الاصطناعي (AI Platforms) للمقارنة والمفاضلة بين الصياغات وأساليب العرض، إلى جانب تدخل شخصي وبتصرف واعٍ في التحرير والمراجعة، شمل دمج بعض النصوص وتعديل الترجمة الحرفية عند الحاجة، بما يراعي السياق الثقافي والفكري، ويضمن دقة المعنى وسلاسة الصياغة العربية دون إخلال بالمحتوى الأصلي.
تعريف مختصر بالكتاب من شركة أمازون (Amazon):
كيف نبني مجتمعاً مزدهراً باستخدام ما نعرفه عن الطبيعة البشرية (Human Nature) لتصميم تقنيتنا، بدلاً من أن ندع التكنلوجيا (Technology) تُشكّل مجتمعنا.
في كتاب “الحكمة المشتركة (Shared Wisdom)”، يتعمّق المؤلف السيد أليكس بنتلاند (Alex Pentland) في تاريخ الابتكار (Innovation)، مُسلّطاً الضوء على أهمية فهم كيفية تأثير التقنيات والاختراعات الثقافية (Cultural Inventions) على المجتمع البشري. فالقفزات الكبرى للإنسانية، من صعود الحضارات (Civilizations) وعصر التنوير (Enlightenment) والثورة العلمية (Scientific Revolution)، كانت جميعها مدفوعة باختراعات ثقافية (Cultural Inventions) عجّلت بوتيرة الابتكار وبنت الحكمة الجماعية (Collective Wisdom) وسيستلزم حل التحديات العالمية (Global Challenges) الراهنة مثل: تغير المناخ (Climate Change) والأوبئة (Pandemics) وتهاوي المؤسسات الاجتماعية (Social Institutions)، اختراعاتٍ جوهرية مماثلة.
يُقدّم كتاب “الحكمة المشتركة (Shared Wisdom)” منظوراً فريداً للمجتمع البشري، ويتيح رؤى ثاقبة حول كيفية توظيف التقنيات الحديثة مثل الوسائط الرقمية (Digital Media) والذكاء الاصطناعي (AI) لدعم قدرتنا البشرية على التداول والتفكير (Deliberation) لا استبدالها. ومستنداً إلى خبرته في العلوم الاجتماعية (Social Science) والتكنولوجيا (Technology) معاً، يردم المؤلف الهوة بين هذين التخصصين، ويقدّم رؤية شاملة للتحديات والفرص التي نواجهها في عصر الذكاء الاصطناعي.
وبالنظر عميقاً في تاريخنا، يُجادل المؤلف السيد بنتلاند (Pentland) بأنه كلما ازداد فهمنا للعوامل الرئيسية التي تُعجّل بالتطور الثقافي (Cultural Evolution)، اتسعت فرصنا في تجاوز مشكلاتنا الراهنة.
بعض آراء النقاد حول الكتاب:
1. تزكية من السيد إريك برينجولفسون (Erik Brynjolfsson)، مدير مختبر ستانفورد للاقتصاد الرقمي، (Director, Stanford Digital Economy Lab) والمؤلف المشارك لكتاب “عصر الآلة الثاني” (The Second Machine Age)، حيث كتب قائلا: “لقد ألف السيد أليكس بنتلاند الكتاب الذي يحتاجه العالم الآن. يسلط كتاب ‘الحكمة المشتركة’ الضوء ببراعة على كيف أن قدرة البشرية على التطور الثقافي — وليس مجرد العبقرية الفردية — هي التي دفعت اختراقاتنا الحضارية. إن الجمع الفريد الذي يمتلكه السيد بنتلاند بين الخبرة التكنولوجية والمنظور التاريخي يقدم توجيهاً جوهرياً لضمان أن يعمل الذكاء الاصطناعي على تضخيم الحكمة البشرية بدلاً من استبدالها”.
2. تزكية من السيد ريد هوفمان (Reid Hoffman)، المؤسس المشارك لـمنصة لينكد إن (LinkedIn Cofounder)؛ والمؤلف المشارك لكتاب الأكثر مبيعاً: “الوكالة الفائقة (Superagency) وقد كتب قائلا: “لطالما كانت القصص المشتركة هي المحرك للقدرة البشرية على الفعل والتأثير. وفي هذا الكتاب الثاقب الذي جاء في وقته تماماً، يوضح المؤلف السيد بنتلاند كيف يمكننا دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) في ذلك الموروث. إنه قراءة ضرورية لكل من يريد للذكاء الاصطناعي أن يعزز البصيرة البشرية، لا أن يتجاوزها.
3. مراجعة من مجلة «فوربس» (Forbes): يكشف عمل السيد بنتلاند (Pentland) عن نوع من التوازن الدقيق، حيث ظفرت الإنسانية بفرص من الذكاء الاصطناعي، لكنها مضطرة أيضاً إلى الاحتراس من الآثار الجانبية غير المقصودة التي قد تتحدّانا بطرق لم نتوقعها قط.

مؤلف الكتاب:
يُعدّ السيد أليكس بنتلاند (Alex Pentland) أحد أبرز الباحثين في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي، وهو زميل في مختبر ستانفورد للذكاء الاصطناعي الإنساني (Stanford HAI)، وأستاذ كرسي توشيبا (Toshiba) في معهد ماساتشوستس للتقنية (Massachusetts Institute of Technology – MIT). وقد صنّفته مجلة نيوزويك (Newsweek) ضمن قائمة “100 شخصية يجب مراقبتها في هذا القرن”، كما وصفته مجلة فوربز (Forbes) بأنه “أحد أقوى سبعة علماء بيانات في العالم”.
ويحمل السيد بنتلاند (Pentland) عضوية الأكاديمية الوطنية الأمريكية للهندسة (U.S. National Academy of Engineering)، كما يعمل مستشارًا لمختبر هيئة أبوظبي للاستثمار (Abu Dhabi Investment Authority Lab)، إضافة إلى عمله مستشارًا لمكتب الأمين العام للأمم المتحدة (UN Secretary-General).
وقد أسهمت أبحاثه وأعماله في تطوير إدارة الخصوصية والأمن في الشبكات الرقمية العالمية، من خلال المشاركة في وضع معايير المصادقة (Authentication Standards)، والمساهمة في تطوير قانون الخصوصية الأوروبي (EU Privacy Law) لحماية الخصوصية الشخصية. كما دعمت أعماله مبادرات صحية استفاد منها مئات الملايين حول العالم عبر مؤسسات وشركات ربحية وغير ربحية.
منصة الوميض** (Blinkist) قامت بتلخيص الكتاب في “ست ومضات” معرفية ومقدمة وخلاصة نهائية، وتعتبر كل ومضة تلخيصا لفصل كامل من الكتاب وهي كالتالي:
المقدمة – تعلم كيف تسخر التكنولوجيا الجديدة من أجل ازدهار البشرية.
نحن نعيش في أزمنة عصيبة. تبدو مؤسساتنا مشلولة في مواجهة تغير المناخ (Climate Change) والأوبئة (Pandemics) والانهيار الاجتماعي (Social Breakdown).
يُضاف إلى ذلك أن التقنيات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي باتت مُهيَّأة لتعطيل المجتمع تعطيلاً أعمق، وليس نحو الأفضل في اعتقاد كثيرين. بيد أن ثمة إمكانات خفية للتغيير الإيجابي في خضم هذا الاضطراب كله. فالتاريخ يُثبت أن الاختراعات الثقافية التحويلية (Transformative Cultural Inventions)، من نشأة المدن الأولى إلى مراجعة الأقران العلمية (Scientific Peer Review)، طالما عجّلت بالتقدم البشري في اللحظات الحرجة. وسواء كنت تقنياً أو صانع سياسات أو مواطناً مهتماً، فإن هذه الومضات المعرفية لهذا الكتاب ستزوّدك بإطار مدعوم علمياً لترميم مؤسساتنا المتصدّعة وابتكار تقنيات تخدم احتياجات البشرية حقاً.
الومضة الأولى – القوة الخارقة الخفية للبشرية
ماذا لو لم يكن أعظم اختراع للبشرية هو العجلة، بل المحادثات التي دارت حول نيران المخيمات؟ اتضح أن القصص التي نتشاركها مع بعضنا البعض تخدم غرضاً أكبر بكثير من مجرد التواصل الاجتماعي العابر. فكر في الأمر: أنت تتخذ معظم قراراتك بناءً على القصص؛ فحين تختار مطعماً، أو تبدأ عادة جديدة، أو تحل مشكلة في العمل، نادراً ما ترجع إلى الأوراق العلمية.
بدلاً من ذلك، أنت تعتمد على ما نجح مع صديقك، أو ما سمعت الناس يقولونه، أو ما يبدو منطقياً ومتعارفاً عليه كحكمة مشتركة في مجتمعك. هكذا تقدمت الحضارة البشرية دائماً؛ فالقصص هي “القوة الخارقة” لجنسنا البشري، فهي تنقل المعرفة المكتسبة بصعوبة عبر الزمان والمكان. عندما جلس أسلافنا حول نيران المخيمات يتبادلون الحكايات حول مواطن الغذاء والمسالك الخطيرة، كانوا يبنون ما يمكن أن نسميه “الذكاء الجماعي” (Community Intelligence). وأصبحت أفضل القصص — تلك التي أثبتت فائدتها مراراً وتكراراً — وتحولت الى حكمة مشتركة توجّه قرارات الجماعة وتُمكّن من العمل المنسّق.
فمجتمعات السكان الأصليين الأستراليين (Australian Aboriginal Communities)، على سبيل المثال، حافظت على معرفة البقاء لأكثر من سبعة آلاف عام من خلال مسارات الأغاني (Songlines)، وهي قصص إيقاعية تُشفّر أماكن المياه والنباتات الصالحة للأكل وطرق التنقل في الأرض. وطوّرت مجتمعات مختلفة قصصاً مختلفة، مما أفرز تنوعاً ثقافياً أتاح لبعض المجموعات على الأقل النجاة من الأوبئة وتحولات المناخ والكوارث. واليوم، لا تزال القصص بالغة الأثر. ففي دراسة بحثت في كيفية اتخاذ 1,700 مستشار مالي محترف لقراراتهم الاستثمارية، برز أمر مثير للدهشة. فالخبراء الذين اعتمدوا كلياً على البيانات والنماذج الرياضية حققوا في البداية أداءً أفضل قليلاً من أقرانهم. لكن حين ضرب خروج بريطانيا (Brexit) من الاتحاد الأوروبي، مُني هؤلاء الخبراء المنعزلون بخسائر فادحة، بينما نجح من ظلوا على تواصل مع مجتمعهم المهني يتبادلون المعرفة بصورة غير رسمية في تجاوز الأزمة بنجاح.
وسواء كنت من الصيادين وجامعي الثمار أو مستشاراً مالياً: فمن أجل المضي قدماً في الحياة، أنت تدمج ما تعلمه مجتمعك مع خبرتك الشخصية لاتخاذ القرارات. وقد وجد الباحثون أن هذا النهج يحقق اتخاذ قرار “بأدنى حد من الندم” (Minimum-Regret Decision-Making) — أي اتخاذ أفضل خيار ممكن بناءً على المعلومات المتاحة. فعلى مر آلاف السنين، نجا البشر من خلال الحكمة الجماعية المبنية على الخبرات المشتركة، وهذه الحقيقة الجوهرية يجب أن تعيد تشكيل طريقة تفكيرنا في الذكاء الاصطناعي.
الومضة الثانية – الحكمة الجماعية عبر التكنولوجيا
القصص هي أساس التقدم البشري؛ ولهذا السبب، شهد التاريخ أعظم قفزات البشرية للأمام بعد ظهور تقنيات حسنت من كيفية مشاركتنا للقصص. لقد غيرت ثلاثة ابتكارات رئيسية مسارنا في هذا الصدد:
1. التجمعات المنتظمة، التي خلقت مساحات للمجتمعات لتبادل الخبرات يومياً. ورغم أن الأمر قد يبدو بديهياً الآن، إلا أن جلوس مجموعات الصيادين وجامعي الثمار حول نيران المخيمات في نهاية اليوم لتبادل المعلومات لم يكن سلوكاً غريزياً، بل ممارسة اجتماعية مكتسبة. ومع ذلك، فقد سرّع هذا السلوك بشكل كبير من سرعة انتشار المعرفة المفيدة داخل المجموعة.
2. تشكل المدن، بدءاً من وقت مبكر يعود إلى عام 11,000 قبل الميلاد، مما سمح للمجتمعات المختلفة بتبادل الأفكار وتلقيحها. إن العيش في تجمعات سكانية كبيرة متقاربة — رغم تكاليف الأمراض وضغط الموارد — مكن القصص من التدفق بين المجموعات الثقافية المختلفة. وقد ثبت أن هذا التبادل بين المجتمعات قيم للغاية لدرجة أن عدد السكان نما بشكل أسرع من أي وقت مضى.
3. الجمعيات العلمية، التي جعلت مشاركة القصص رسمية من خلال التوثيق والاقتباس، مما خلق حوافز قوية للبناء على أعمال الآخرين.
لقد أدت هذه الابتكارات الثلاثة — التجمعات، والمدن، والمجتمعات العلمية — إلى زيادة وتيرة التطور الثقافي من خلال جعل “الحكمة المشتركة” أكثر سهولة في الوصول إليها وأكثر ديمومة.
بدءاً من حوالي عام 1500، بدأ العلماء في تبادل الرسائل لتداول الملاحظات والنظريات. وخلّدت منظمات كالجمعية الملكية البريطانية (British Royal Society) هذه التبادلات وأرست تقليد الإشارة إلى مساهمات الآخرين (الاستشهادات). وكانت النتيجة نشوء شبكات قصص واسعة النطاق على مستوى المجتمع، تتطور باستمرار مع إضافة أشخاص ذوي اهتمامات مشتركة تجاربهم الخاصة إليها. وأغلب تقنيات الذكاء الاصطناعي الأقدم والأكثر نجاحاً، كتطبيقات الملاحة وأنظمة حجز الرحلات والبحث على الإنترنت، تقوم هي الأخرى على تطوير قدراتنا في تبادل القصص ومشاركتها. فهي بدلاً من أن تحل محل الحكم البشري، تربط الإنسان بمعرفة الإنسان الآخر.
إن النماذج التوليدية لتقنيات الذكاء الاصطناعي مثل تشات جي بي تي (ChatGPT) هي تقنيات لسرد القصص؛ فهي تجمع الروايات والأنماط البشرية وتصنفها. وصحيح أنها لو صُمِّمت بصورة رديئة، فقد تحل محل عمليات التعلم الاجتماعي التي تبني الثقة والتفاهم المشترك والعمل الجماعي. ولكن إذا صُممت لخدمة غرض أسمى، فيمكنها تحسين تدفق المعلومات بشكل كبير لصالح الجميع. فعلى سبيل المثال، يمكنها ربطنا بما تفعله مجتمعاتنا المحلية، ومساعدتنا في العثور على أشخاص في مواقف مشابهة، ودعم اتخاذ القرار الجماعي دون التلاعب بخياراتنا. في الجوهر، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز بشكل جذري شبكات مشاركة القصص التي أبقت البشرية على قيد الحياة عبر تهديدات وجودية لا حصر لها.

الومضة الثالثة – الديمقراطية التمثيلية الحقيقية
فكّر في كيفية إدارة بلدك. إن كنت تعيش في ديمقراطية غربية (Western Democracy)، فأنت على الأرجح تنتخب ممثلين يتخذون القرارات نيابةً عنك، أليس كذلك؟ وعلى الرغم مما يبدو على السطح من تقدمية هذه الأنظمة، ثمة حقيقة مزعجة بشأنها: إنها لا تزال تعمل بصورة لافتة كأنظمة روما القديمة التي كانت تديرها النخبة؛ لقد أصبحنا فقط أكثر مهارة في إخفاء ذلك.
حين انفتحت اليابان (Japan) على الغرب في أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر، أُصيب الحكام اليابانيون بالذهول من اعتبار الأوروبيين نظامهم الإقطاعي (Feudal System) بربرياً. وأدركوا أيضاً أن الديمقراطيتين البريطانية والأمريكية تُديرهما في جوهرهما عائلات ثرية هي الأخرى. فابتكروا حلاً أنيقاً يقوم على تغيير مصطلحات الحوكمة (Governance) ببساطة، محوّلين “الإقطاعيات” إلى “شركات و”الأقنان” (Serfs) إلى “موظفين مدى الحياة”. وفجأةً، أصبح بمقدور اليابان (Japan) تقديم نفسها ديمقراطية حديثة تنسجم تماماً مع العالم الغربي، دون أن تُغيّر فعلياً من يمسك بزمام الأمور. وهذا التركّز غير العادل للسلطة في أيدي النخبة لا يزال سمة نموذجية للأنظمة التمثيلية الحديثة. وهو أمر شديد الضرر بالذكاء المجتمعي (Community Intelligence) الحقيقي.
حين تتدفق القرارات عبر مجموعة صغيرة من النخب، فإننا نفقد وجهات النظر المتنوعة التي تقود إلى خيارات حكيمة. ويقدّر البنك الدولي (World Bank) أن تركّز السلطة يُكلّف الاقتصاد العالمي ما بين 5 و20 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي (GDP) سنوياً، ولا سيما من خلال اللوائح التي تُفضّل صانعي القرار على سائر الناس. غير أن ثمة نموذجاً مختلفاً يعمل بهدوء على تحويل العالم منذ القرن السابع عشر، وهو: شبكات الإجماع (توافق) (Consensus networks).
لقد كانت المجتمعات العلمية الأولى في جوهرها شبكات إجماع (توافق)؛ فعندما بدأ العلماء في الاستشهاد بأعمال بعضهم البعض، لم يعد النجاح يعتمد على موافقة السلطات المركزية على أفكارك بل بات يأتي من أقرانك في مجالك الذين يجدون مساهماتك جديرة بالإشارة إليها.
هذا النمط نفسه لا يزال يدفع عجلة التقدم في العلوم، وبراءات الاختراع التكنولوجية، والسوابق القانونية. على سبيل المثال:
1. في الطب: أدت الشبكات غير الرسمية من الأطباء الذين يتشاركون ممارسات رعاية الرضع إلى خفض معدلات الوفيات بمقدار عشرة أضعاف.
2. في التكنولوجيا: قامت مجتمعات البرمجيات مفتوحة المصدر (Open-Source Software) ببناء معظم بنيتنا التحتية الرقمية من خلال التعاون التطوعي.
تنظم هذه الشبكات نفسها حول المصالح المشتركة بدلاً من الجغرافيا أو التسلسل الهرمي؛ حيث يكتسب المساهمون التقدير من خلال إنتاج عمل يولد توافقاً مجتمعياً، وليس عن طريق تسلق سلم بيروقراطي أو استخدام ثرواتهم لشراء النفوذ.
الومضة الرابعة – تقديم المخاطر على المكاسب
ثمة مجال واسع لتخيل كيف يمكن للتقنيات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي الحديث أن تحل مشكلات المجتمع. ولكن إذا كنا نريد حقاً تحقيق ذلك، فمن المهم بنفس القدر النظر في كيفية تسبب تقنيات الماضي في تفاقم مشكلاتنا. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، شهدنا ثلاث طفرات كبرى في الذكاء الاصطناعي، اتبع كل منها نمطاً مثيراً للقلق؛ حيث كانت التكنولوجيا تعمل ببراعة في مهام محددة — مثل:
1. تحسين مسارات التوصيل، أو
2. أتمتة قرارات القروض، أو
3. تخصيص نتائج البحث.
ومع ذلك، وتحت غطاء هذه النجاحات، بدأت تلك التقنيات في تآكل النسيج الاجتماعي ببطء. استخدمت أنظمة الذكاء الاصطناعي الأولى في الستينات تقريباً المنطق والرياضيات لحل مشكلات محددة بوضوح، مثل حساب مسارات التوصيل المثلى. وحققت الشركات ثروات طائلة، وألهم هذا النجاح طموحات أكبر؛ إذ تبنى الاتحاد السوفيتي (Soviet Union) نظاماً حائزاً على جائزة نوبل (Nobel Prize) لإدارة اقتصاده بأكمله من خلال التوزيع الأمثل للموارد. لكن التجربة انتهت بكارثة، وأسهمت في الانهيار النهائي للدولة. فالنماذج ببساطة لم تستطع استيعاب آلية عمل المجتمعات البشرية وتطورها.
في ثمانينيات القرن الماضي، وعدت أنظمة مصرفية أمريكية جديدة بجعل الإقراض أكثر عدالة وأقل تكلفة، عبر استبدال موظفي القروض البشريين بقرارات آلية متسقة حققت التكنولوجيا الكفاءة المطلوبة، لكنها دمرت أيضاً أكثر من نصف المؤسسات المالية المجتمعية في جميع أنحاء البلاد خلال بضعة عقود. تلاشت اتحادات الائتمان (Credit Union) المحلية، واختفى المصرفيون المحليون الذين كانوا يفهمون ظروف عائلتك. ولم يتبقَّ سوى أجهزة الصراف الآلي (ATM) ومراكز الاتصال التي يديرها أشخاص يتبعون نصوصاً جامدة، غير قادرين على مراعاة الواقع المعقد لحياة الأفراد.
ثم في العقد الأول من الألفية الثالثة، أفرز انفجار الإنترنت كميات هائلة من بيانات المستخدمين. فتعلّمت الشركات التنبؤ بالسلوك من خلال مقارنة الأشخاص بآخرين ذوي أنماط مماثلة. وبنى هذا الأسلوب المعروف بالتصفية التعاونية (Collaborative Filtering) إمبراطوريات مثل شركة جوجل (Google) وشركة فيسبوك (Facebook). لكنه فعل ذلك عبر خلق غرف صدى (Echo Chambers) لا يرى فيها الناس إلا محتوى مشابهاً لما جذب انتباه آخرين مثلهم من قبل.
والأسوأ من ذلك أن الخوارزميات (Algorithms) ضخّمت الأصوات الأكثر مهارة في جذب الانتباه، وهي الشخصيات المهيمنة التي تراكم جماهير واسعة من خلال ديناميكيات الثراء المتصاعد “الغني يزداد غنى”. ويختلف الذكاء الاصطناعي اليوم اختلافاً جوهرياً عن موجاته السابقة، إذ لا يقتصر على تحسين العمليات أو التنبؤ، بل يولّد قصصاً وصوراً تُشكّل مباشرة ما يعتقده الناس. وإن مسألة ما إذا كان سيعزز المجتمعات البشرية أو يضعفها تعتمد كلياً على كيفية اختيارنا لتصميمه ونشره.

الومضة الخامسة – هل يستطيع الاصطناعي إنقاذ الديمقراطية؟
ينطوي الذكاء الاصطناعي على مخاطر بقدر ما يعد به من مكافآت. وكما رأينا، لم تُبنَ ديمقراطياتنا وبيروقراطياتنا لتتناسب مع العصر الرقمي؛ فهي لا تزال عالقة في استخدام نماذج تنظيمية قديمة لحل مشكلات القرن الحادي والعشرين — والنتائج واضحة للعيان. لقد انهارت الثقة في الحكومات من 80% في عام 1960 إلى أقل من 20% اليوم.
تشعر المجتمعات بالعجز، وهي تُدار من قِبل متخصصين بعيدين لا يفهمون الاحتياجات المحلية. لكن حتى أكثر المؤسسات جموداً يمكنها التحوّل حين تتبنى صنع القرار الموزع (Distributed Decision-Making). خذ على سبيل المثال الجيش الأمريكي (US Army) في العراق عام 2003. ففي مواجهة قوات متمردة خفيفة الحركة، عجز هيكل القيادة والسيطرة التقليدي (Command-and-Control) عن مواكبة الوضع. حينها اتخذ الجنرال السيد ستانلي ماكريستال (Stanley McChrystal) خطوة جذرية: أنشأ “فرقاً من الفرق” (teams of teams)، مُمكِّناً الوحدات الميدانية من اتخاذ قراراتها الخاصة بناءً على التوجه العام للقائد، وليس بناءً على أوامر جامدة. وباستخدام الشبكات الرقمية لمشاركة المعلومات فورياً، أصبح الجيش مرناً بحق.
يمكن تطبيق المبدأ نفسه لتمكين مؤسساتنا الديمقراطية وجني ثمار التقنيات الجديدة حقاً؛ والمفتاح هنا هو إعادة السلطة إلى المجتمعات — أي الأشخاص المتأثرين فعلياً بالقرارات. تستخدم تايوان (Taiwan) بالفعل منصة رقمية تسمى (بوليز) “Polis” لإدارة النقاشات حول السياسات؛ حيث ينشر المواطنون أفكارهم ويصوتون على تعليقات الآخرين، لكنهم لا يستطيعون الرد مباشرة، مما يمنع تحول النقاشات إلى مشاحنات لا تنتهي. يقوم النظام بتصور ورسم الأماكن التي يتوفر فيها إجماع (توافق) وأين تظل الانقسامات قائمة. وما يجعل هذا النظام ناجحاً هو تقاليد الجوار القوية الموجودة أصلاً في تايوان، والتي تخلق حوافز حقيقية للبحث عن أرضية مشتركة.
يتماشى هذا النهج مع الأبحاث التي أجرتها السيدة “إلينور أوستروم” (Elinor Ostrom)، الحائزة على جائزة نوبل، حول كيفية إدارة الموارد المشتركة. وتتضح نتائجها عند مطالب الحوكمة الناجحة بثلاثة أشياء:
1. يجب أن تحكم المجتمعات نفسها بحدود واضحة لما تسيطر عليه.
2. تحتاج إلى بيانات شفافة لمراقبة النتائج ومحاسبة القادة.
3. يجب أن يكون هناك توافق حقيقي بين ما يقدمه الناس وما يحصلون عليه.
بيد إن أنظمة الحوكمة التمثيلية المركزية اليوم تنتهك هذه المبادئ الثلاثة جميعاً.
ولكن الأدوات الرقمية تجعل من اللامركزية (Decentralization) أمراً ممكناً، بل وأقل تكلفة من الإدارة المركزية. ويثبت مشروع ما يسمى بـ “المواطن المكدس سيتيزن ستاك” (Citizen Stack) — وهو مجمع بيانات عام (data commons) طورته منظمة هندية غير ربحية — نجاح هذا التوجه على نطاق واسع. فهو يتيح لأكثر من مليار شخص التحكم في بياناتهم الخاصة من خلال صناديق مجتمعية (Community Trusts)، تشبه في عملها الاتحادات الائتمانية في إدارة الأموال. يقوم المستخدمون بتفويض استخدامات محددة لبياناتهم مع احتفاظهم بملكيتها، مما مكنهم من منافسة شركات التكنولوجيا الكبرى بنجاح. إن الطريق نحو المستقبل لا يكمن في المزيد من المركزية، بل في إعادة السلطة إلى المجتمعات مع استخدام الذكاء الاصطناعي والشبكات الرقمية لمساعدتها على التنسيق، والتعلم من بعضها البعض، ومحاسبة أنفسها.
الومضة السادسة – قواعد ولوائح ليست بجديدة تماماً
حين اجتمع قادة العالم في نادي مدريد (Club de Madrid) قبل عامين، برز انقسام لافت. فقد دفع كبار المنظّمين في الاتحاد الأوروبي (EU) نحو سيطرة صارمة من القمة إلى القاعدة على الذكاء الاصطناعي، من خلال قوانين وبيروقراطيات مُصمَّمة لكل نوع من أنواع التقنية. لكن الرؤساء ورؤساء الوزراء السابقين رأوا الأمور بمنظور مختلف. فقد دعوا إلى شيء أبسط: مسارات التدقيق (Audit Trails) وقواعد المسؤولية (Liability Rules). ويعني ذلك: دعوا الشركات تبتكر، لكن حاسبوها حين تسوء الأمور.
يجسد هذا الخلاف التحدي الأساسي في تنظيم تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ فنحن نميل إلى التنبؤ بكل ضرر محتمل والحيلولة دونه قبل وقوعه، لكن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة كبيرة ويأتي في أشكال متعددة تجعل هذا النهج غير فعال. إن غريزة السيطرة يمكن أن تطغى على الحكمة العملية. هناك مسار أفضل للمضي قدماً، وهو موجود بالفعل في أماكن غير متوقعة.
فكّر في كيفية عمل الإنترنت عالمياً، وكيف تمنع معايير مالية دولية الاحتيال، وكيف تنسّق منظمة الصحة العالمية (World Health Organization) الاستجابة للأوبئة. هذه المنظمات التوافقية تفتقر إلى صلاحيات التنفيذ، ومع ذلك تعمل بفاعلية لافتة للنظر. تتعاون الدول لأن ذلك يخدم مصالحها الخاصة. ويمكن لهذه الأطر ذاتها توجيه حوكمة الذكاء الاصطناعي. نحن بحاجة إلى ثلاثة عناصر رئيسية:
1. بيانات شفافة تُظهر ما تفعله أنظمة الذكاء الاصطناعي فعلاً، و
2. تدقيق مستمر للكشف عن المشكلات مبكراً، و
3. قواعد متوافقة عبر الحدود كيلا تنتقل الشركات ببساطة إلى الدول الأقل تنظيماً.
إن نهج المسؤولية القانونية ليس جديداً. فهذه هي الطريقة التي نظموا بها المنتجات المادية منذ ستينيات القرن الماضي؛ فإذا تسببت محمصة الخبز الخاصة بك في حريق، فإن الشركة المصنعة تتحمل المسؤولية. فلماذا يختلف الأمر مع الذكاء الاصطناعي؟ وعليه يجب إلزام الشركات بـ:
1. الاحتفاظ بسجلات مفصلة لقرارات الذكاء الاصطناعي، و
2. إنشاء جهات تنظيمية ورقابية يمكنها تدقيق تلك السجلات، و
3. ترك القانون المدني (Civil Law) يحدد المسؤولية عند حدوث ضرر.
إن تاريخ الإنترنت يقدم لنا في واقع الأمر قصة تحذيرية مفيدة هنا؛ فبسبب نشأة الإنترنت وتجذره في الشبكات العسكرية والأكاديمية حيث كان الجميع موضع ثقة، لم يتم بناء أنظمة الأمان وضمنها في صلب الشبكة منذ البداية.
ونتيجة لذلك، نحن نكافح الآن لإضافة الحماية بأثر رجعي إلى نظام عالمي. أما مع الذكاء الاصطناعي، فلدينا فرصة لتصحيح الأمر منذ البداية — ليس من خلال التنبؤ والسيطرة، بل من خلال المساءلة والتكيف. ونتيجة لذلك أيضا، يمكننا بناء نظام يخدم بالفعل الغرض الأسمى المتمثل للتواصل البشري ومشاركة القصص بدلاً من تدميره.
الخلاصة الختامية
الخلاصة الرئيسية لهذه الومضات المعرفية من كتاب “الحكمة المشتركة” (Shared Wisdom) للمؤلف السيد أليكس بنتلاند (Alex Pentland) هي ضرورة تصميم التقنيات الجديدة من قِبل المجتمعات ولصالح المجتمعات.
لقد اعتمد التقدم البشري دائماً على مشاركة القصص والحكمة الجماعية — بدءاً من المحادثات حول نيران المخيمات وصولاً إلى الشبكات العلمية. ويهدد الذكاء الاصطناعي الحديث بتعطيل هذا التعلم الاجتماعي من خلال عزل الأفراد، تماماً كما أسهمت طفرات تكنولوجية سابقة إلى تآكل المؤسسات المجتمعية.
غير أنه لو صُمِّم بتأمل ووعي، يمكن للذكاء الاصطناعي تعزيز قدرتنا على تبادل المعرفة ومشاركتها وتنسيق الجهود. ويكمن الحل في إعادة السلطة إلى المجتمعات المحلية بشكل لا مركزي، مع توظيف الأدوات الرقمية لتقوية الروابط الإنسانية لا استبدالها. وبدلاً من التنظيم الصارم من القمة إلى القاعدة، نحتاج إلى مسارات تدقيق شفافة وتدابير مساءلة تُحمّل الشركات المسؤولية عن الأضرار. ومن خلال إدراك أن الذكاء الجماعي هو المحرك الذي يقود ازدهار البشرية، يمكننا هندسة ثورة تقنية تخدم احتياجات البشرية حقاً.
*تمت الترجمة بتصرف.
**المصدر: منصة الوميض (Blinkist) وهي منصة تقوم بتلخيص الكتب ، ومكتبتها تحتوي على آلاف الكتب ويشترك في هذه المنصة الملايين من القراء.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية