تمهيد
يعيش الإنسان بين دفتي وطنه؛ أحداث يقرأها، ومشاهد يبصرها، وعِبَر يتأملها، وحبّ يزرعه في قلبه، وتفاعلًا يوميًا مع أرضه وبيئته، حتى يغدو المكان جزءًا من كيانه وذاكرته. فالوطن ليس موقعًا على الخريطة فحسب، بل حكايات تتراكم، وملامح تتشكّل، وحنينٌ لا يخبو مهما تغيّرت الأزمنة وتبدّلت المعالم.
وإن طوى النسيان بعض صفحات الذاكرة، بقيت أخرى مراودةً للأحلام، تستدعي العودة إليها وتأملها من جديد، لا بوصفها ماضيًا منقضيًا، بل إرثًا حيًّا يربط الحاضر بجذوره، ويمنح الإنسان شعور الانتماء في عالم لا يقبل إلا التغيّر. ومن هنا يغدو التراث، بما يحمله من جغرافيا وذاكرة إنسانية، ضرورة لحفظ الماضي وفهم الحاضر واستشراف المستقبل؛ إذ كما قال الأوّلون:
«اللي ماله أول، ما له تالي»
شكّلت تلك المرحلة نقطة التقاء بين البساطة الريفية وبدايات الحداثة، وبين الحياة البحرية التقليدية وملامح التحوّل نحو الوظيفة الحديثة والتعليم المنتظم والمدن المخططة. ولهذا يكتسب توثيقها قيمة اجتماعية وتاريخية، لأنها تعبّر عن مجتمع يعيش مرحلة انتقالية بين عالمين: عالم البحر والبساتين، وعالم العمران الحديث والاتصال البري الدائم بين الجزيرة والعالم من حولها.
ولعلّ من أوضح الشواهد على خطورة إهمال التدوين التاريخي والجغرافي ما أشار إليه الأديب محمد سعيد المسلم، حين تناول مكانة القطيف في الذاكرة العربية، فقال في كتابه القيّم «ساحل الذهب الأسود»:
«لا أعرف بلدًا عربيًّا أُهمل ذكره حتى كاد أن يُنسى، مثلما مُنيت به القطيف؛ ذلك البلد العربي العريق في القِدم، الذي وعى له التاريخ ذكرياتٍ حيّة تزخر بالأمجاد، واحتفظ له بين طيّات صفحاته بسطورٍ ذهبية كُتبت بمدادٍ من نور.
وأنا لا أُباهي بما في هذا البلد من حضارةٍ أو مدنيّةٍ في حاضره الراهن، فهو منها صفرٌ على اليسار؛ فقد شاءت له ظروفه أن يظلّ منعزلًا، يعاني واقعه، أو يقف على مدرجة القرن العشرين محتفظًا بجلال القِدم وروعة الماضي وسواهما من رصيد، ويتقلّص اسمه شيئًا فشيئًا حتى لا يشمل إلّا تلك الممتدّة على الساحل من خليج كيبوس.
ولقد حزَّ في نفسي أن أجد كثيرًا من الناس يجهلون القطيف، ولعلّ من مبرّرات ذلك الجهل أنّ هذا البلد لم يُكتب له تاريخ، ولم يتناوله كاتبٌ على حدة وبصورة مستقلة؛ فكان اسمه يمرّ في كتب التاريخ عرضًا في مجرى الأحداث. وإذا كنّا نبرّر بعض الشيء جهل الأوساط الثقافية، فإنّنا ننحني باللائمة أكثر على علمائه وأدبائه الذين تقاعسوا عن واجبهم، فلم يكتبوا شيئًا وفاءً لتربة هذا الوطن» (إنتهى كلام المسلم).

مقدمة
يأتي هذا التوثيق بعنوان «نزهة في تراث القطيف الجغرافي» بوصفه قراءة، تاريخية معرفية، تفاعلية وغنية للبيئة الطبيعية والجغرافية لديموغرافية واحة القطيف، تُقدَّم بأسلوب مريح وسلس، بعيد عن الجفاف الأكاديمي، ليأخذ القارئ في رحلة معرفية ممتعة عبر المكان والزمان.
تمتد هذه الرحلة زمنياً من نهايات ستينات القرن العشرين إلى بدايات ثمانينياته، ومكانياً على شريطٍ جغرافي يبلغ طوله نحو 35 كيلومتراً، من صفوى شمالاً إلى سيهات جنوباً، شاملاً واحة القطيف وتوابعها. وتُعد هذه المنطقة من أقدم المناطق المأهولة في شبه الجزيرة العربية، حيث تلتقي الواحة الخضراء في قلبها بالساحل البحري للخليج العربي، وتحيط بها السهول والهضاب الرملية. فالقطيف ليست مجرد رقعة جغرافية على ساحل الخليج، بل ذاكرة مكانٍ تشكّلت عبر تفاعل الإنسان مع الأرض والماء والتاريخ.
تقع محافظة القطيف في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، على الضفة الغربية للخليج العربي، وتبلغ مساحتها نحو 481 كيلومتراً مربعاً. وتمتد المحافظة بمحاذاة الساحل من الشرق والجنوب، وصولاً إلى السهول الرملية لصحراء البياض التي تشكّل إطارها الطبيعي. وتقع مدينة القطيف، مركز المحافظة، عند تقاطع خط عرض 26°56′ شمالاً وخط طول 50°01′ شرقاً.
ويعود تاريخ القطيف إلى أكثر من خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، ما منحها عمقاً حضارياً وإنسانياً واضح المعالم. وقد عُرفت بخصوبة أرضها الزراعية، وبساتين نخيلها، وتنوع محاصيلها، إلى جانب غناها بالثروة السمكية، حيث تضم أحد أكبر أسواق السمك في منطقة الشرق الأوسط.
وتتوزع هذه النزهة التوثيقية في أربعة أجزاء رئيسة تشمل:
• المنطقة الشمالية حتى الصبيغاوي
• جزيرة تاروت شرقاً
• المنطقة الجنوبية حتى سيهات
• مركز محافظة القطيف

ولا يقتصر هذا التوثيق على مشاهد الجغرافيا الطبيعية فحسب، بل يتجاوزها ليشمل التراث الإنساني المرتبط بالمكان، مثل الحِرف التقليدية كصناعة الفخار والسفن، والعمارة المحلية، ومنابع المياه، وطرق المواصلات، والذاكرة الاجتماعية، والعلاقة الحميمة التي نشأت عبر الزمن بين الإنسان وبيئته.
ولأن كل هذا حدث في مرحلة دقيقة من تاريخ المنطقة، فإن تسجيل هذه المشاهدات يحمل قيمة توثيقية واجتماعية، تعكس حياة مجتمع يعيش بين البحر والبساتين، وبين البساطة وبدايات الحداثة.
وباختصار، فإن هذا المحتوى محاولة لتقديم رحلة معرفية سهلة وعميقة في جغرافيا القطيف، بوصفها مكاناً يجمع بين الخصوصية الطبيعية والثراء الحضاري والإنساني.
ظاهرة النزهات
يُلاحظ أن التنزّه مشيًا أو بالمركبات في ربوع الواحة، بين ظلال البساتين وأشجار النخيل والعيون، أو عبر القوارب في مياه الخليج الدافئة، للاستمتاع بطبيعة الجزر القريبة مثل أبو زعل وأبو علي، وصيد الأسماك، إلى جانب حب السفر إلى الدول المجاورة كالبحرين والعراق وإيران والهند ولبنان، للترفيه واكتساب المعرفة والتجارة، كان ولا يزال سمة بارزة من سمات الثقافة القطيفية. وقد وفّرت الطبيعة المحلية الجميلة والموقع الجغرافي المميّز للقطيف عوامل تشجيع واضحة على هذه النزهات، داخل المنطقة وخارجها.

ومع توفّر وسائل النقل الحديثة، مثل الدراجات الهوائية والنارية، والحافلات، والسيارات الخاصة، التي ازداد استخدامها منذ منتصف السبعينات، انتشرت ظاهرة النزهات والجولات بالسيارات، وازدادت وتيرتها في مواسم معيّنة، خاصة في فصلي الربيع والشتاء، وفي العطلات الأسبوعية والرسمية. ويُضاف إلى ذلك الطيران، الذي أصبح إجمالًا في متناول شريحة أوسع من الناس.
في السبعينات، كنا نخرج بسيارات الأصدقاء في رحلات منتظمة نزور فيها قرى وبلدات القطيف، من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، كأننا نتتبّع خريطةً مرسومةً بعناية لواحةٍ بهيّة، عامرة بالقيم والأخلاق، وبيئةٍ هادئةٍ وارفة الظلال، خضراء يانعة، تتمايل سعيفاتها السامقة بنصلها الطويل وسويقها الثابت في علوّه الشامخ، فتُوحي للناظر بضرورة الثبات أمام العواصف، والاعتماد على الذات ليستمر الإنتاج وتستقيم الحياة.
وسويق السعفة، أو ما يُعرف بالكَرَب، هو قاعدة السعفة الغليظة المتصلة بجذع النخلة.
فالنخلُ أكرمُ ما في الأرضِ من شجرٍ …. يسمو، وينتجُ ما يحلو من الرُّطَبِ.
نخل وبحر
القطيف نخلٌ وبحرٌ، تغترف من خيراتهما ما يستقيم به وجودها، ولكلٍّ منهما فضلٌ ودَينٌ على قاطنيها. غير أن فضل النخلة متقدّم على فضل البحر؛ فهي سيّدة البرّ والبحر معًا. فلا يمكن لمن أراد خوض غمار البحر للصيد أو الغوص على اللؤلؤ إلا أن يدين لعطاء النخلة وينحني لجميلها.
سرح سليم قليلًا ثم قال:
— هل تذكرون درس النخلة في الصف الرابع الابتدائي؟
قلنا: نعم، لكننا نسينا تفاصيله. تنهّد سليم وقال:
يا نخلة الواحة، كيف ننساكِ يا عمّتنا، ولكِ في رقابنا دين، وعلينا أن نحافظ على بقائك.
أيتها الأنثى المباركة المفعمة بالحنان، يا أمًّا معطاءة، تفيض يداكِ بالخير؛ تُظلّلين، وتُطعمين، وتُزيّنين المكان بهيبة ووقار.
أيتها الصابرة الكريمة، والصديقة الوفية، فيكِ من الأنثى عطفُها، ومن الجبل شموخُه، ومن السماء زهوُها.
قامتكِ المديدة تصعد بكِ بعيدًا عن الضغائن، لتتوشّحي هبة السماء، وتُثمري عطاءً لا يناله إلا من رفع رأسه إليكِ، ليدرك سرّكِ.
تقفين في قيظ الصحراء مبتسمةً، يُدير حفيف سعفاتكِ الهواءَ، فيبعثه إلى الأرض باردًا، يُسعد قلوب من استظلّ بظلكِ. ظلّكِ بيتُ أمان، وثمركِ عزوة، وذكركِ وفاء.
أنتِ رمز الجمال الذي استمدّ روحه من بساطته وابتعاده عن التزاحم. تعلّمين الإنسان أن الجمال الحقّ ليس زينة عابرة، وأن السموّ ليس في طول القامة وحده، وأن الوفاء ليس في ثمرٍ يُحتكر، بل في عطاءٍ لا ينقطع، ووجودٍ لا يشحّ، وظلٍّ لا يزول، وروحٍ تبقى في القلوب ما دام في جوهرها كرمٌ وصبرٌ ونور.

المواصلات
مع بداية السبعينات، بدأ اقتناء السيارات الخاصة ينتشر شيئًا فشيئًا. فبعد أن كانت نادرة لا يملكها سوى قلة من النخبة والميسورين، أصبحت تدريجيًا في متناول عدد متزايد من الموظفين، ولا سيما الشباب، وإن بقيت محدودة نسبيًا حتى مطلع الثمانينات.
وقبل ذلك، كانت وسائل المواصلات العامة متوفّرة ومنظّمة بصورة جيدة؛ بدءًا من الأوتوبيسات الكبيرة (الباصات)، مرورًا بـ«التسهيلات» (الميكروباصات)، وصولًا إلى سيارات الأجرة (التاكسيات) من فئة السيدان. وكانت هذه الأخيرة من الطرازات الفخمة نسبيًا، مثل مرسيدس-بنز الألمانية، والفورد والشيفروليه الأمريكيتين، والبيجو الفرنسية. وكان سائقوها محترفين، يحملون رخص قيادة عمومية، ويؤدون عملهم باحترافية، معتمدين على زبائن دائمين يستخدمون هذه الوسائل في تنقلاتهم اليومية.
ومنذ دخول السيارات إلى المملكة في الثلاثينات وحتى منتصف السبعينات من القرن المنصرم، شكّلت هذه المنظومة نقلة نوعية في وسائل النقل، إذ وفّرت انتقالًا موثوقًا يعتمد عليه، بعد أن كانت الوسائل مقتصرة على الجمال والحمير وغيرها من الدواب. كما أسهمت في دعم الاقتصاد المحلي بتوفير مصدر دخل جيد للشباب العاملين فيها.
ومع مرور الوقت، بدأت السيارات اليابانية بالظهور تدريجيًا، لتنافس نظيراتها الأمريكية والأوروبية، قبل أن تكتسب ثقة المستخدمين وتتفوق عليها. وفي تلك الفترة، جرى تسويق سيارات روسية من نوع «سكودا»، لكنها لم تلقَ نجاحًا يُذكر، فيما كانت السيارات الكورية والصينية لا تزال بعيدة عن المشهد. كما وُجدت سيارات أوروبية أخرى مثل رينو، فيات، فولفو، وأستون مارتن، لكنها لم تحظَ بانتشار واسع. أما فولكسفاغن، فقد استُخدمت على نطاق محدود، وكان أشهر طرازاتها «الجعونية» أو «الخنفساء».
ومع دخول السيارات الصغيرة عالم الشباب، تغيّر المشهد. فلم يعد امتلاك السيارة مقتصرًا على قضاء الحاجات الضرورية، بل أصبحت وسيلة للراحة والنزهة والترفيه، وغالبًا ما كان الشباب يشترونها بالتقسيط، فيدفعون جزءًا كبيرًا من رواتبهم من أجلها.
قريبا: نزهة في تراث القطيف الجغرافي (ج2)

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية