ما وراء التحفيز: قراءة في فلسفة النجاح – بقلم ماجد علي المزين

في كثير من الكتب والمقالات يُقال لك: “افعل كذا وستصل إلى هذه النتيجة”، لكن هذا ليس صحيحاً دائماً؛ وإلا لقام الجميع بتطبيق تلك الوصفات ببساطة ووصلوا إلى مرادهم، ولأصبح الفوز في كل شيء أمراً يسيراً.

ما لا يذكره “المحفزون” كثيراً هو دور “التوفيق” في النجاح؛ فقد يبذل المرء قصارى جهده دون أن يصل إلى مبتغاه بسبب غياب التوفيق، فهو الجوهر الكامن خلف الكثير من الأسباب والنتائج. فليس صحيحاً أن النجاح يحالفك آلياً بمجرد زيادة الجهد. وبالطبع، هذا لا يقلل من قيمة الموهبة والمهارة والجهود المضنية، لكن إغفال عنصر التوفيق يسبب لنا إحباطات متتالية دون أن ندرك السبب الحقيقي.

الناجحون تُروى عنهم الكثير من القصص، لكن للأسف قلما يُذكر كيف تدخل “التوفيق” في نجاحهم، وهو الذي يكون بتقدير الله سبحانه وتعالى؛ فهو الذي يعلم مصلحة العبد، فقد يكون النجاح في أمر ما ليس في صالحه. تماماً كمن تفوته الطائرة فيسخط ويندب حظه، ثم يكتشف لاحقاً أنها سقطت فيكون فواتها هو النجاة من الكارثة.

عندما تبذل قصارى جهدك ولا ترى النتيجة التي خططت لها، فلا تسخط على واقعك أو تقع في دوامة الإحباط؛ فقد يكون “المنع عين العطاء” وأنت لا تدري، ولا تثريب عليك حينها، فيكفيك شرف المحاولة، وتأكد أن الله سيرسم لك ما هو أفضل لحياتك.

من جهة أخرى، يُقال للبعض عند الفشل: “استمر دون هوادة حتى تحقق ما ترجوه”، لكن ماذا تكون النتيجة أحياناً إلا مزيداً من استنزاف الجهد؟ على المرء أن يجرب طرقاً أخرى، ومناورات بديلة حتى يصل إلى مبتغاه، فإذا لم يصل، فليس هذا خطؤه، وليس عليه أن يستمر حتى الرمق الأخير في طريق مسدود.

هذا يجرنا إلى مفهومين أساسيين: التحفيز والشغف.
في التحفيز يُقال لك: “غيّر أفكارك وستغير العالم”. نعم، هذا صحيح نسبياً، لكن هناك عوامل في غاية الأهمية وعلى رأسها التوفيق، والظروف، والزمان، والمكان. لا يمكننا بسذاجة أن نتخيل امتلاك سيارة فارهة بمجرد التفكير فيها دون جهد واقعي؛ لذا لا بد أن نحافظ على إحساسنا بالواقع، وأن نعمل والواقع نصب أعيننا، وإلا كان الفشل حليفنا.

وحتى نستطيع التغيير، علينا القيام بخطوات محسوبة وتحليل الأمور كما هي. يجب أن نعترف بأن هناك “مستحيلات”؛ فقد أفرط من قال: “ليس هناك مستحيل أمام الإرادة”؛ فهناك أمور قابلة للتغيير، وأمور أخرى خارجة تماماً عن سيطرتنا، لارتباطها بسنن كونية أو ظروف قاهرة.

أما الشغف، فيقال لنا: “اتبع شغفك، لا تعمل في وظيفة لا تحبها، ولا تسلك طريقاً لا تجد نفسك فيه”. لكن، ماذا لو لم تجد ما يطابق شغفك؟ هل تتوقف الحياة؟ عليك أن تجرب أموراً أخرى، فقد يتشكل شغفك مع التجربة. كم من طالب لم يجد التخصص الذي يطابق شغفه، ثم وجد نفسه يبدع في تخصص آخر! وكم من شخص لم يتلاءم مع أناس في البداية، ثم وجدهم أفضل من قابل! هذه هي “المرونة النفسية”؛ أي التكيف مع المعطيات الجديدة بدلاً من الانكسار أمام الواقع.

ما سبق ليس دعوة للإحباط، بل هو دعوة للنجاح من منظور واقعي؛ فكلما لامسنا الواقع أكثر، كانت خطواتنا نحو النجاح أثبت وأقوى.

الأستاذ ماجد علي المزين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *