ليس كل ما يطويه الزمان يفنى، ولا كل ما يحجبه الغياب يُمحى من الذاكرة. فثمّة مدنٌ واراها التراب، غير أنها بقيت نابضةً في وجدان التاريخ، تتردد أصداء أسمائها في بطون المصادر، وتقاوم النسيان بما خلّفته من آثارٍ في مسيرة الحضارات وذاكرة الأمم, من بين تلك المدن تبرز الزارة بوصفها واحدةً من المدن التي غابت معالمها، بينما ظل حضورها راسخًا في المدونات التاريخية والجغرافية، شاهدةً على ماضٍ لم تستطع القرون أن تطمس معالمه الفكرية، وإن غيّبت آثاره العمرانية.

{ الزارة في كتب المؤرخين والرحالة }
من البلاذري إلى جون غوردون لوريمر
لا تقتصر أهمية الزارة على ما حفظته كتب الجغرافيا الإسلامية، بل تمتد إلى كتب التاريخ والرحلات والدراسات الاستعمارية الحديثة، التي أسهمت مجتمعة في رسم صورة لهذه المدينة المفقودة. وبينما ركز المؤرخون المسلمون على دورها في أحداث الفتح الإسلامي وحروب الردة، اهتم الرحالة والباحثون الأوروبيون بمحاولة تحديد موضعها وربطها بالآثار الباقية في واحة القطيف. وبهذا أصبحت الزارة مثالًا لمدينة ظل اسمها حاضرًا في الذاكرة التاريخية رغم اختفاء عمرانها.
الزارة عند البلاذري:
يُعد أحمد بن يحيى البلاذري أقدم من وصلتنا عنه رواية متماسكة عن الزارة في كتابه فتوح البلدان. وقد جاءت إشاراته في سياق أخبار فتح البحرين، إذ جعل الزارة أحد أهم معاقل المقاومة بعد وفاة النبي (صل الله عليه واّله)، وذكر أن قوات المسلمين بقيادة العلاء بن الحضرمي فرضت عليها حصارًا انتهى بفتحها وإعادة البحرين إلى سلطة الدولة الإسلامية. وتُعد روايته أساسًا اعتمد عليه كثير من المؤرخين اللاحقين. وتكمن أهمية القيمة التاريخية للبلاذري في قربه النسبي من عصر الفتوح واعتماده على روايات مبكرة، إلا أن عرضه موجز ويركز على نتائج الأحداث أكثر من وصفها العسكري.
الزارة عند الطبري:
ينظر محمد بن جرير الطبري إلى أحداث الزارة ضمن الإطار العام لحروب الردة. ويربط استعادة المدينة بحملة العلاء بن الحضرمي لإعادة الأمن إلى البحرين، ويورد الأخبار بأسانيد متعددة، وهو منهج يتيح للباحث مقارنة الروايات واستخلاص نقاط الاتفاق والاختلاف. وتمثل القيمة التاريخية لرواية الطبري على انها المصدر الأشمل للأحداث السياسية في القرن الأول الهجري، لكنه يجمع الروايات أكثر مما يرجح بينها.
الزارة عند ابن الأثير:
اعتمد عز الدين ابن الأثير على الطبري في معظم أخبار الفتوح، مع إعادة ترتيب الوقائع وصياغتها. ويؤكد أن سقوط الزارة كان إيذانًا بانتهاء المقاومة المنظمة في البحرين. وتكمن قيمة روايته في وضوح التسلسل الزمني، وإن كانت لا تمثل مصدرًا مستقلًا في كثير من تفاصيلها.
الزارة عند ابن كثير:
يورد ابن كثير أخبار البحرين ضمن أحداث خلافة أبي بكر الصديق، ويشير إلى نجاح العلاء بن الحضرمي في إعادة الاستقرار إلى الإقليم، مع الإشارة إلى الزارة باعتبارها إحدى المدن الرئيسة التي شهدت تلك الأحداث.
الزارة عند المسعودي:
تشير بعض الأخبار التي جمعها المسعودي إلى استمرار معرفة المؤرخين بالزارة في القرون اللاحقة، وإلى ارتباطها بتاريخ البحرين القديم، وإن كانت إشاراته إليها أقل تفصيلًا من أخبار الفتوح.
الزارة في كتابات الرحالة الأوروبيين:
ابتداءً من القرن الثامن عشر، عاد الاهتمام بتاريخ شرق الجزيرة العربية مع ازدياد نشاط الرحالة والبعثات الأوروبية. ورغم أن كثيرًا منهم لم يشاهد الزارة لأنها كانت قد اندثرت، فإنهم حاولوا تحديد موضعها اعتمادًا على المصادر العربية.
كارستن نيبور:
كان كارستن نيبور من أوائل الأوروبيين الذين وصفوا جغرافية الخليج وصفًا علميًا. وقد اهتم بالقطيف والبحرين، وأسهمت أعماله في لفت أنظار الباحثين الأوروبيين إلى تاريخ المنطقة، إلا أنه لم يحدد موقع الزارة تحديدًا قاطعًا.
ويليام جيفورد بالجريف:
زار ويليام جيفورد بالجريف شرق الجزيرة العربية في القرن التاسع عشر، ودوّن ملاحظات عن القطيف والأحساء والواحات، وأسهمت كتاباته في ترسيخ الاهتمام الأوروبي بتاريخ المنطقة، وإن كانت إشاراته إلى الزارة محدودة.
جون غوردون لوريمر:
يُعد جون غوردون لوريمر أبرز من جمع المادة التاريخية والجغرافية عن الخليج في موسوعته دليل الخليج. وقد أفرد حديثًا عن الزارة، مستندًا إلى المصادر العربية والدراسات المتاحة في عصره، وذكر أنها كانت مدينة قديمة قرب القطيف، وأنها كانت مقرًا للحاكم الساساني قبل الإسلام، ثم أصبحت مسرحًا لأحداث الردة، ورجح أنها اندثرت بعد العهد القرمطي. كما أشار إلى تعدد الآراء حول موضعها الدقيق.
هاري سانت جون فيلبي:
اهتم هاري سانت جون فيلبي بتاريخ شرق الجزيرة العربية وآثارها، وأشار إلى المواقع القديمة في القطيف والأحساء، ورأى أن تحديد موضع الزارة يحتاج إلى حفريات أثرية منهجية، وهو رأي ما يزال يجد صداه في الدراسات الحديثة.
الزارة في الدراسات الحديثة:
شهد القرن العشرون اهتمامًا أكاديميًا متزايدًا بتاريخ الزارة. ومن أبرز الباحثين الذين ناقشوا موقعها: حمد الجاسر، الذي رجح أن موضعها يقع عند العوامية الحالية. ودانيال بوتس، الذي ناقش احتمال وجودها في نطاق أوسع من واحة القطيف وربطها بالسياق الأثري لشرق الجزيرة العربية. اما فاروق عمر، الذي درس المراكز الحضرية في الخليج في العصر الإسلامي المبكر، ورأى أن موضعها يعرف اليوم باسم “الرمادة”.
بناء لما سبق، يمكن تقسيم المصادر التي تناولت الزارة إلى ثلاث فئات:
• المؤرخون المسلمون: ركزوا على الأحداث السياسية والعسكرية، ولا سيما الفتح والردة.
• الجغرافيون: اهتموا بموقعها وعلاقتها بمدن البحرين والقطيف.
• الرحالة والباحثون المحدثون: سعوا إلى تحديد موضعها الأثري ومقارنتها بالواقع الجغرافي.
وتُظهر المقارنة أن المصادر القديمة تتفق على مكانة الزارة وأهميتها، بينما يتركز الخلاف الحديث في تحديد موقعها الدقيق لا في وجودها أو دورها التاريخي.
وتكشف كتابات المؤرخين والرحالة أن الزارة لم تكن اسمًا عابرًا في تاريخ الخليج العربي، بل مدينة ظل ذكرها حاضرًا في المدونات الإسلامية والأوروبية على السواء. فالمؤرخون حفظوا أخبارها بوصفها مسرحًا لأحداث الفتح الإسلامي، والجغرافيون أثبتوا مكانتها ضمن مدن البحرين، أما الرحالة والباحثون المحدثون فقد سعوا إلى استعادة موضعها من خلال المقارنة بين النصوص والآثار. وهكذا بقيت الزارة، رغم اندثار عمرانها، حيّة في الذاكرة العلمية، شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ شرق الجزيرة العربية.
قريبا: الجزء الثامن: الزارة في الدراسات الأثرية الحديثة
لقراءة الجزء الأول: https://www.qatifscience.com/?p=36109
لقراءة الجزء الثاني: https://www.qatifscience.com/?p=36121
لقراءة الجزء الثالث: https://www.qatifscience.com/?p=36129
لقراءة الجزء الرابع: https://www.qatifscience.com/?p=36134
لقراءة الجزء الخامس: https://www.qatifscience.com/?p=36149
لقراءة الجزء السادس: https://www.qatifscience.com/?p=36157

أهم المراجع:
• فتوح البلدان.
• تاريخ الرسل والملوك.
• الكامل في التاريخ.
• البداية والنهاية.
• مروج الذهب.
• Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia.
• Daniel T. Potts, The Arabian Gulf in Antiquity.
• Farouk Omar, Urban Centres in the Gulf during the Early Islamic Period.
علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية