حين كانت الجدة تغني للطفل، كانت تحفظ ذاكرة مجتمع وكانت للطفولة في القطيف قديمًا طقوسها الخاصة، وكان للمهد عالمٌ صغير تسكنه رائحة البيت القديم، وهدوء الليل، وضوء السراج، وصوت الأم أو الجدة وهي تهدهد طفلها في حضنها. وفي ذلك الهدوء الحميم كانت تولد أهازيج المهد والتهويدات؛ كلمات بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالاتها، تناقلتها النساء من جيل إلى جيل حتى أصبحت جزءًا من الذاكرة الشعبية للقطيف. لم تكن تلك الأهازيج مجرد وسيلة لتنويم الطفل، بل كانت أول موسيقى يسمعها، وأول لغة عاطفية يتلقاها، وأول صلة له بعالم الأسرة والمجتمع. كانت الجدة تهدهد حفيدها، وتغني له، وتدعـو له، وربما شكَت إليه تعب الحياة، أو بشّرته بمستقبل جميل، أو بالغت في وصف مكانته بين أهله، بينما كان المهد يتمايل على إيقاع صوتها الهادئ.

الأهزوجة الأولى في حياة الإنسان:
يمكن القول إن أهزوجة المهد هي أول نص شعبي يدخل إلى ذاكرة الإنسان قبل أن يعرف القراءة أو الكتابة. فالطفل لا يفهم الكلمات في بدايات حياته، لكنه يشعر بإيقاع الصوت، ودفء النبرة، وتكرار المقاطع، وحركة الجسد التي تصاحب الغناء. ومن هنا كانت التهويدة تؤدي وظيفة تتجاوز الكلمات؛ فهي تمنح الطفل الإحساس بالأمان، وتربطه بصوت أمه أو جدته، وتجعله يعتاد الإيقاع والنغمة والتكرار. ولعل أجمل ما في هذه الأهازيج أن المرأة لم تكن بحاجة إلى كتاب كي تحفظها، فقد كانت تسمعها في طفولتها من أمها، ثم ترددها عندما تصبح أمًا، ثم تنقلها إلى أحفادها. وهكذا ظل النص الشعبي حيًا في الصدور، وإن لم يُكتب على الورق.
“هلولو… هلولو…” من النماذج التي بقيت حاضرة في الذاكرة الشعبية:
“هلولو هلولو هلولو
عن الكلب والعوعو
سبعين حبشية
تخدم بيت أبوه”
وتكشف هذه الأهزوجة عن طبيعة التهويدة الشعبية؛ فهي لا تحتاج إلى بناء شعري معقد، وإنما تعتمد على الإيقاع والتكرار والتنغيم. فكلمة “هلولو” نفسها تؤدي وظيفة موسيقية، إذ تتكرر على لحن هادئ يتناسب مع حركة المهد. أما “العوعو” فهي من الألفاظ الطفولية التي استخدمت في الخطاب الشعبي للإشارة إلى الكلب أو إلى ما يخيف الطفل ويُحذّر منه، بينما تأتي عبارة “سبعين حبشية تخدم بيت أبوه” في سياق المبالغة الشعبية التي تعبر عن عظمة شأن الطفل ومكانة أهله. وهنا تكمن جمالية الأهزوجة الشعبية: فالمعنى ليس دائمًا هو المقصود وحده؛ والإيقاع والصوت والتكرار والحركة جزء من معناها ووظيفتها.
بين التهويدة والدعاء:
كانت التهويدات القطيفية في كثير من الأحيان تحمل الدعاء للطفل؛ فالجدة لا تكتفي بأن تطلب منه النوم، وإنما تتمنى له الصحة والسلامة وطول العمر وحسن المستقبل.
فتجد في بعض الروايات عبارات من قبيل:
“دللول يا وليدي دللول
نام يا نور العين
الله يحفظك ويحرسك
من شر عين الحاسدين”
وقد تختلف الكلمات من بيت إلى آخر ومن قرية إلى أخرى، وهذه الاختلافات ليست عيبًا في الرواية الشعبية، بل هي إحدى خصائص التراث الشفهي؛ فكل امرأة كانت تضيف إلى الأهزوجة شيئًا من تجربتها ومشاعرها.
الجدة حافظة الذاكرة:
احتلت الجدة مكانة خاصة في عالم التهويدات. فقد كانت أكثر التصاقًا بهذا اللون من التراث، تحفظ عشرات الأهازيج التي سمعتها من أمها وجدتها، وتستعيدها بالفطرة عندما تضع حفيدها في المهد. وكانت الجدة في ذلك الوقت أشبه بـ كتاب حي؛ لا أوراق له ولا فهارس، لكنه يحمل في ذاكرته كلمات وألحانًا وعادات ومناسبات وأسماء وأمثالًا وأهازيج. وإذا رحلت الجدة دون أن تنقل ما في ذاكرتها، فقد يرحل معها نص كامل لا يمكن استعادته. وهنا تظهر أهمية توثيق أهازيج المهد اليوم، ليس باعتبارها أغنيات قديمة فحسب، وإنما باعتبارها شهادات صوتية على الحياة الاجتماعية للقطيف.
ماذا تكشف لنا التهويدات عن المجتمع القطيفي؟
تكشف أهازيج المهد جوانب كثيرة من شخصية المجتمع القطيفي. فهي تكشف قوة الروابط الأسرية، ومكانة الطفل، وحضور الجدة والأم في التربية، كما تكشف عن طبيعة اللغة الشعبية وأسلوب التعبير العاطفي. وتظهر فيها أيضًا قيم الدعاء والحماية والبركة، والاعتزاز بالأسرة والأبناء، إلى جانب حضور البيئة المحلية في بعض النصوص. فالتهويدة، وإن كانت موجهة إلى طفل صغير، فإنها في الحقيقة تخاطب الأسرة كلها؛ فهي تقول للأم: هذا طفلك، وتقول للجدة: هذه خبرتك، وتقول للمجتمع: هذه قيمنا التي نريد أن نزرعها في أبنائنا.
التهويدة واللغة القطيفية:
من أهم القيم التي تحملها أهازيج المهد أنها تحفظ جانبًا من اللهجة القطيفية القديمة. فكثير من المفردات التي كانت مألوفة في البيوت قبل عقود أخذت تتراجع أمام تغير أنماط الحياة. ولذلك فإن تسجيل الأهزوجة بصوت الراوية نفسها لا يقل أهمية عن تدوين كلماتها؛ لأن الصوت يحمل النطق، والمد، والتنغيم، والإيقاع، وهي عناصر لا تستطيع الكتابة وحدها أن تنقلها كاملة. ولهذا ينبغي عند توثيق الأهزوجة أن يسجل الباحث: النص + صوت الراوية + اسم المنطقة أو القرية + المناسبة + طريقة الأداء + شرح المفردات + اختلاف الروايات.
من المهد إلى الحياة:
لم تكن التهويدة منفصلة عن بقية الأهازيج الشعبية، وإنما كانت بداية رحلة طويلة. فالطفل الذي كان يسمع “هلولو” في المهد، يكبر ليشارك في أهازيج ألعاب الأطفال، ثم يسمع أهازيج رمضان والقرقيعان والأعياد، وعندما يكبر ربما يشارك في أهازيج البحر أو الزراعة أو الأعراس. وهكذا كانت الأهزوجة ترافق الإنسان من المهد إلى مراحل الحياة المختلفة، وتنتقل معه من وظيفة إلى أخرى، ومن مناسبة إلى مناسبة.
لماذا نخشى اندثارها؟
تكمن خطورة اندثار أهازيج المهد في أنها من أكثر ألوان التراث الشعبي تعرضًا للنسيان؛ لأنها مرتبطة بالذاكرة النسائية وبالبيوت، ولم تكن عادةً موضع تدوين رسمي. ومع اختفاء المهد التقليدي، وتغير أساليب تربية الأطفال، وانشغال الأجيال الجديدة بوسائل الترفيه الحديثة، قلّ تداول هذه الأهازيج. لكن ما يفقده المجتمع هنا ليس مجرد كلمات قديمة؛ بل يفقد صوتًا من أصواته، وصورة من صور الحياة التي عاشها الآباء والأجداد.
توثيق الصوت قبل أن يصمت:
إن جمع أهازيج المهد القطيفية ينبغي أن يكون مشروعًا ميدانيًا عاجلًا. فالأفضل ألا نكتفي بسؤال الراوية عن الكلمات، بل نتركها تستعيد الأهزوجة بطريقتها الطبيعية، وأن نسألها:
• من علّمك هذه الأهزوجة؟
• متى كنتِ ترددينها؟
• هل كانت لأمك كلمات مختلفة؟
• هل تختلف الأهزوجة بين قرية وأخرى؟
• هل كانت تُقال مع هز المهد أم مع حمل الطفل؟
• ما معنى الكلمات القديمة فيها؟
فكل إجابة من هذه الإجابات تضيف صفحة جديدة إلى تاريخ القطيف الاجتماعي.
وفي الختام: إن أهازيج المهد والتهويدات ليست مجرد أغنيات قديمة لتنويم الأطفال؛ إنها أولى صفحات الذاكرة الشعبية، وأصدق صورة لحنان الأم والجدة، وأحد المفاتيح التي نستطيع من خلالها أن نفتح أبواب البيت القطيفي القديم. في “هلولو”، و”دللول”، و”نِنّي”، وفي تلك الكلمات التي كانت تتردد ليلًا فوق المهد، تختبئ حكاية مجتمع كامل؛ مجتمع كانت فيه الجدة حافظة التراث، والأم حارسة الذاكرة، والطفل أول متلقٍّ لذلك الإرث. وإذا كان الزمن قد غيّر شكل المهد، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نحفظ صوت المهد قبل أن يختفي. فالأهزوجة التي كانت تجعل الطفل ينام، تستطيع اليوم أن توقظ فينا ذاكرة وطن ومكان وأجيال.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية