الصين… بين عمق التاريخ وآفاق المستقبل (ج6) – بقلم علي عبد المحسن الجشي

{ الجزء السادس: رحلتنا الى الصين }

[الانطلاق – تأخر الرحلة]
كان التأكيد على الحضور إلى المطار مبكرًا لتفادي التأخير، والتزم بذلك الجميع. صعدنا الطائرة في الوقت المحدد. كان أحد المضيفين يحث الركاب على وضع حقائبهم المحمولة في خزانات كابينة الطائرة بسرعة؛ وكان يكرر بابتسامة عريضة: هيا ضعوا حقائبكم حتى تفسحوا المجال للجميع بالجلوس وعدم التسبب في تأخير الإقلاع. جلسنا على الكراسي وربطنا الأحزمة.
مرَّ موعد الإقلاع؛ عشر دقائق، ربع ساعة، ثلث ساعة، والطائرة ما زالت جاثمة لا تتحرك. وقبل أن يتساءل الركاب عن سبب التأخير، جاء نداء من كابتن الطائرة: نعتذر عن التأخير بسبب خلل في الطائرة وسنخبركم عن التطورات خلال ساعة.


لم تكن طريقة الإعلان مريحة. خلال ساعة تعني أن الأمر أصبح مفتوحًا وليس هناك معرفة دقيقة أو حتى متوقعة بوقت الإقلاع. وهكذا كان. مضت ساعة، وتلتها أخرى، ثم قاربت الثالثة، قبل أن يطلب منا أخيرًا مغادرة الطائرة مع الاعتذار الشديد عن التأخير.
خرجنا من الطائرة، وتمتم أحد الركاب بمقطع من أغنية “فات المعاد” مدندنًا: فـات المـيـعـاد..فات.. تفيد بـإيــه يـا نــدم.. وتـعـمـل إيــه يـا عـتـاب.
وهكذا نزلنا من الطائرة وأكملنا اجراءات الخروج المؤقت وعدنا إلى قاعة انتظار المسافرين. لم تكن اجراءات هذه العودة مريحة، بل كانت مضنية. خاصة مع إحباط المسافرين المتعبين من سهر الليلة السابقة والذين كانوا ينتظرون اقلاع الطائرة لينعموا بقسط من الراحة أو تعسيلة نوم هادئة.
كان من المفترض أن نغادر مطار الدمام عند الساعة 05:50 صباحًا لنصل إلى بكين مساء اليوم نفسه، وهو توقيت مثالي للوصول إلى الفندق واستلام الغرف وتناول عشاء خفيف ثم النوم استعدادًا لبرنامج الرحلة. لكن التأخير الطويل بدد هذه الخطة تمامًا، وما كل ما يتمنى المرء يدركه؛ فقد جرت الرياح بما لا تشتهي السفن، ولم يكن أمامنا سوى انتظار ما ستسفر عنه الساعات القادمة.
استمر انتظارنا دون توضيح واضح لمصير الرحلة، مما زاد من حيرة الركاب؛ فلم يكن أحد على يقين مما إذا كانت الرحلة ستغادر أم ستُلغى. ومضت نحو ثماني ساعات قبل أن يتم إبلاغنا بأنه جرى استدعاء طائرة بديلة لنقلنا إلى بكين. وهكذا أقلعنا أخيرًا، لكن بعد أن خسرنا ما يقارب تسع ساعات كاملة؛ فقد غادرنا في الوقت نفسه تقريبًا الذي كان من المفترض أن نكون قد وصلنا فيه إلى بكين.

[الوصول إلى مطار داشينغ – إجراءات الدخول]
عند وصولنا إلى مطار داشينغ الدولي في بكين (Beijing Daxing International Airport)، كنت أتوقع ازدحامًا شديدًا وإجراءات طويلة ومعقدة، كما هو الحال في بعض المطارات الكبرى. لكنني فوجئت بالمطار هادئًا على نحو لافت، حتى بدا وكأنه خالٍ تقريبًا من المسافرين. أما إجراءات الدخول فقد تمت بسهولة ويسر، وهو ما أعطاني انطباعًا أوليًا عن مدى توظيف التكنولوجيا والخوارزميات في إدارة تفاصيل الحياة اليومية في الصين ودفعها إلى الأمام بكفاءة عالية.
في نقطة الدخول، وقبل الوصول إلى ضابط الجوازات، ستمر بأجهزة الخدمة الذاتية المخصصة لأخذ بصمات الأصابع، حيث ستقوم بمسح جواز سفرك ووضع أصابعك على الجهاز لالتقاط البصمات، وسيعطيك الجهاز إيصالاً صغيرًا لتسليمه لضابط تفتيش الحدود أو موظف إدارة الهجرة الوطنية.
سيطلب منك ضابط الجوازات بعض المعلومات الأساسية، مثل رقم الرحلة، وغرض الزيارة، ومدة الإقامة، ومكان السكن، وقد يطلب الاطلاع على حجز الفندق وتذكرة العودة. التعامل مع الضابط سيكون سهلًا وتتم الإجراءات بسهولة لأنهم يتحدثون اللغة الإنجليزية، كما تتوافر شاشات إرشادية بلغات متعددة.
ولضمان عبور سلس عليك تجهيز المتطلبات الأساسية والوثائق المطلوبة عند شباك الجوازات، وهي:
• جواز السفر: يجب أن يكون صالحًا لمدة لا تقل عن 6 أشهر.
• تأشيرة الدخول (Visa): أو التأكد من استيفاء شروط الإعفاء من التأشيرة إذا كنت مواطنًا من الدول المعفاة (مثل السعودية).
• بطاقة الوصول (Arrival Card). ولتجنب التعطيل أمام الضابط يمكنك تعبئة هذه البطاقة إلكترونيًا عبر تطبيق [إدارة الهجرة الوطنية الصينية] قبل موعد وصولك بـ 6 أيام حيث تحصل على رمز QR الذي تبرزه للضابط عند شباك الجوازات. وفي حال عدم حيازة بطاقة الوصول الإلكترونية (موصى بها)، يمكنك استخدام البطاقة الورقية الصفراء/الزرقاء المتوفرة في صالة المطار وتعبئتها يدويًا قبل الوقوف في طابور الجوازات، ولكن هذه الطريقة قد تسبب تأخرك ومن معك وبالتالي تكون مصدر إزعاج.
وبعد إنهاء إجراءات الوصول والخروج من المطار، كان المفترض أن نتجه إلى الفندق لنيل قسط من الراحة والنوم. غير أن وصولنا المتأخر في ساعات الصباح الباكر بدلًا من الليلة السابقة غيّر الخطة بالكامل، فبدأنا برنامج الرحلة مباشرة من المطار دون راحة أو نوم، تحت عنوان: “الصين… حضارة وثقافة وجمال. كانت البداية بكين وتبعتها ثلاث مناطق جميلة: شنغهاي وتشانغجياجيه وغوانغتشو.

[بكين (Beijing) – بداية سريعة]
بعد رحلة مرهقة طالت ساعاتها أكثر مما ينبغي، وصلنا إلى بكين في 12 مايو 2026 صباحًا. كنا قد خسرنا ليلة كاملة من الراحة في الفندق، فلم يكن أمامنا وقت للراحة التي كنا بأمس الحاجة إليها قبل بدء البرنامج السياحي، مما زاد الأمر مشقة.
ورغم التعب وارتباك البرنامج، بدأنا برنامج الرحلة مباشرة بالتجوال في ميدان تيانانمن، ثم دخلنا إلى المدينة المحرمة (القصر الإمبراطوري)، التي كانت مقر إقامة أباطرة الصين على مدى قرون، وتعد اليوم من أكثر المعالم زيارة في العالم. كما زرنا معبد اللاما (Lama Temple)، وعدد من المعابد ودور العبادة والحجرات المليئة بالتماثيل المزخرفة، والمرصعة بالمعادن الثمينة، والمطلية بألوان زاهية، وساحة لموقد كبير لحرق أعواد البخور، وهو جزء من الطقوس البوذية.
كان الناس يمارسون طقوسهم بهدوء واحترام. كانت المناظر غريبة علينا بعض الشيء، لكنها كانت مؤثرة وتدعو إلى ضرورة احترام وتقدير ثقافات ومعتقدات الشعوب الأخرى لأنهم يرون في معتقداتهم ما لا نراه نحن، كما نرى نحن في معتقداتنا ما قد لا يرونه.
ولأننا كنا متعبين من السفر وما سببه تأخر الطائرة من إرهاق، كانت جولاتنا سريعة ولكنها جميلة وممتعة، وخاصة تلك التي شملت الأحياء القديمة التي تأخذك لتصور تاريخ الصين القديم.
ولكن الأمر الذي لم يرق لنا كان الغاء زيارة القصر الصيفي للإمبراطور وحديقته والاستمتاع ببحيرته “رائعة الجمال”، وكذلك معبد السماء (Temple of Heaven). لقد أُسقط في يدنا وخسرنا زيارة هذين المكانين الجميلين. كنا قد قرأنا كثيرًا عن القصر الصيفي، وتمنينا زيارته، لكن تأخر الرحلة سرق منا تلك الفرصة، فكانت خسارة كبيرة في برنامجنا. كما لم تتح لنا التجول في أزقة زيارة الأحياء القديمة مثل هوتونغ (Hutong) للتعرف على ثقافتها عن قرب، وكذا الاستمتاع بتجربة ركوب دراجة أو عربة الريكشا التي تجوب هذه الأحياء.

[سور الصين العظيم]
وفي اليوم الثاني في بكين كانت وجهتنا نحو سور الصين العظيم وهو من أهم المعالم السياحية العالمية، وفي الحقيقة، كان هذا السور أحد أهم الأسباب لقرار زيارة الصين. كنا لا نفتأ ونحن نسمع عن هذا السور منذ صغرنا الذي كان يعد من عجائب الدنيا السبع، فكم تصورنا شكله ورغبنا في رؤيته، والآن جاء وقت تحقيق ما كنا نصبو إليه فزرنا وتجولنا في سور الصين العظيم بمنطقة بادالينغ التي تبعد عن فندقنا في بكين قرابة الساعتين والنصف.

[مطاعم بكين]
طوال أيام رحلتنا، كنا، بعد انتهاء البرنامج اليومي الذي عادة ما يكون طويلًا ومرهقًا، نحرص على التوجه إلى أحد المطاعم الراقية قبل الرجوع إلى الفندق لتناول وجبة متأخرة تجمع بين الغداء والعشاء (غشاء) لكي ننعم بشيء من الاستقرار والراحة ونخلق جوًا من المرح. لم نواجه في بكين أي صعوبة في العثور على مطاعم حلال تقدم وجبات لذيذة؛ إذ تنتشر فيها مطاعم عربية جيدة، ولا سيما في منطقتي سانليتون (Sanlitun) وداونغتشنغ (Dongcheng)، ومن أشهرها مطعم ألف ليلة وليلة (A Thousand and One Nights) الذي يقدم أكلات عربية مثل الكباب والشاورما والمقبلات الشامية. إضافة إلى ذلك توجد مطاعم للمأكولات الصينية الحلال مثل مطعم توماريس (Tumaris) وجينوان (Yijinyuan).

[إلى شنغهاي (Shanghai)]
وفي اليوم الثالث، كانت خطتنا الانتقال من بكين لشنغهاي بالقطار السريع (حوالي 4.5 ساعات) مما يعطيني الفرصة لمشاهدة المناطق التي يمر بها القطار وبالتالي الاحتفاظ بصورها في الذاكرة. لكن المسار تبدل ليكون عبر الطيران المحلي، وكانت تجربة لا بأس بها، أتاحت لنا تجربة مختلفة تمثلت في التعرف على المطارات الداخلية الصينية وإجراءات السفر المحلية.

[شنغهاي – وجه الصين الحديثة]
إذا كانت بكين مدينة التاريخ، فإن شنغهاي مدينة المستقبل. في شنغهاي تبرز صورة الصين الاقتصادية والعمرانية الحديثة فتشعر أنك في عالم آخر. هنا، تظهر الصين المتقدمة بكل وضوح. مدينة ترتفع فيها ناطحات السحاب بأشكال جمالية مبهرة، وتنبض بالحركة الدائبة التي تشعرك بالحياة المتجددة حتى تكاد تشعر أن المدينة لا تنام.
صعدنا إلى برج لؤلؤة الشرق (Oriental Pearl Tower)، وشاهدنا شنغهاي من أعلى واستمتعنا بمعالم إطلالة بانورامية ساحرة ونال إعجابنا مشاهدة برج شنغهاي الشهير وبرج التلفزيون. وأكثر ما شد انتباهنا فيها هو متحف شنغهاي التاريخي، وكذلك متحف العلوم والتكنولوجيا.
وفي المساء زرنا الأحياء القديمة، ثم تجولنا على ضفاف منطقة البوند (The Bund) لمشاهدة المباني التاريخية، وزيارة المدينة القديمة، والتسوق في شارع يو يوان (Yu Yuan) القديم، وشارع نانجينغ (Nanjing Road) وهو أحد مراكز التسوق الكبيرة في شنغهاي.
وفي الليل كانت لنا جولة نهرية ليلية على متن قارب سياحي يتجول على ضفاف نهر منطقة البوند (The Bund) مما أتاح لنا مشاهدة الأضواء على نهر هوانغبو والاستمتاع بمناظر المدينة ليلاً.
ومن مركز شنغهاي توجهنا إلى بلدة جوجياجيا المائية (Zhujiajiao Water Town) ولذلك تُعرف باسم فينيسيا الصين. تقع هذه البلدة عند بحيرة ديانشان (Dianshan Lake) وسط الطبيعة خارج شنغهاي، ويقال أن تاريخها يعود لأكثر من ١٥٠٠ عام. تستغرق الرحلة إلى هذا المكان من مركز شنغهاي حوالي ساعة ونصف بالحافلة. كما زرنا حديقة يو (Yu Garden) التقليدية.
ومن اجمل التجارب في شنغهاي ركوبنا القطار المغناطيسي السريع المعلق “ماغليف” (Shanghai Maglev Train) لنشاهد لحظة تقابل القطارين في نقطة محددة على السكة في لحظة لا تكاد تدركها بالعين المجردة أو يكن لك شعور حسي بها. يعمل القطار حاليا على نقل الركاب بين مطار شانغهاي بودنغ الدولي إلى القرب من مركز مدينة شانغهاي بالربط مع شبكة مترو شانغهاي. ويعتبر هذا القطار أول خط قطار مغناطيسي معلق تجاري في العالم. وصلت سرعة القطار خلال التجارب غير التجارية إلى سرعة 501 كم/ساعة في 12 نوفمبر 2003. تبلغ السرعة القصوى الحالية 431 كم/ساعة، وهو من أسرع القطارات التجارية في العالم.

[مطاعم شنغهاي]
ومثل بكين لم نصادف مشكلة في الحصول على وجبات مناسبة وراقية. ومن اشهر المطاعم العربية في شنغهاي مطعم مكان (MAKAN Restaurant) وهو من أقدم وأشهر المطاعم العربية، بالإضافة إلى مطعم ألف ليلة وليلة (1001 Restaurant) للأكلات السورية واللبنانية، ومطعم حبيبي (Habibi Cafe). وكذلك مطعم باشا (Pasha) ومطعم الاخوة (Brothers Kebab).

[تشانغجياجيه (Zhangjiajie)]
التوجه إلى تشانغجياجيه… سيمفونية الطبيعة
بعد أن قضينا سبعة أيام بين بكين وشنغهاي، حان وقت الانتقال من صخب المدن إلى هدوء الطبيعة. ركبنا الطائرة متجهين إلى تشانغجياجيه في رحلة استغرقت نحو ساعتين، وكنا نتطلع إلى وجه مختلف من وجوه الصين؛ وجه الجبال والغابات والقرى الهادئة.

[طبيعة بديعة وتكوينات جيولوجية فريدة]

تقع تشانغجياجيه في شمال غربي مقاطعة هونان، وتعد من أشهر الوجهات الطبيعية في الصين، بل ومن عجائبها الجيولوجية. وتشتهر بجبالها الشاهقة وتكويناتها الصخرية الفريدة، وفي مقدمتها جبل تيانمن (Tianmen Mountain) بطريقه الجبلي المتعرج وبوابته الصخرية الشهيرة المعروفة باسم بوابة السماء. ويُعرف هذا الطريق باسم “طريق التسعة والتسعين منعطفًا”، إذ يصعد ملتفًا حتى يصل إلى بوابة السماء.
وتضم المدينة منطقتين رئيسيتين هما: يونغدينغ (Yongding)، وولينغيوان (Wulingyuan)، وهي منطقة أدرجتها اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي عام 1992، لما تتميز به من قمم صخرية شاهقة، وأودية عميقة، وغابات كثيفة، وكهوف وأنهار، فضلًا عن تنوعها البيئي واحتضانها قوميات محلية، مثل التوجيا والمياو.
وكان اسم المدينة قديمًا دايونغ (Dayong)، قبل أن يُغيَّر عام 1994 إلى تشانغجياجيه؛ تعزيزًا لهويتها السياحية وربطًا باسمها بمنتزه تشانغجياجيه الوطني، الذي أُنشئ عام 1982، ويعد أول متنزه غابي وطني في الصين.

[تأثير الطبيعة]
في تشانغجياجيه تتبدل المشاعر، وتستعيد الطبيعة ما سلبته المدن من هدوء النفس.. الجبال الخضراء، والغابات التي يلفها الضباب، والهواء النقي، كلها تمنح الزائر سكينةً يصعب وصفها. وكأنك أمام لوحة رسمتها يد الخالق بإتقان، فتستحضر قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾.
وقد لاحظت الفرق بين أجواء المدن الكبرى، مثل بكين وشنغهاي، وبين هذه المنطقة الريفية الهادئة. فالناس في جميع المدن الصينية يتصفون باللطف وحسن التعامل، إلا أن إيقاع الحياة السريع في المدن الكبرى يفرض نمطًا من الانضباط والدقة يتناسب مع كثافة السكان ومتطلبات الحياة اليومية، بينما تبدو الحياة هنا أكثر هدوءًا وبساطة وانسجامًا مع الطبيعة.

[منتزه تشانغجياجيه]
كانت أبرز محطاتنا زيارة منتزه تشانغجياجيه الوطني، حيث الأعمدة الحجرية الشاهقة التي ترتفع وسط الضباب والغابات في منظر يخطف الأبصار. واشتهرت هذه المناظر عالميًا لأنها كانت مصدر الإلهام البصري للجبال العائمة في فيلم (Avatar)، وقد أشار المخرج جيمس كاميرون إلى أن تصميم جبال كوكب باندورا استُلهم من هذه التكوينات الصخرية الفريدة، وإن لم يُصوَّر الفيلم بالكامل هناك.

[جبل تيانمن]
كما صعدنا بالتلفريك إلى جبل تيانمن، وشاهدنا الطريق الجبلي الشهير بمنعطفاته الكثيرة، ثم مررنا ببوابة السماء، وصعدنا درجاتها الشهيرة، التي يبلغ عددها 999 درجة. وفي المساء حضرنا العرض المسرحي (The Fox Lady)، الذي جمع بين الموسيقى والإضاءة والعروض الفنية في أجواء طبيعية خلابة.

[الجسر الزجاجي]
ومن أكثر التجارب إثارة كانت زيارة الجسر الزجاجي المعلَّق في جراند كانيون تشانغجياجيه، الذي افتُتح عام 2016 وأصبح أحد أشهر معالم المنطقة.
ما إن وطئت أقدامنا الجسر حتى شعرنا وكأننا نسير فوق الفراغ؛ فالزجاج الشفاف يكشف الوادي السحيق أسفلنا، بينما تمتد الجبال الخضراء في كل اتجاه في مشهد تعجز الصور عن نقل روعته.
ويبلغ طول الجسر 536 مترًا، ويرتفع نحو 300 متر فوق الوادي، ويعد اليوم من أشهر الجسور الزجاجية السياحية في العالم.
واستغرقت الرحلة من الفندق إلى الموقع نحو ساعة، أما التجول في المنطقة والاستمتاع بالأنشطة المختلفة فاستغرق قرابة أربع ساعات.
ولا يقتصر المكان على الجسر وحده؛ إذ يضم عددًا من الأنشطة الترفيهية، مثل الانزلاق بالحبل (Zipline)، والمزالق، وتجارب الواقع الافتراضي، إضافة إلى المصاعد التي تنقل الزوار بين مستويات الوادي، مما يجعل الزيارة تجربة متكاملة تجمع بين جمال الطبيعة وروح المغامرة.

[المطاعم]
خيارات الطعام في تشانغجياجيه محدودة مقارنة بالمدن الكبرى، إلا أنه توجد بعض المطاعم التي يديرها مسلمون، وتقدم أطعمة حلال بأسعار مناسبة. ورغم بساطة هذه المطاعم، وما قد يلاحظ فيها من اختلاف في أساليب الطهي أو مستوى التجهيز والنظافة، فإن أصحابها يتعاملون بطيبة وترحاب يتركان أثرًا طيبًا في النفس.
وكان التحدي الأكبر هو التواصل؛ فمعظم العاملين لا يتحدثون الإنجليزية، مما يجعل الطلب يتم بالإشارة أو بالاستعانة بالصور. ومع ذلك، نجحنا في الحصول على ما نريد في أغلب الأحيان. كما لاحظنا إقبالًا كبيرًا من السياح الأجانب على هذه المطاعم، ومن أشهرها مطاعم الكباب الشينجيانغي ومطاعم النودلز.
وتوجد كذلك بعض المطاعم العالمية التي لا تقدم لحومًا حلالًا، لكنها توفر أطباقًا نباتية وأخرى من الأسماك، ويبدو أن لديها خبرة في التعامل مع الزبائن المسلمين وتلبية احتياجاتهم.

[غوانغتشو… المحطة الأخيرة…رحلة بالقطار]
بعد خمسة أيام قضيناها بين جبال تشانغجياجيه وغاباتها وضبابها، انتقلنا إلى وجه مختلف تمامًا من الصين؛ وجه التجارة والأسواق. كانت محطتنا الأخيرة مدينة غوانغتشو، العاصمة التجارية لجنوب الصين، والتي تختلف في إيقاعها وطابعها عن المدن التي زرناها من قبل.
دفع كل شخص نحو ستين دولارًا أمريكيًا لترقية تذكرته من سياحية إلى الدرجة الأولى، وكان القرار موفقًا؛ فمقاعد الدرجة الأولى أكثر اتساعًا، والمقصورة أقل ازدحامًا وأكثر هدوءًا.
وكنا قد تعاقدنا مع مكتب خدمات سياحية لنقل الأمتعة بين الحافلة والقطار في محطتي كل من المدينتين، وهي خدمة وفرت علينا عناء نقل الحقائب بين الحافلة والقطار، واجتياز إجراءات التفتيش الأمنية المتكررة داخل المحطات.

سار القطار وسط المزارع والمساحات الخضراء الفسيحة وبعض الغابات، ومرَّ بعدد كبير من البلدات التي كان يتوقف عندها لتنزيل وتحميل الركاب، وكنا نستمتع بمشاهدة بلدات تبدو منظمة وحديثة، وتنتشر فيها العمارات السكنية الشاهقة (High-Rise Buildings).
وربما يعكس ذلك نمطًا من التخطيط العمراني يعتمد إنشاء تجمعات سكنية كبيرة خارج المراكز الرئيسة لتوزيع الكثافة السكانية. لذلك، وعلى الرغم من ضخامة عدد سكان الصين، فإنك لا تشاهد في معظم المدن ذلك الازدحام البشري الخانق الذي تراه في بعض الدول الأخرى مثل الهند أو مصر.

[الوصول إلى المدينة]
كانت محطتنا هي المحطة الأخيرة في سير القطار، وعند وصولنا انتقلنا إلى حافلتنا بسهولة. توجهنا إلى الفندق المخصص لنا، لكنه جاء دون المستوى المتوقع، وكانت جودته أقل بكثير من الفنادق التي أقمنا فيها في بكين وشنغهاي وتشانغجياجيه. فغيرنا الفندق في الحال وكان السبب الرئيسي للتغيير هو سوء التكييف إضافة إلى مستواه المتدني كسبب ثانوي. ولا بد من الإشارة إلى أن الطقس في نهاية شهر مايو وبداية شهر جون يكون حارًا ورطبًا في غوانغتشو.

[مدينة التجارة]
كان أفراد المجموعة يتطلعون إلى التسوق في غوانغتشو وقد أجلوا شراء الهدايا حتى يصلون إليها. فهذه المدينة معروفة بأنها عاصمة التجارة في جنوب الصين، ولذلك اشترى معظم المسافرين حقيبة شحن إضافية قبل السفر، استعدادًا لما سيعودون به من مشتريات.
وقد يكون لهم حق في ذلك؛ فإلى جانب كونها من أكبر المراكز التجارية في العالم، فغوانغتشو تجمع بين الأسواق الحديثة والأسواق الشعبية في صورة تعكس تاريخها التجاري الطويل. والبضائع فيها متنوعة ورخيصة الأسعار وذات جودة عالية.
لم يكن لأفراد المجموعة أهداف محددة لشراء بضائع معينة، لكنهم كانوا يرونها فرصة سانحة للتبضع وشراء منتجات صينية أصبحت لها سمعة جيدة من حيث الجودة. ويظل التسوق جزءًا من متعة السفر، ولا سيما عند شراء الهدايا للأهل والأصدقاء، وهي عادة راسخة في مجتمعنا. وهكذا تحولت رحلتنا من رحلة سياحية إلى رحلة تجارية بامتياز.

[جولات سريعة]
كانت جولتنا السياحية للمدينة سريعة للتعرف على أهم معالمها التي شملت:
مسجد هوايشينغ (Huaisheng Mosque) وهو أحد أقدم المساجد في الصين، ويقع وسط حديقة كبيرة.
• نهر اللؤلؤ (Pearl River)، وهو أحد أشهر أنهار الصين، ويشكّل شريانًا رئيسًا يمر بمدينة غوانغتشو، وتنتشر حوله المحلات التجارية الصغيرة بمظاهرها القديمة التي تنتمي إلى التراث الصيني العتيق. في هذه المحلات تشعر بمتعة التسوق. كما تنتشر محلات تقدم خدمات المساج وتنظيف الأذن باستخدام أدوات دقيقة تشبه الأدوات الطبية، وهي من الخدمات التي يقصدها كثير من السياح للحصول على الخدمات التي توفرها بأسعار معقولة. ويمكن التجوال في هذه المنطقة والاستمتاع بمنظرها والحياة التراثية فيها عبر رحلات نهرية تشغلها قوارب محلية يقودها سكان المنطقة، وتأخذك إلى حيث ما لا يمكنك رؤيته بمفردك.
• برج كانتون (Canton Tower)، وهو أطول برج في الصين وتستطيع رؤيته بسهولة من زوايا مختلفة في المدينة.
• شارع بكين وهو شارع مفتوح للتسوق فيه أماكن كثيرة لبيع الملابس ومطاعم محلية وكشكات لبيع الآيس كريم والمرطبات.
• شارع العرب في منطقة شياوبي (Xiaobei). تتواجد في هذا الشارع بقالات عربية، وعددًا كبيرًا من المطاعم اليمنية والشامية والتركية، حتى يشعر الزائر وكأنه في إحدى المدن العربية. وتتنوع نكهات الأكل لكل نوع من هذه المطابخ، لكن اللافت أن بعض المطاعم وخاصة اليمنية تقدم وجبات بمقادير أكبر من المعتاد لحاجة شخص واحد، لذلك يجدر بالزائر أن يطلب بحذر.

[أيام التسوق]
ومن أجمل أماكن التسوق سوق الإلكترونيات وهي سوق كبيرة جدًا وتضم أعدادًا هائلة من محلات الهواتف والأجهزة الإلكترونية، وإكسسوارات الهواتف، والألعاب المخصصة للكبار والصغار ما يشجع على الشراء، ولكن الأهم هو معرفة ما تحتاجه. وفي هذا السوق عادة ما يكون البيع بالجملة ولذلك تراها مزدحمة بالتجار المتسوقين من الدول العربية والخليج وأفريقيا وتركيا والدول الأسيوية. وأكثر ما لفت انتباهي ليس كثرة البضائع فحسب، بل التخصص؛ فهناك قسم كامل للهواتف، وآخر للإكسسوارات، وآخر للطائرات المسيّرة، وآخر للإضاءة… وكأن كل صناعة تمتلك عالمها الخاص.
وتوجد في غوانغتشو مولات كبيرة بعضها يتكون من عدة طوابق علوية، كما تضم طوابق سفلية مليئة بالمحال التجارية المليئة بأنواع الملابس الجميلة الراقية. ولكن عادة ما يكون البيع بالجملة وقد لا تكون مصممة للبيع بالمفرد ولذلك لا تجد الأسعار رخيصة كما قد تتوقع.
ومن اجمل الأماكن التي زرناها سوق مخصص للشنط (الحقائب) بجميع أنواعها من نسائية وشنط سفر مختلفة التصاميم والأنواع والأشكال. ومن اللافت وجود أسواق متخصصة في المنتجات المقلدة لبعض العلامات التجارية العالمية، ويُطلق عليها محليًا اسم (Copy). وتتفاوت جودة هذه المنتجات، ويقبل عليها بعض المشترين بسبب انخفاض أسعارها مقارنة بالمنتجات الأصلية. ولا تتجاوز قيمتها 10% إلى 15% من قيمة الماركة الأصلية، وهناك أماكن تجهز لك ما تريد في وقت قياسي.

[نهاية الرحلة]
وبعد أيام قضيناها بين الأسواق، وحزم الحقائب، والاستعداد للعودة، حان موعد إسدال الستار على الرحلة.
وهكذا انتهت خمسة عشر يومًا تنقلنا خلالها بين التاريخ والطبيعة والحداثة، ورأينا بأعيننا كيف استطاعت الصين أن تجمع بين حضارة تمتد آلاف السنين ونهضة معاصرة تمضي بسرعة مذهلة. وعندما أقلعت الطائرة عائدة بنا إلى الوطن، لم نكن نحمل صورًا وهدايا فحسب، بل حملنا معنا تجربة ثرية، وصورة مختلفة عن الصين، وفهمًا أعمق لشعبها وثقافتها ومسيرتها التنموية.
ومن خلال زيارة المدن الصينية وما حولها من أرياف ومعالم والتعامل مع أهلها واسترجاع القصص التاريخية يمكن فهم سر نجاح الصين نفسها؛ فلكل مدينة تاريخ بنى واقعها كجزء يتكامل مع محيط أوسع وأمةٍ أكبر، وتؤدي دورًا فاعلًا ضمن مشروع وطني محدد برؤية واضحة، تتكامل فيه السياسة والاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا والثقافة لتحقيق أهداف التنمية والتقدم.

لقراءة الجزء الأول: https://www.qatifscience.com/?p=36283
لقراءة الجزء الثاني: https://www.qatifscience.com/?p=36401
لقراءة الجزء الثالث: https://www.qatifscience.com/?p=36475
لقراءة الجزء الرابع: https://www.qatifscience.com/?p=36513
لقراءة الجزء الخامس: https://www.qatifscience.com/?p=36630
المهندس علي الجشي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *