ليس كل ما يطويه الزمان يفنى، ولا كل ما يحجبه الغياب يُمحى من الذاكرة. فثمّة مدنٌ واراها التراب، غير أنها بقيت نابضةً في وجدان التاريخ، تتردد أصداء أسمائها في بطون المصادر، وتقاوم النسيان بما خلّفته من آثارٍ في مسيرة الحضارات وذاكرة الأمم, من بين تلك المدن تبرز الزارة بوصفها واحدةً من المدن التي غابت معالمها، بينما ظل حضورها راسخًا في المدونات التاريخية والجغرافية، شاهدةً على ماضٍ لم تستطع القرون أن تطمس معالمه الفكرية، وإن غيّبت آثاره العمرانية.

{ الزارة في الدراسات الأثرية الحديثة }
الاكتشافات، فرضيات الموقع، وآفاق البحث الأثري
تمثل الزارة إحدى أكثر المدن المفقودة إثارة للاهتمام في تاريخ شرق الجزيرة العربية. فبينما حفظت المصادر العربية والإسلامية اسمها ودورها السياسي والعسكري، ظل موقعها الأثري الحقيقي موضع نقاش بين الباحثين. ولم تُكتشف حتى اليوم مدينة أثرية يمكن الجزم بأنها الزارة، الأمر الذي جعلها من أبرز الألغاز الأثرية في إقليم البحرين التاريخي. وقد أسهم تطور علم الآثار في الخليج العربي خلال العقود الأخيرة في إعادة فتح هذا الملف، من خلال المسوحات الميدانية، وتحليل الخرائط القديمة، والاستفادة من تقنيات الاستشعار عن بعد، وربط النصوص التاريخية بالبيئة الجغرافية الحالية.
لماذا لم يُعثر على الزارة حتى اليوم؟
قد يبدو غريبًا أن مدينة لعبت دورًا سياسيًا وعسكريًا بارزًا في صدر الإسلام لم يُعثر على بقاياها بصورة قاطعة، إلا أن علماء الآثار يفسرون ذلك بعدة عوامل وهي تغيّر الخط الساحلي للخليج العربي عبر القرون، تراكم الرواسب البحرية والطمية, التوسع العمراني الحديث في محافظة القطيف, استخدام حجارة الأبنية القديمة في إنشاء مستوطنات لاحقة وغياب حفريات أثرية واسعة النطاق في بعض المواقع المرشحة. ومن ثم، فإن عدم العثور على المدينة لا يعني عدم وجودها، بل يعكس محدودية الأدلة الأثرية المتاحة حتى الآن.
فرضيات تحديد موقع الزارة:
• فرضية العوامية:
تُعد هذه الفرضية من أشهر الآراء الحديثة، وقد تبناها الباحث السعودي حمد الجاسر، الذي رأى أن الزارة كانت تقع في نطاق بلدة العوامية الحالية، إلى الغرب من القطيف بنحو خمس كيلومترات. واستند هذا الرأي إلى: توافق الموقع مع أوصاف الجغرافيين المسلمين، قربه من واحة القطيف، وجود بقايا أثرية متناثرة في المنطقة، واتصاله بالساحل في العصور القديمة. وقد لقي هذا الرأي قبولًا لدى عدد من الباحثين، لكنه لم يُحسم أثريًا حتى الآن.
• فرضية الرمادة:
يرى الباحث فاروق عمر أن الموقع المعروف اليوم باسم الرمادة يمثل الموضع الأقرب للزارة التاريخية. ويستند هذا الرأي إلى مقارنة النصوص التاريخية بالمسميات المحلية القديمة، إضافة إلى ما تشير إليه طبيعة الأرض من وجود استيطان سابق. ولا تزال هذه الفرضية بحاجة إلى حفريات أثرية منظمة لإثباتها أو نفيها.
• فرضية الظهران:
اقترح الباحث دانيال ت. بوتس أن موقع الزارة قد يكون أبعد جنوبًا، وربما يقع في نطاق مدينة الظهران الحالية، اعتمادًا على قراءته لتطور الساحل القديم وشبكة الموانئ في شرق الجزيرة العربية. وقد أثارت هذه الفرضية نقاشًا بين الباحثين، لكنها لم تحظَ بإجماع، ولا توجد حتى الآن أدلة أثرية مباشرة تؤكدها.
نتائج المسوحات الأثرية:
عدم اكتشاف مدينة يمكن تعريفها يقينًا بأنها الزارة، فإن المسوحات الأثرية في المنطقة الممتدة بين القطيف والأحساء كشفت عن عدد كبير من مواقع الاستيطان المبكر. وتشير دراسة دكتوراه حديثة عن آثار المنطقة الشرقية إلى تسجيل 33 موقعًا أثريًا من العصر الإسلامي المبكر في المنطقة بين القطيف والأحساء، وهو ما يدل على كثافة النشاط العمراني في القرون الإسلامية الأولى، ويؤكد أن المنطقة ما تزال تحمل إمكانات كبيرة لاكتشاف مواقع تاريخية جديدة. وتبرز هذه النتائج أن غياب الكشف عن الزارة لا يعني غياب الشواهد الأثرية، بل إن الصورة لا تزال غير مكتملة.
الزارة والبيئة الساحلية القديمة:
أظهرت الدراسات الجيومورفولوجية أن ساحل الخليج العربي شهد تغيرات ملحوظة خلال الألفيتين الأخيرتين، نتيجة الترسيب البحري وتغير مجاري المياه. ولهذا يرى عدد من الباحثين أن بعض الموانئ القديمة أصبحت اليوم بعيدة عن البحر، بينما غمرت المياه أو الرواسب أجزاءً من مواقع أخرى. وهذا العامل يُعد من أهم الأسباب التي تعقد تحديد موقع الزارة بدقة.
لماذا لم تُجر حفريات واسعة؟
حتى الآن، لم يشهد الموقع المفترض للزارة برنامج حفريات أثري شامل وممتد كالذي أُجري في مواقع خليجية أخرى. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، منها: اتساع المنطقة المرشحة، التوسع العمراني، الحاجة إلى دراسات تمهيدية دقيقة وتعقيد البيئة الرسوبية في واحة القطيف. ومن ثم، فإن كثيرًا من الاستنتاجات الحالية تعتمد على المسوحات السطحية، لا على التنقيب المنهجي.
ماذا يقول علم الآثار عن الزارة؟
يمكن تلخيص الموقف العلمي الحالي على النقاط الآتية: وجود الزارة التاريخية ثابت في المصادر المكتوبة, موقعها الدقيق غير محسوم حتى الآن, توجد عدة مواقع مرشحة، أبرزها العوامية والرمادة, لا توجد حفريات حاسمة تربط أي موقع بالزارة بصورة نهائية والمنطقة لا تزال تُعد من أكثر مناطق شرق الجزيرة العربية وعدًا للاكتشافات الأثرية المستقبلية.
آفاق البحث المستقبلية:
يرى الباحثون أن حل لغز الزارة يتطلب مشروعًا علميًا متعدد التخصصات يشمل: التصوير الجوي والاستشعار عن بعد, المسح الجيوفيزيائي غير المتلف, الحفريات الأثرية المنهجية, دراسة الفخار واللقى المعدنية ومقارنة نتائج التنقيب بالنصوص التاريخية والجغرافية. ومثل هذا المشروع قد يحسم واحدًا من أهم الأسئلة التاريخية المتعلقة بشرق الجزيرة العربية.
وتكشف الدراسات الأثرية الحديثة أن الزارة لا تزال مدينة مفقودة من الناحية المادية، لكنها ليست مفقودة من الناحية العلمية. فالنصوص التاريخية ترسم ملامحها بوضوح، بينما تشير الأدلة الأثرية إلى أن واحة القطيف وما يجاورها ما تزال تخفي طبقات من التاريخ لم تُستكشف بعد. وبين فرضيات العوامية والرمادة والظهران، يبقى الباب مفتوحًا أمام الاكتشافات المستقبلية التي قد تعيد الزارة إلى الخريطة، لا بوصفها اسمًا في بطون الكتب، بل مدينةً تُستعاد آثارها وشواهدها بعد أكثر من ألف عام من الغياب.
قريبا: الجزء التاسع: الزارة بين الحقيقة والفرضية
لقراءة الجزء الأول: https://www.qatifscience.com/?p=36109
لقراءة الجزء الثاني: https://www.qatifscience.com/?p=36121
لقراءة الجزء الثالث: https://www.qatifscience.com/?p=36129
لقراءة الجزء الرابع: https://www.qatifscience.com/?p=36134
لقراءة الجزء الخامس: https://www.qatifscience.com/?p=36149
لقراءة الجزء السادس: https://www.qatifscience.com/?p=36157
لقراءة الجزء السابع: https://www.qatifscience.com/?p=36166

أهم المراجع:
• Daniel T. Potts، The Arabian Gulf in Antiquity.
• دراسة Farouk Omar، Urban Centres in the Gulf during the Early Islamic Period.
• أطروحة Majde Gauod، The Early Islamic Archaeology of the Dammam Region in the Eastern Province of Saudi Arabia (2024).
• دراسات الجغرافيا التاريخية عن الزارة وإقليم البحرين.
علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية