في الذاكرة الشعبية القطيفية، لم يكن مرور الشهور مجرد حركة هادئة في صفحات التقويم، بل كانت بعض الشهور تحمل في وجدان الناس دلالات خاصة، وتحيط بها عادات وتصورات وطقوس تتناقلها الأجيال. ومن بين هذه الشهور برز شهر صفر بوصفه شهرًا ارتبط، في بعض المعتقدات الشعبية القديمة، بالنحس والخوف والمصائب، حتى أصبح خروجه مناسبة ينتظرها الناس بشيء من الارتياح والفرح.

وحين اقتراب آخر أيام شهر صفر، كانت الذاكرة الشعبية تستعد لإعلان رحيله، لا بالهدوء، وإنما بالصوت والحركة والرمز. فتتعالى الأهازيج، وتُعلن نهاية الشهر، ويُستقبل شهر ربيع الأول بوصفه شهرًا جديدًا يحمل الفرح والسرور، وتعود فيه الحياة الاجتماعية إلى أجوائها الطبيعية، وتتهيأ النفوس للمناسبات والأعراس.
ومن هنا جاءت عبارات مثل:
“طلع صفر بشرّه وشروره
وجانا ربيع بفرحته وسروره”
وكأن الأهزوجة ترسم حدًا فاصلًا بين زمنين: زمن الخوف الذي مضى، وزمن الفرح الذي أقبل.
صفر في الذاكرة الشعبية على انه شهر الخوف والنحس:
ارتبط شهر صفر في بعض الموروثات الشعبية القطيفية القديمة بالتشاؤم، حتى أطلق عليه في الذاكرة الشعبية وصف “شهر النحس”. ولم يكن المقصود بذلك حكمًا دينيًا على الشهر، وإنما اعتقادًا شعبيًا تناقلته بعض الأجيال، وربطت خلاله بين حلول شهر صفر وبعض المصائب أو الأحداث غير السارة. وكان هذا الاعتقاد ينعكس أحيانًا على الحياة الاجتماعية؛ فيتحاشى بعض الناس عقد الزواج والخطوبة، أو تأجيل بعض الأعمال والسفر والمشروعات المهمة، حتى ينتهي الشهر. وهكذا أصبح خروج صفر يمثل، في المخيلة الشعبية القطيفية، لحظة انفراج. فما إن ينتهي الشهر حتى يشعر الناس بأن بابًا جديدًا قد فُتح، وأن ما كان مؤجلًا يمكن أن يبدأ.
الأهزوجة وإعلان خروج النحس:
لم تكن الأهازيج مجرد وسيلة للترفيه، وإنما كانت في كثير من الأحيان إعلانًا شعبيًا جماعيًا بخروج النحس و الحسد و النحوسات. ومن أشهر ما ارتبط بوداع صفر:
“طلع صفر بشرّه وشروره
وجانا ربيع بفرحته وسروره”
في هذه الأهزوجة نلاحظ المقابلة الواضحة بين:
الشر مقابل الفرح
الشرور مقابل السرور
صفر مقابل ربيع
إنها بنية شعرية بسيطة، لكنها تحمل تصورًا كاملًا عن الانتقال من مرحلة إلى أخرى.
ومن الصيغ التي كانت تتردد كذلك:
“وا صْفيروه صفر
طلع من الحضار طَفَر”
وكأن الناس يستعجلون خروج الشهر، ويطلبون منه أن يرحل مسرعًا.
ومن الصيغ الأخرى:
“حرقناك يا صفر يا بو المصايب والكدر”
وفيها يتحول الشهر إلى رمز لكل ما كان الناس يخشونه من مصائب وكدر، ثم يأتي الفعل الرمزي “حرقناك”. أي أننا أنهينا ما ارتبط بك من خوف وشر.
تكسير الفخار ورمزية كسر الشر على الأبواب:
ومن أكثر الطقوس الشعبية إثارة للاهتمام في روايات وداع شهر صفر تكسير الفخار عند الأبواب. فالفخار في المجتمعات القديمة كان جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية؛ الأواني والجرار والقدور والأوعية كانت حاضرة في كل بيت تقريبًا. وحين يتحول إناء الفخار إلى شيء يُكسر عند الباب، فإنه ينتقل من وظيفته اليومية إلى رمز طقوسي. فالباب نفسه له دلالة مهمة. فهو الحد الفاصل بين داخل البيت وخارجه، وبين الأمان والخطر، وبين ما نريد الاحتفاظ به وما نريد التخلص منه.
ولهذا يمكن فهم تكسير الفخار على الأبواب، في سياق الموروث الشعبي القطيفي، باعتباره فعلًا رمزيًا يقول “خرج الشر من البيت، وانكسر النحس عند عتبته”. فالإناء ينكسر، لكن المقصود في المخيلة الشعبية القطيفية هو أن ينكسر معه ما ارتبط بشهر صفر من خوف وتشاؤم. وهنا تظهر قدرة الموروث الشعبي على تحويل الأفكار المجردة إلى أفعال محسوسة. فبدل أن يقول “نريد أن ينتهي الشر”، يقوم بفعل رمزي وهو ان يكسر شيئًا. وبدل أن يكتفي بالتمني، يجعل الكسر نفسه إعلانًا عن النهاية.

النار ورمزية القفز فوق الخوف:
ومن الطقوس التي ارتبطت في بعض الروايات الشعبية القطيفية بوداع شهر صفر النط على النار. وهذه الممارسة تحمل شحنة رمزية قوية؛ فالنار في المخيلة الإنسانية القديمة ارتبطت بالتطهير، وإزالة الأوساخ، وإحراق الأشياء القديمة، والتحول من حال إلى حال. وعندما يقفز الإنسان فوق النار، يصبح الفعل في صورته الرمزية عبورًا حيث إنه ينتقل من جانب إلى جانب.
ومن هنا يمكن قراءة النط على النار بوصفه تعبيرًا شعبيًا عن عبور الخوف، وترك الشر خلف الظهر، والدخول إلى زمن جديد. إنها صورة رمزية بليغة حيث صفر وراء النار، وربيع أمامها. فالإنسان لا يريد أن يحمل خوف الأمس معه إلى الغد. ومع ذلك، ينبغي التأكيد أن هذه الممارسات، إن وُجدت في بعض البيئات أو الأسر، كانت عادات شعبية رمزية وليست طقوسًا دينية، كما أن القفز فوق النار يحمل مخاطر جسدية ولا ينبغي ممارسته اليوم بصورة تعرض الأطفال أو الكبار للأذى.
من كسر الفخار إلى كسر النحس:
عند جمع الأهازيج والطقوس معًا، تتضح الصورة أكثر فاكثر حيث ان هناك كلمة تُقال، وصوت يُرفع، وفخار يُكسر، ونار يُقفز فوقها، وشهر يرحل، وشهر يأتي. وكل هذه الأفعال تصنع مشهدًا شعبيًا واحدًا جميلا وهو الخلاص من القديم واستقبال الجديد. فالفخار ينكسر، والنار تُجتاز والأهزوجة تعلن الرحيل. ثم يأتي ربيع الأول وكأن المجتمع كله يقول انتهى زمن الخوف، وبدأ زمن الفرح.
ربيع الأول شهر الفرح والأعراس:
لم يكن دخول شهر ربيع الأول في الذاكرة الشعبية القطيفية مجرد انتقال زمني، بل ارتبط عند بعض الناس بموسم جديد من الفرح والمناسبات الاجتماعية والأعراس. فبعد أن كان بعض الناس يتحاشون الزواج والخطوبة خلال صفر، يأتي شهر ربيع الأول وكأنه يفتح أبواب الحياة الاجتماعية من جديد حيث تعود الأفراح، تُقام الأعراس، تُعلن الخطوبات، تتزين البيوت وتعلو الأصوات بالغناء والأهازيج.
ومن هنا نفهم جمال المقابلة في:
“طلع صفر بشرّه وشروره
وجانا ربيع بفرحته وسروره”
فالربيع هنا ليس فصلًا من فصول السنة فحسب، بل حالة نفسية واجتماعية. إنه ربيع القلب بعد شتاء الخوف.
الحسد في الذاكرة الشعبية القطيفية:
ومن المفيد أيضًا التوقف عند مفهوم الحسد الذي كان حاضرًا بقوة في المخيلة الشعبية القطيفية. فالمجتمعات القديمة كانت تفسر بعض المصائب والأمراض وتعطل الأمور أحيانًا من خلال مفاهيم مثل الحسد والعين والنحس. ولذلك كان خروج شهر صفر يمثل، في بعض التصورات الشعبية، فرصة رمزية للتخلص من كل ما تراكم في النفس من خوف، بما في ذلك الخوف من عين الحاسد وشره. لكن هنا أيضًا ينبغي التمييز بين الإيمان الديني بمفهوم العين والحسد وبين ربط ذلك بشهر معين أو الاعتقاد بأن شهر صفر يجلب الحسد أو النحس بذاته. فالأهزوجة الشعبية تسجل ما كان الناس يقولونه ويعتقدونه في بيئتهم الاجتماعية، ولا ينبغي تحويلها إلى تقرير ديني.
الطقس الشعبي بوصفه علاجًا للخوف:
إذا نظرنا إلى هذه الطقوس بعين اجتماعية، سنجد أنها تؤدي وظيفة نفسية مهمة. فالخوف من المجهول لا يختفي بمجرد التفكير فيه. والإنسان يحتاج أحيانًا إلى فعل يشعره بأنه فعل شيئًا للتخلص من الخوف. وهنا يأتي الطقس الشعبي بكسر الفخار والهتاف بالأهزوجة وبالقفز فوق النار ثم يضحك ويعود إلى بيته. قد لا يكون في الفعل نفسه تأثير خارق، لكنه يؤدي وظيفة نفسية واجتماعية؛ إذ يمنح الجماعة شعورًا بأنها تشاركت الخوف ثم تخلصت منه معًا.
وهذا أحد أسرار بقاء الطقوس الشعبية عبر الأجيال حيث الأهزوجة ذاكرة لا كتاب حيث الأهازيج الشعبية لا تحفظها الكتب عادة يل إنها تنتقل من فم إلى فم، ومن أم إلى ابنة، ومن جدة إلى حفيدة، ومن جيل إلى جيل. وقد تتغير كلمة، أو يسقط بيت، أو تتبدل قافية، لكن روح الأهزوجة تبقى. ولهذا نجد أكثر من صيغة لخروج صفر:
“طلع صفر بشرّه وشروره
وجانا ربيع بفرحته وسروره”
و:
“وا صْفيروه صفر
طلع من الحضار طَفَر”
و:
“حرقناك يا صفر
يا بو المصايب والكدر”
و:
“طلع صفر، حندوبتي سالمة
هذي العَدْيوة في القبر نايمة”
واختلاف هذه الصيغ لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه تناقضًا، بل قد يكون دليلًا على ثراء الذاكرة الشفوية وتنوعها من مكان إلى آخر ومن جيل إلى آخر.
بين الحقيقة التاريخية والذاكرة الشعبية:
عند كتابة تاريخ هذه العادات، يجب ألا نتعامل مع كل رواية شعبية باعتبارها حقيقة تاريخية ثابتة دون توثيق. فبعض الطقوس ربما كانت معروفة في حي أو قرية أو أسرة معينة، ثم نُسبت لاحقًا إلى المنطقة كلها. وقد تكون بعض الأهازيج خاصة بالأطفال، وبعضها بالنساء، وبعضها يقال في البيوت، وبعضها في الأزقة. ولهذا فإن توثيق هذا التراث يحتاج إلى الرواية الشفوية؛ سؤال كبار السن، وتسجيل أسمائهم وأماكنهم، وتحديد الفترة الزمنية التي عاشوا فيها، ومعرفة الكلمات كما كانوا ينطقونها.
فإذا قال راوٍ من القطيف على سبيل المثال “كنا نكسر الفخار عند الباب عند خروج شهر صفر”، فإن هذه شهادة تراثية مهمة، لكنها تصبح أكثر قيمة حين نعرف: أين كان ذلك؟ وفي أي قرية؟ وفي أي سنة تقريبًا؟ ومن كان يشارك؟ وماذا كانوا يقولون؟ وهل كانت هناك طقوس أخرى؟ بهذه الطريقة تتحول الذاكرة من حكاية شفوية إلى مادة فولكلورية قابلة للدراسة والتوثيق.
حين كان الفرح يبدأ بكسر الخوف:
ربما يكون أجمل ما في هذه المرويات أن المجتمع لم يكن يحتفل بربيع الأول وحده، وإنما كان يحتفل أولًا برحيل ما يخيفه. فكان لابد من إعلان النهاية وهي “طلع صفر”. ثم كسر ما يرمز إلى الشرو هو “انكسر الفخار”. ثم عبور النار أي انتهى الخوف. ومن ثم جاءت البشارة “وجانا ربيع”. وأخيرًا الفرح “بفرحته وسروره”. إنها بنية رمزية متكاملة، تختصر دورة نفسية كاملة “الخوف مقابل المواجهة ثم التخلص والعبور ثم ياتي الفرح”.
وفي الختام: حين كان الناس يكسرون الخوف قبل أن يكسروا الفخار
إن أهازيج خروج شهر صفر ليست مجرد كلمات قديمة ترددها الألسن ثم تنساها. إنها جزء من المسرح الشعبي للحياة القطيفية القديمة؛ مسرح كانت فيه الأزقة مسرحًا بإمتياز، والبيوت مدرجات، والأبواب حدودًا رمزية، والفخار أداة للتعبير، والنار رمزًا للعبور، والأهزوجة صوت الجماعة. وحين كان الناس يقولون”طلع صفر بشرّه وشروره” و”جانا ربيع بفرحته وسروره”, كانوا في الحقيقة يعلنون أكثر من نهاية شهر. كانوا يعلنون نهاية الخوف وبداية الرجاء. وحين كانوا يكسرون الفخار على الأبواب، كانت الصورة الشعبية تقول إن ما انكسر ليس الإناء وحده، بل النحس الذي علق في المخيلة، والخوف الذي سكن القلوب، والقلق الذي رافق أيام الشهر. وحين كانوا يقفزون فوق النار، كانت النار تفصل بين زمنين “زمن مضى بما حمله من خوف”، و”زمن جديد يُستقبل بالأمل”.
ثم يأتي ربيع الأول، فتُفتح أبواب الفرح، وتعود الأعراس والمناسبات، وتتعالى الأهازيج. وهكذا بقيت كلمات قليلة تحمل ذاكرة عالم كامل “طلع صفر بشرّه وشروره” و”جانا ربيع بفرحته وسروره”. وفي هذه الكلمات البسيطة تختبئ حكاية الإنسان القديم؛ إنسان كان يخاف من المجهول، لكنه لم يستسلم للخوف، بل صنع له أهزوجة، وكسر له فخارًا، وعبر فوق النار، ثم فتح قلبه للربيع. ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من هذه الذاكرة الشعبية القطيفية الجميلة أن الإنسان، في كل زمان، كان يبحث عن طريقة يقول بها:
للخوف لقد انتهيت… وللفرح أهلاً بك.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية