ضعف التركيز لا يعني ضعف الذكاء، بل قد يوحي بعمليات دماغٍية معقدة – ترجمة عدنان أحمد الحاجي

Lack of focus doesn’t equal lack of intelligence — it’s proof of an intricate brain
(بقلم: جريتشن شرافت ، روبرت جي ، نانسي دي – Gretchen Schrafft, Science Communications Specialist, Robert J. & Nancy D)

دراسة أجراها باحثون في علم الأعصاب في معهد كارني (Carney) لعلوم الدماغ بجامعة براون أثبتت كيف ومتى تحتاج منطقتان في الدماغ إلى العمل معًا للتركيز على المعلومات المهمة وفلترة مشتتات الانتباه (الإلهاءات) الأخرى(1).

تخيل أنك في مطعم مزدحم: قرقعة الأطباق من كل صوب وصوت موسيقى، والناس يتكلمون مع بعضهم بصوت عالٍ. ومن العجب أن يتمكن أي شخص في هذه المطعم الصاخب من التركيز بدرجة كافية والكلام مع طرف آخر. ولكن دراسة جديدة أجراها باحثون في معهد كارني لعلوم الدماغ بجامعة براون تطرح بعض الأفكار المفصلة عن آليات الدماغ التي تساعد الناس على إيلاء الانتباه وسط هذا النوع من مشتتات الانتباه والإلهاءات، كما تفصل ما يحدث في الدماغ حين لا يستطيعون التركيز.

في دراسة سابقة نشرت في مجلة علم النفس(2)، أثبت باحثون أن الناس تتمكن من التحكم بشكل منفصل في مدى تركيزهم (من خلال تعزيز المعلومات ذات العلاقة) ومدى فلترتهم (من خلال استبعاد الإلهاءات أو التوقف عن إيلاء الانتباه لها أو الإصغاء إليها). تكشف الدراسة(3)) التي أجراها الفريق، والتي نُشرت في مجلة نتشر (Nature) السلوك البشري (Nature Human Behaviour)، عن العملية التي ينسق بها الدماغ هاتين الوظيفتين الحساستين.

شبه المؤلف الرئيس وباحث علم الأعصاب هاريسون ريتز (Harrison Ritz) العملية بكيف ومتى ينسق الناس بين نشاط عضلاتهم ليقوموا بأداء مهام بدنية معقدة. “بنفس الطريقة التي نسخر بها أكثر من 50 عضلة لأداء مهمة بدنية واحدة مثل استخدام اليد للإمساك بعيدان الأكل [أعواد الأكل التي تستخدمها عادة شعوب في شرق آسيا بدل الملاعق للأكل، انظر الصورة أعلاه]، وجدت دراستنا أننا تتمكن من تنسيق أشكال متعددة ومختلفة من الانتباه لأداء أعمال تحتاج إلى براعة عقلية”. كما قال ريتز الذي أجرى الدراسة أثناء دراسته العليا للحصول على درجة الدكتوراه. في جامعة براون. [تتعلق البراعة العقلية (mental dexterity) بالمرونة والسرعة في التفكير والأفعال والتصرفات وفهم السيطرة على الأفكار وعلى ردود الأفعال والتأثير فيها(4)].

وقال أميتاي شينهاف (Amitai Shenhav)، المؤلف المشارك، والأستاذ المشارك في قسم العلوم المعرفية واللسانية والنفسية في جامعة براون، زودتنا النتائج بأفكار ثاقبة عن كيف ومتى يستخدم الناس قدراتهم على الانتباه وكذلك العوامل التي تؤدي إلى الاخفاق في الانتباه.

“هذه النتائج يمكن أن تساعدنا على فهم مدى قدرتنا على إبراز مثل هذه المرونة الإدراكية (المرونة الذهنية) الهائلة – وهي القدرة على إيلاء الانتباه إلى ما نريد حين نريد”، كما قال شينهاف. “هذه النتائج تساعدنا أيضًا على فهم حدود تلك المرونة الذهنية والقيود التي عليها بشكل أفضل، وكيف يمكن أن تتمظهر تلك القيود في بعض الاضطرابات المرتبطة بالانتباه مثل اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة”.

اختبار التركيز والفلترة
لإجراء الدراسة، أجرى ريتز مهمة ذهنية على المشاركين وهو يقوم بقياس في الأثناء نشاط أدمغتهم باستخدام جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي. شاهد المشاركون كتلة نقاط خضراء وأرجوانية تتحرك بسرعة في دوامة يسارََا ويمينََا، كما يتحرك سرب يراعات. وشملت المهام، التي تنوعت في صعوبتها، التمييز بين حركة النقاط وألوانها. على سبيل المثال، طُلب من المشاركين في أحد التمارين اختيار اللون الذي يمثل أغلبية النقاط السريعة الحركة عندما كانت نسبة اللون الأرجواني إلى اللون الأخضر 50/50 تقريبًا.

ثم قام ريتز وشينهاف بتحليل نشاط أدمغة المشاركين استجابةً للمهام التي كلفوا بها. وأوضح ريتز، الزميل ما بعد الدكتوراه في معهد برينستون في علم الأعصاب حينئذ، كيف تعمل منطقتا الدماغ هاتان معًا أثناء هذه الأنواع من المهام.

الصورة تشير إلى موضع التلم داخل الفص الجداري. 

“بأمكانك اعتبار أن التلم داخل الفص الجداري (intraparietal sulcus) في الدماغ يحتوي على قرصي تغيير محطات إذاعية في جهاز الراديو: أحدهما يضبط التركيز والآخر يضبط الفلترة”، قال ريتز. “في دراستنا، منطقة القشرة الحزامية الأمامية(5) في الدماغ تتبع ما يحدث للنقاط التي تتحرك في دوامة سريعة. عندما تدرك القشرة الحزامية الأمامية، على سبيل المثال، أنها تجعل الحركة المهمة أكثر صعوبة، فإنها توجه التلم داخل الجداري لضبط قرص الفلترة لخفض حساسيته للحركة.

القشرة الحزامية الأمامية
“في السيناريو الذي تكون فيه النقاط الأرجوانية والخضراء تقريبًا 50/50، قد تقوم القشرة الحزامية الأمامية أيضًا بتوجيه التلم داخل الجداري لضبط قرص التركيز للرفع من مستوى الحساسية للون. الآن أصبحت متطقتا الدماغ ذات العلاقة أقل حساسية للحركة وأكثر حساسية للون المناسب، لذلك أصبح المشارك أكثر قدرة على اختيار اللون الصحيح.

وصفُ ريتز هذا يسلط الضوء على أهمية التنسيق الذهني على القدرة العقلية، ويكشف أن الفكرة التي يتم التعبير عنها غالبًا هي فكرة خاطئة. [القدرة العقلية (mental capacity): هي القدرة على اتخاذ قرار مستنير بالمعلومات بناءً على فهم الوضع أو الحالة والخيارات المتاحة وتبعات هذا القرار(8)].

قال ريتز: “عندما يتكلم الناس بخصوص حدود (قيود) العقل، فإنهم غالبًا ما يضعون ذلك في أطار العبارة التالية: ’ ليس لدى البشر القدرة العقلية‘ أو ’ يفتقر البشر إلى القوة الحوسوبية.  ولكن نتائج هذه الدراسة تدعم وجهة نظر مختلفة بخصوص سبب عدم تركيزنا طوال الوقت. لا يعني ذلك أن أدمغتنا بسيطة جدًا، بل هي تعتبر معقدة جدًا، والتنسيق بين هذه الأفعال هو الجانب الأصعب فيها.

المشاريع البحثية القائمة تبني على نتائج هذه الدراسة. شراكة بين الأطباء والباحثين في جامعة براون وكلية بايلور للطب تقوم على دراسة استراتيجيات التركيز والفلترة لدى المرضى الذين يعانون من الاكتئاب المقاوم للعلاج(7). يدرس الباحثون في مختبر شينهاف الطريقة التي يقوم بها الدافع على جذب الانتباه؛

الهوامش:
1- https://ar.wikipedia.org/wiki/تشتت_الانتباه
2- https://psycnet.apa.org/doiLanding?doi
3- https://www.nature.com/articles/s41562-024-01826-7
4- https://www.linkedin.com/pulse/power-mental-dexterity-tasha-broomhall-csp-cep
5- https://ar.wikipedia.org/wiki/قشرة_حزامية_أمامية
6- https://www.mencap.org.uk/advice-and-support/mental-capacity-act
7- https://ar.wikipedia.org/wiki/الاكتئاب_المقاوم_للعلاج

المصدر الرئيس:
https://www.brown.edu/news/2024-03-08/focus

الأستاذ عدنان احمد الحاجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *