بين التردد والشغف: لماذا آيسلندا؟
لم تكن آيسلندا بالنسبة إليّ مجرد نقطة نائية على أطراف الخرائط، بل بدت كأنها تجربة جيولوجية هائلة، حيث ما تزال الطبيعة تكتب فصولها الأولى. ومع ذلك، لم يكن قرار السفر إليها سهلاً أو وليد لحظة عابرة؛ فقد سبق الانبهارَ شيءٌ من التردد. كانت غامضة، بعيدة، باردة، ومرتفعة التكاليف، وتتطلب من الإعداد والتدقيق ما لا تحتاجه وجهات كثيرة أخرى. وكان السؤال يعود إليّ في كل مرة:
لماذا آيسلندا؟
ربما كان السؤال أكثر إلحاحاً لأنني لم أكن غريباً عن أدب الرحلات ولا سهل الإرضاء؛ فقد طوّفت قبلها في إسكندنافيا وروسيا وأمريكا وكندا وأستراليا وجبال الألب الأوروبية، ورأيت من اتساع الطبيعة وجلال الجبال وبرودة الشمال ما جعل الدهشة عصية لا تنقاد بسهولة. ومع تراكم الرحلات، يغدو المسافر أكثر انتقائية؛ فهو لا يبحث عن تكرار مشهد رآه في مكان آخر، بل ينقّب عن ذلك الجديد القادر على إيقاظ دهشته الأولى.
وكان الجواب، شيئاً فشيئاً، يتجلى في آيسلندا نفسها: إنها لا تشبه مكاناً واحداً، بل تبدو كأن عوالم متعددة اجتمعت فوق جزيرة واحدة.
فيها ما يذكّر بالبدء: أرض تتشكل، ونار تخمد تحت الجليد، وماء يخرج من باطن الأرض، وصمت واسع يجعل المسافر يسمع خطواته وأفكاره معاً.

صراع العناصر: أرض النار والجليد
تغطي الأنهار الجليدية قرابة عُشر مساحة الجزيرة، وفيها أكبر الأنهار الجليدية في أوروبا، فيما تنتشر البراكين والحمم والينابيع الحارة في تضاد بصري وجيولوجي نادر. بين البراكين الكامنة تحت الجليد، والحمم التي تجمدت فوق الأرض، والأنهار المنحدرة من الكتل البيضاء، يتجسد الوصف الأشهر للجزيرة: أرض النار والجليد.
ولا يبدو هذا الصراع مجرد استعارة أدبية؛ فآيسلندا تذكّر زائرها في كل منعطف بأن الأرض هنا لم تستقر تماماً. فقد ترى في صباح واحد سهلاً أسود من الحمم، وشلالاً يندفع من ذوبان الجليد، وبخاراً يتصاعد من أرض تبدو ساكنة. وعندما تهب الرياح فجأة أو يتبدل الضوء فوق الجبال، تشعر أن المكان لا يعرض نفسه لك بقدر ما يكشف عن حركة داخلية لا تتوقف. ولا تقتصر آيسلندا على استثمار حرارة باطن الأرض في ينابيعها وحماماتها الساخنة؛ فقد سخّرت الطاقة الحرارية الجوفية والطاقة الكهرومائية لتوليد الكهرباء وتدفئة المنازل، مستفيدة من طبيعتها البركانية وأنهارها الجليدية.

يمتد الصيف الآيسلندي المعتدل عادة من يونيو إلى أغسطس، بمتوسط حرارة يتراوح بين 7 و15 درجة مئوية. وتطول خلاله ساعات الضوء إلى حد بعيد، ولا سيما قرب الانقلاب الصيفي، حين تظهر شمس منتصف الليل ويستمر الضوء قرابة 24 ساعة في بعض الفترات، ما يمنح المسافر وقتاً إضافياً للاستكشاف. وقد تتسم الأجواء بأمطار خفيفة ورياح أهدأ نسبياً، وتكون كثير من المسارات الجبلية مفتوحة أمام سيارات الدفع الرباعي، مع بقاء ضرورة التحقق من حالة كل طريق قبل الانطلاق؛ فالتغيرات الجوية قد تجعل الطريق مختلفاً عما يبدو عليه في الخرائط أو الصور.
في المقابل، يأتي الشتاء بمتوسطات قد تدور تقريباً بين -5 و2 درجة مئوية، ولا يتجاوز ضوء النهار في بعض الفترات أربع ساعات تقريباً، مع احتمال إغلاق الطرق وتأخر التنقل بسبب الرياح والثلوج. لكنه يفتح باباً لتجربة أخرى، أبرزها مشاهدة الشفق القطبي، حين تتحول السماء إلى مساحة متحركة من الألوان الخافتة. لذلك لا تبدو آيسلندا وجهة ذات موسم واحد؛ فكل فصل يعيد ترتيب علاقتك بالمكان ويمنحك جزيرة مختلفة.
هندسة الميزانية وتحديات الغلاء
لا بد من الاعتراف بأن آيسلندا بلد غالٍ جداً؛ فصغر حجم السوق المحلي، والاعتماد الكثيف على الاستيراد والشحن، وارتفاع الأجور، وضريبة القيمة المضافة التي تصل إلى 24%، كلها عوامل تنعكس على حياة الزائر اليومية. وتتعامل البلاد بالكرونة الآيسلندية (ISK)، وكان كل 100 كرونة يساوي نحو 3 ريالات سعودية تقريباً، أي إن الكرونة الواحدة تعادل قرابة 0.03 ريال، مع ضرورة التحقق من سعر الصرف الفعلي قبل السفر وأثناءه.
تعتمد الحياة اليومية هناك إلى حد كبير على الدفع الرقمي، لكن اصطحاب بطاقة ائتمان فعلية مزودة برمز (PIN) يظل احتياطاً مهماً، خصوصاً عند استخدام محطات الوقود الذاتية أو آلات مواقف السيارات في المناطق الريفية. وقد لا يكون الاعتماد الكامل على الهاتف أو المحافظ الرقمية عملياً في كل موقف، لذلك فإن وجود بطاقة مادية ونقود محدودة للحالات الطارئة يبعث على الاطمئنان.

إن زيارة هذه البلاد تتطلب ميزانية واعية وتخطيطاً دقيقاً. وبحسب تقدير رحلة قادمة من دول الخليج، مدتها 10 إلى 12 يوماً، قد تتراوح التكلفة الإجمالية للشخص الواحد بين 3,500 و5,000 دولار، أي نحو 13,000 إلى 19,000 ريال سعودي، شاملة الطيران الإقليمي والإقامة والتنقل والأنشطة، مع اختلافها بحسب الموسم ونوع السيارة والإقامة والبرنامج المختار.
الغرف الفندقية التقليدية قد تكون ضيقة نسبياً ولا تناسب العائلات الخليجية كثيرة الأمتعة، كما قد تفتقر إلى المطابخ؛ ولذلك تبدو الشقق والأكواخ مناسبة في حالات كثيرة، لما توفره من مساحة ومطبخ وإحساس أكبر بالخصوصية، وقد تبلغ تكلفة الشقة أو الكوخ نحو 300 دولار لليلة. ويساعد الطبخ في الشقة على توفير ما يقارب نصف ميزانية الطعام في بعض الحالات، في بلد قد تبلغ فيه تكلفة الوجبة في المطاعم نحو 35 دولاراً. أما استئجار سيارة دفع رباعي، فقد يكلّف نحو 150 دولاراً يومياً، مع تجاوز سعر البنزين دولارين للتر، لكنه لا يعني أن كل الطرق متاحة دائماً أو أن القيادة ستكون سهلة في جميع الظروف.
ومن واقع التجربة، يبدو الحجز المبكر، قبل 6 إلى 8 أشهر، عاملاً حاسماً، لا لضمان السعر الأفضل فحسب، بل لضمان وجود الخيارات المناسبة أصلاً. ففي موسم الصيف، قد يؤدي التأخير إلى ارتفاع التكاليف بنحو 50%، فضلاً عن شح الخيارات واضطرارك إلى قبول سكن أبعد أو سيارة أقل ملاءمة أو برنامج لا يطابق ما خططت له.
الطبيعة والإنسان: شح الشجر وتحديات الطرق
على مساحة تبلغ نحو 100,000 كيلومتر مربع، يقطن الجزيرة قرابة 400,000 نسمة، فيما يقصدها سنوياً أكثر من مليوني سائح. ومن أولى الملاحظات التي تستوقفك عند الوصول ندرة الأشجار؛ فالغابات لا تغطي سوى نحو 2% من مساحتها، ولا يشبه المشهد الآيسلندي الصورة التقليدية للبلدان الشمالية ذات الغابات الكثيفة. تمتد السهول مفتوحة، وتظهر الصخور والحمم والتربة البركانية في مساحات واسعة، فتشعر بأن الريح تجد طريقها بلا عائق.
ولندرة الغطاء الشجري أسباب طبيعية وتاريخية، من بينها المناخ القاسي والرياح وقطع الغابات في مراحل مبكرة من الاستيطان. وفي الوقت نفسه، تُبذل جهود لاستعادة الغطاء النباتي وحماية التربة، في محاولة لإعادة بناء توازن فقدته الجزيرة عبر قرون طويلة.

أمر آخر يلفت الانتباه أثناء التنقل هو انتشار الطرق الحصوية والترابية في المناطق الريفية والنائية. لذلك يُنصح بتجنب هذه الطرق عند قيادة السيارات الصغيرة، والالتزام بالمسارات المسموح بها ونوع المركبة المحدد لكل طريق. ولا يكفي أن يبدو الطريق قصيراً على الخريطة؛ فقد تكون حالة الطقس أو سطح الطريق أو إغلاق أحد الطرق أهم من المسافة نفسها.
ومن المفيد مراجعة المسار مسبقاً، وعدم الاعتماد على تطبيق واحد فقط، مع المتابعة اليومية لنشرات الطقس وحالة الطرق الرسمية قبل الانطلاق. وفي آيسلندا، قد تتغير الخطة خلال ساعات، ولا ينبغي النظر إلى ذلك بوصفه فشلاً في التخطيط؛ بل جزءاً من طبيعة السفر في بلد تتحكم فيه الرياح والجليد والمطر بقدر كبير من تفاصيل اليوم.
نصيحة للمسافر الخليجي: أيهما تختار؟
عند التخطيط لرحلتك الاستكشافية، اجعل المفاضلة بين المسارات مرتبطة بميزانيتك والوقت المتاح وقدرتك على القيادة. فإن كنت تبحث عن رحلة سلسة وممتعة دون إرهاق بدني أو قيادة طويلة، يُعد مسار الدائرة الذهبية (Golden Circle) خياراً مناسباً للرحلات القصيرة، ويمكن تمديده ليشمل عدداً من معالم الجنوب.
يمتد هذا المسار، في صورته المختصرة، بين 5 و7 أيام، وقد تتراوح تكلفته بين 2,500 و3,500 دولار للشخص الواحد، شاملة الإقامة والسيارة والأنشطة، مع اختلافها بحسب الموسم ومستوى الإقامة. ويبدأ عادة بمتنزه ثينغفيلير (Thingvellir) الوطني، ثم منطقة السخانات، وشلال جولفوس (Gullfoss)، قبل التوجه جنوباً لاستكشاف شلال سيلجالاندسفوس (Seljalandsfoss)، وشلال سكوجافوس (Skógafoss)، والشاطئ الأسود رينيسفيارا (Reynisfjara) بأعمدته البازلتية، وربما بحيرة يوكولسارلون (Jökulsárlón) الجليدية والشاطئ الألماسي، إذا سمح الوقت والمسار بذلك.
أما إن كنت تطمح إلى خوض تجربة أوسع، فإن الطريق الدائري (Ring Road – Route 1) يمنحك فرصة للالتفاف حول الجزيرة والتعرف إلى مناطق لا تظهر في الرحلات المختصرة. ويستلزم هذا المسار عادة مدة لا تقل عن 10 إلى 14 يوماً، وقد تتراوح تكلفته بين 4,500 و6,000 دولار للشخص الواحد، فضلاً عن قيادة طويلة قد تتجاوز 2,000 كيلومتر عبر ظروف جوية متقلبة. لذلك يحتاج إلى وقت أطول وقيادة متأنية، حتى لا تتحول الرحلة إلى سباق مع المسافة.
إلى جانب معالم الجنوب، يأخذك هذا المسار شمالاً وشرقاً، حيث يمكن زيارة مدينة أكوريري (Akureyri)، وحقول هفيرير (Hverir) الكبريتية قرب بحيرة ميفاتن، وشلال ديتيفوس (Dettifoss)، والمضايق الشرقية، وربما شبه جزيرة سنايفيلسنيس (Snæfellsnes) في الغرب، التي تُلقب أحياناً بـ«آيسلندا المصغرة». والاختيار الأفضل ليس بالضرورة المسار الأطول، بل المسار الذي يترك لك وقتاً للتوقف والتأمل.
خريطة رحلتي: طواف حول الجزيرة
كانت رحلتي طوافاً يرسم دائرة حول أطراف الجزيرة باتجاه عقارب الساعة. انطلقت من العاصمة ريكيافيك (Reykjavík) نحو شبه جزيرة سنايفيلسنيس، المعروفة بـ«آيسلندا المصغرة»، حيث يتعانق جبل كيركيوفيل (Kirkjufell) مع الشواطئ والسهول المفتوحة. كان المشهد هناك يختصر جانباً من شخصية الجزيرة: جبل منفرد، وماء بارد، وسماء واسعة، وريح تجعل الطبيعة حاضرة في كل لحظة ، هذا الجبل ظهر في مسلسل «صراع العروش» باسم «جبل رأس السهم». غير أن حضوره في الطبيعة بدا لي أكثر إثارة من صورته على الشاشة؛ فقد وقف شامخاً أمام الماء والسماء، كأنه جزء أصيل من ذاكرة المكان لا مجرد خلفية لمشهد درامي.

ومنها واصلت الصعود شمالاً نحو أكوريري، التي بدت قاعدة مناسبة لاستكشاف عدد من معالم الشمال. ثم تابعت الطريق إلى حقول هفيرير الكبريتية وشلال ديتيفوس العظيم، قبل عبور الهضاب الشرقية والوصول إلى إيغيلستادير (Egilsstaðir)، محطة استراحة بين المضايق الجبلية والهدوء النوردي الصافي.
بعدها انحدرت جنوباً بمحاذاة الأنهار الجليدية، لأستقر في كوخ ريفي دافئ قرب منطقة هيلا (Hella)، اتخذته مقراً لاستكشاف شلالات الجنوب، مثل سيلجالاندسفوس وسكوجافوس، والشواطئ البركانية السوداء في رينيسفيارا.
كانت القيادة في آيسلندا تجربة مختلفة عمّا عرفته في رحلاتي السابقة؛ فقد قدت لساعات طويلة، تجاوز مجموعها خلال الرحلة نحو 80 ساعة، وقطعت قرابة 2,500 كيلومتر. كان التعب حاضراً، لكن الدهشة عوّضته، وجمال الطبيعة وسحرها جعلا مشقة الطريق جديرة بكل دقيقة، وكل منعطف، وكل صباح عشته. واكتملت الدائرة أخيراً بالوصول إلى مطار كيفلافيك الدولي (Keflavík International Airport) للمغادرة.
الروح الآيسلندية: المجتمع واللغة والنكهات
يتجلى جانب من الشخصية الآيسلندية في العبارة المتداولة «Þetta reddast»، التي يمكن تقريب معناها إلى أن الأمور ستتدبر في النهاية. وكأنهم يريدون القول: أن تبذل ما تستطيع، ثم تترك للظروف مساحة لا بد أن تتركها الطبيعة دائماً.
ينعكس هذا الهدوء في أسلوب حياة بسيط، وتبدو المسابح والينابيع الحرارية (Sundlaugar) ملتقيات اجتماعية يومية للتواصل والاسترخاء. ومن التجارب التي لا تكتمل زيارة آيسلندا من دونها الاسترخاء في حماماتها الحرارية، مثل بلو لاغون (Blue Lagoon)، وسيكريت لاغون (Secret Lagoon)، وسكاي لاغون (Sky Lagoon). وهي حمامات عامة يقصدها الزوار للاستمتاع بالمياه الدافئة وسط الطبيعة، أما من يرغب في تجربة أكثر خصوصية، فيمكنه البحث مسبقاً عن الحمامات أو المنتجعات التي توفر مرافق خاصة أو جلسات منعزلة.
وتُمثّل اللغة الآيسلندية حفرية نوردية عريقة حافظت على جذورها القديمة، ورغم صعوبة تركيبها النحوي وغرابة نطق أسماء معالمها الجغرافية على السائح، فإن طلاقة السكان في اللغة الإنجليزية تذلّل التواصل.

ويعتمد المطبخ الأيسلندي على ما تمنحه البيئة من لحم الضأن والأسماك الطازجة والمجففة ومنتجات الألبان. وعلى السائح الخليجي أن يبحث قبل السفر عن أسماء المحال التي تبيع اللحوم الحلال في ريكيافيك، وأن يحدد مواقعها وساعات عملها مسبقاً، لأن توفرها محدود وقد يحتاج الوصول إليها إلى زيارة أكثر من متجر. ومن الضروري شراء الكمية قبل مغادرة العاصمة، إذ تنعدم خيارات اللحوم الحلال غالباً خارجها خلال الرحلة.
ومن الملاحظات اليومية الطريفة التي تستوقف المسافر في متاجر مثل (Krónan) و(Bónus) وجود غرف تبريد (walk-in refrigerators) كبيرة يدخلها المتسوق لاختيار المشروبات والألبان واللحوم. فتجد نفسك تنتقل من برودة الشارع إلى برودة محكومة داخل المتجر، وأنت ترتدي معطفك الشتوي، في مشهد طريف يعكس تكيف الحياة اليومية مع المناخ. 
ولا تقف مفاجآت المائدة والمتاجر عند هذا الحد؛ فقد تصادف في بعض المطاعم تركيبات غير متوقعة، مثل بيتزا التمر الممزوجة بالأجبان المحلية. وهي من التفاصيل الصغيرة التي تمنح الرحلة حكاياتها الخاصة، إذ أدهشني توفر التمر في هذه الجزيرة النائية في أقصى الأرض.
الخيول الآيسلندية: حراس السهول
ولا تكتمل لوحة الطبيعة دون مشاهد الخيول المتناثرة على امتداد الطرقات. حافظت الخيول الآيسلندية على خصائص سلالتها عبر قرون طويلة، وتتميز بقامتها القصيرة نسبياً وشعرها الكثيف وقدرتها على تحمل المناخ القاسي، إضافة إلى مشيتها الخماسية المعروفة باسم (Tölt).

كنت أراها واقفة في العراء، وسط السهول البركانية أو قرب الأسوار الخشبية، فتمنح المشهد لمسة حية من الأنس. فالطبيعة الآيسلندية، على اتساعها وقسوتها، قد تبدو مجردة ومعدنية: صخر، جليد، ماء، ورياح. ثم يظهر حصان هادئ في البعيد، فيعيد إلى المكان شيئاً من الدفء ويذكّر بأن الإنسان لم يكن الكائن الوحيد الذي تعلم العيش هنا.

العودة إلى البدء: جوهر السحر الآيسلندي
ومع ذلك، لا تُختزل آيسلندا في مشقة تكاليفها، ولا في بعدها، ولا في تعقيدات التخطيط لها. كانت كل تلك العوائق ستاراً يختبئ خلفه سحرا نادراً ما تمنحه الأماكن بسهولة. فالعزلة التي جعلت الوصول إليها اختباراً للشغف هي ذاتها التي ساعدت على بقاء كثير من ملامحها نقية، والاضطراب الجيولوجي الذي يزلزل باطنها هو ذاته الفنان الذي ينحت جبالها ويجري ينابيعها.
لم تكن هذه الرحلة لتأخذ شكلها أو تبلغ اكتمالها لولا زوجتي؛ فقد نسجت بخيط من العناية تفاصيلها، وهيأت لها من التخطيط والإعداد ما جعل الطريق أقل وعورة، والدهشة أكثر حضوراً. كانت شريكة الرحلة قبل أن تبدأ، ورفيقتها في كل منعطف، وصاحبة فضل سيبقى حاضراً كلما استعدت تلك الأيام؛ فبعض الجمال لا يُرى في الطبيعة وحدها، بل فيمن يعيننا على الوصول إليه.
في آيسلندا، لا تذهب فقط لتشاهد مناظر طبيعية تلتقط لها الصور، بل تذهب لتشهد حركة خلق مستمرة، في كوكب يبدو كأنه ما يزال يتنفس في مهد تكوينه. تراقب كيف تنشق الأرض، وكيف تخمد النار في أحضان الجليد، وكيف يصنع الماء طريقه بين الصخور.
هناك، أدركت أنني لم أصل إلى نهاية العالم، كما توحي بعض الصور والانطباعات الأولى، بل عدت إلى لحظة بدايته. وربما كان هذا هو جواب السؤال الذي رافقني منذ البداية: لماذا آيسلندا؟ لأن بعض الرحلات لا تمنحك مكاناً جديداً فحسب، بل تعيد ترتيب علاقتك بالأرض وبالدهشة وبنفسك.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية