عادةً ما تُتيح التقنية فرص عمل للشباب ذوي المهارات العالية، فهل سيفعل الذكاء الاصطناعي الشيء نفسه؟ – ترجمة* محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

?Technology usually creates jobs for young, skilled workers. Will AI do the same
(بقلم: بيتر ديزيكس (معهد ماساتشوستن للتقنية)، تصحيح: ليزا لوك، مراجعة: ربرت إيغان)
(Peter Dizikes, Massachusetts Institute of Technology, edited by Lisa Lock, reviewed by Robert Egan)

ملخص: تاريخيًا، يُولّد الابتكار التقني فئات وظيفية جديدة، يستفيد منها في المقام الأول الشباب من خريجي الجامعات في المناطق الحضرية، حيث تُقدم هذه الوظائف في البداية أجورًا أعلى تتضاءل مع انتشار الخبرة. وغالبًا ما يكون ظهور وظائف جديدة مدفوعًا بعوامل الطلب، مثل الاستثمار الحكومي، وليس فقط بالعرض التقني. وسيعتمد تأثير الذكاء الاصطناعي على خلق فرص العمل على خيارات التنفيذ والتوجهات السياسية، لا سيما في قطاعات مثل الرعاية الصحية.

( الدراسة المترجمة )

في أي وقت، تُحدث التقنية تغييرًا جذريًا في سوق العمل، إذ تُستبدل الوظائف التقليدية وتُخلق مجالات عمل جديدة. فالآلات، على سبيل المثال، تحل محل المزارعين، لكنها تُتيح فرصًا جديدة لمهندسي الطيران. لذا، إذا كانت التقنية تُخلق وظائف جديدة، فمن يحصل عليها؟ وما هو مستوى رواتبها؟ وإلى متى تبقى هذه الوظائف جديدة قبل أن تُصبح مجرد مهمة عادية يُمكن لأي عامل القيام بها؟

تم إنشاء هذه الصورة بواسطة فريق تحرير موقع “ساينس اكس” باستخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض توضيحية.

تُلقي دراسة جديدة حول التوظيف في الولايات المتحدة، بقيادة البروفيسور ديفيد أوتور، خبير اقتصاديات العمل في معهد ماساتشوستس للتقنية، الضوء على هذه المسائل. ففي الولايات المتحدة ما بعد الحرب، وكما يُبين البروفيسور أوتور وزملاؤه بتفصيل دقيق، استفاد خريجو الجامعات الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا من أشكال العمل الجديدة أكثر من غيرهم.

ويقول البروفيسور أوتور: “لم نكن نعرف من قبل من يقوم بالأعمال الجديدة تحديدًا. يُؤديها في الغالب الشباب المتعلمون، وخاصة في المناطق الحضرية”.

وتتضمن الدراسة أيضًا رؤية شاملة هامة: فالكثير من الأعمال الجديدة القائمة على الابتكار مدفوعة بالطلب. وقد ساهم التوسع الحكومي في البحث والتصنيع خلال أربعينيات القرن العشرين، استجابةً للحرب العالمية الثانية، في خلق قدر هائل من فرص العمل الجديدة، وظهور أشكال جديدة من الخبرات.

ويقول البروفيسور أوتور: “هذا يعني أنه أينما استثمرنا في مشاريع جديدة، سنحصل في النهاية على تخصصات جديدة. فإذا أنشأنا نشاطًا واسع النطاق، ستكون هناك دائمًا فرصة لاكتساب معارف متخصصة جديدة ذات صلة به. لقد وجدنا هذا الأمر مثيرًا للاهتمام”.

وسوف تُنشر الورقة البحثية (w34986.pdf) بعنوان “ما الذي يجعل عملا جديدا مختلفا عن عمل أكثر؟” قريبًا في مجلة “المراجعة السنوية للاقتصاد” (Annual Review of Economics). المؤلفون هم: البروفيسور أوتور؛ كارولين تشين، طالبة دكتوراه في قسم الاقتصاد بمعهد ماساتشوستس للتقنية؛ البروفيسور آنا م. سالومونز، أستاذة في قسم الاقتصاد بجامعة تيلبورغ وكلية الاقتصاد بجامعة أوتريخت؛ والبروفيسور بريان سيغميلر، الحاصل على درجة الدكتوراه عام 2022، أستاذ مساعد في كلية كيلوغ للإدارة بجامعة نورث وسترن.

نعم، قد يكون التعرف على الوظائف الجديدة، وأنواع العاملين الذين يحصلون عليها، ذا صلة بانتشار الذكاء الاصطناعي، مع أن البروفيسور أوتور يرى أنه من السابق لأوانه تحديد تأثير الذكاء الاصطناعي على بيئة العمل.
ويلاحظ البروفيسور أوتور: “يشعر الناس بقلق بالغ من أن الأتمتة القائمة على الذكاء الاصطناعي ستؤدي إلى تآكل بعض المهام بوتيرة أسرع. إن تآكل المهام لا يعني بالضرورة تآكل الوظائف، فالعديد من الوظائف تتضمن مهامًا كثيرة. لكننا جميعًا نتساءل: من أين ستأتي الوظائف الجديدة؟ إنها بالغة الأهمية، ولا نعرف عنها إلا القليل. لا نعرف ماهيتها، ولا شكلها، ولا من سيتمكن من القيام بها”.

“إذا كان الجميع خبيرًا، فلن يكون أحد خبيرًا”
تعاون المؤلفون الأربعة أيضًا في دراسة رئيسية سابقة حول الوظائف الجديدة، نُشرت عام 2024، والتي وجدت أن حوالي 6 من كل 10 وظائف في الولايات المتحدة الأمريكية بين عامي 1940 و2018 كانت في تخصصات جديدة لم تتطور على نطاق واسع إلا منذ عام 1940. وتُوسّع الدراسة الجديدة نطاق هذا البحث من خلال النظر بدقة أكبر في هوية شاغلي هذه الوظائف الجديدة.

ولتحقيق ذلك، استخدم الباحثون بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي للفترة من 1940 إلى 1950، بالإضافة إلى بيانات المسح المجتمعي الأمريكي (American Community Survey – ACS) التابع لمكتب الإحصاء للفترة من 2011 إلى 2023. في الحالة الأولى، ولأن سجلات مكتب الإحصاء تُصبح متاحة للجمهور بالكامل بعد حوالي 70 عامًا، تمكن الباحثون من فحص البيانات على مستوى الأفراد حول المهن والرواتب وغيرها، كما تمكنوا من تتبع نفس العاملين أثناء تغيير وظائفهم بين تعدادي 1940 و1950.

ومن خلال اتفاقية بحثية تعاونية مع مكتب الإحصاء الأمريكي، تمكن الباحثون من الوصول الآمن إلى سجلات المسح المجتمعي الأمريكي (ACS) على مستوى الأفراد. وقد مكّنتهم هذه البيانات من تحليل دخل العاملين في التخصصات المهنية الجديدة، ومستوى تعليمهم، وخصائصهم الديموغرافية الأخرى، ومقارنتها بالعاملين في التخصصات الراسخة.

ويلاحظ البروفيسور أوتور أن العمل الجديد يرتبط دائمًا بأشكال جديدة من الخبرة. وفي البداية، تكون هذه الخبرة نادرة، ومع مرور الوقت، قد تصبح أكثر شيوعًا. وعلى أي حال، غالبًا ما ترتبط الخبرة بأشكال جديدة من التقنية.
ويقول البروفيسور أوتور: “يتطلب الأمر إتقان مهارة معينة. ما يجعل العمل ذا قيمة ليس مجرد القدرة على القيام بالأشياء، بل المعرفة المتخصصة. وهذا ما يميز العمل ذي الأجر المرتفع عن العمل ذي الأجر المنخفض”. ويضيف: “يجب أن تكون الخبرة نادرة. إذا كان الجميع خبيرًا، فلن يكون هناك خبير”.

ومن خلال فحص بيانات التعداد السكاني، وجد الباحثون أنه في عام 1950، كان حوالي 7% من الموظفين يعملون في أنواع من العمل ظهرت منذ عام 1930. وفي الآونة الأخيرة، كان حوالي 18% من العمال في الفترة 2011-2023 يعملون في مجالات عمل تم استحداثها منذ عام 1970 (وهذا يمثل تقريبًا نفس نسبة الوظائف الجديدة لكل عقد، على الرغم من أن البروفيسور أوتور لا يعتقد أن هذا اتجاه ثابت).

حقوق الصورة: البروفيسور ديفيد أوتور وآخرون (2026). DOI: 10.3386/w34986

وخلال هذه الفترات، ظهرت فرص عمل جديدة بوتيرة أسرع في المناطق الحضرية، حيث استفاد منها من هم دون الثلاثين أكثر من أي فئة عمرية أخرى. ويبدو أن الحصول على وظيفة في مجال العمل الجديد له أثر دائم: فقد كان الأشخاص الذين تم توظيفهم في وظائف جديدة عام 1940 أكثر عرضة بنسبة 2.5 مرة للبقاء في وظائف جديدة عام 1950، مقارنة بعامة السكان. كما كان احتمال انخراط خريجي الجامعات في هذا المجال أعلى بنسبة 2.9 نقطة مئوية من خريجي الثانوية العامة.

ويتميز العمل الجديد أيضاً بميزة الأجور، أي رواتب أفضل إجمالاً من رواتب الوظائف القائمة. ومع ذلك، وكما تُظهر الدراسة، تتلاشى هذه الميزة بمرور الوقت، إذ تصبح الخبرة المتخصصة في العديد من مجالات العمل الجديد أكثر انتشاراً.

ويقول البروفيسور أوتور: “تتلاشى قيمة الندرة، وتصبح معلومة شائعة، بل وتُؤتمت، ويصبح العمل الجديد قديمًا”.
وفي النهاية، يشير البروفيسور أوتور إلى أن قيادة السيارة كانت في الماضي مهارة نادرة. ولأجل ذلك الشأن، كانت القدرة على استخدام برامج معالجة النصوص مثل “وورد بيرفكت” (WordPerfect) أو “مايكروسوفت وورد” (Microsoft Word) كذلك حتى تسعينيات القرن الماضي. ولكن بعد فترة، أصبح إتقان استخدام برامج معالجة النصوص أبسط استخدام الحاسوب.

عودة إلى الذكاء الاصطناعي لدقيقة واحدة
توصل الباحثون، من خلال دراسة من يحصل على الوظائف الجديدة، إلى استنتاجات لافتة حول كيفية خلق فرص العمل الجديدة. فقد أظهرت الدراسة، التي فحصت بيانات على مستوى المقاطعات من فترة الحرب العالمية الثانية، عندما كانت الحكومة الفيدرالية تدعم الصناعات التحويلية الجديدة من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص في جميع أنحاء الولايات المتحدة، أن المقاطعات التي تضم مصانع جديدة شهدت وفرة في فرص العمل الجديدة، وأن ما بين 85% و90% من فرص العمل الجديدة بين عامي 1940 و1950 كانت مدفوعة بالتقنية.

وبهذا المعنى، كان هناك قدر كبير من الابتكار المدفوع بالطلب في ذلك الوقت. واليوم، غالبًا ما يركز الخطاب العام حول الابتكار على جانب العرض، أي المبتكرين ورواد الأعمال الذين يسعون إلى ابتكار منتجات جديدة. لكن الدراسة تُظهر أن جانب الطلب يمكن أن يؤثر بشكل كبير على النشاط الابتكاري.

ويقول البروفيسور أوتور: “التقنية ليست كلحظة إلهام حيث تحدث فجأة. الابتكار نشاط هادف، وهو تراكمي. إذا تقدمنا فيه بما يكفي، سيكتسب زخمه الخاص. أما إذا لم نفعل، فلن يصل إلى مبتغانا أبدًا”.
وهذا يقودنا إلى الذكاء الاصطناعي، الموضوع الذي يشغل بال الكثيرين في عام 2026. هل سيخلق الذكاء الاصطناعي وظائف جديدة جيدة، أم سيقضي على الوظائف؟ يعتقد البروفيسور أوتور أن الأمر يعتمد على كيفية تطبيقه. لنأخذ قطاع الرعاية الصحية الضخم كمثال، حيث يمكن أن تتوفر أنواع عديدة من الوظائف الجديدة القائمة على التقنية، إذا كان هناك اهتمام بخلق فرص عمل.

ويقول البروفيسور أوتور: “هناك طرق مختلفة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. إحداها هي أتمتة الوظائف تمامًا. والأخرى هي السماح للأشخاص ذوي مستويات الخبرة المختلفة بأداء مهام مختلفة. أرى أن الخيار الثاني أكثر فائدة للمجتمع. لكن ليس من الواضح ما إذا كان هذا هو اتجاه السوق”.

ومن جهة أخرى، ربما مع تزايد الطلب الحكومي بأشكاله المختلفة، يُمكن توظيف الذكاء الاصطناعي بطرق تُعزز إنتاجية قطاع الرعاية الصحية، مما يُؤدي إلى خلق فرص عمل جديدة.
ويُشير البروفيسور أوتور إلى أن “أكثر من نصف ميزانية الرعاية الصحية في الولايات المتحدة ممولة من المال العام. لدينا نفوذ كبير في هذا المجال، ويمكننا توجيه الأمور نحو هذا المسار. هناك طرق مختلفة لاستغلال هذا النفوذ”.

وللمزيد من المعلومات، يمكن قراءة الورقة العلمية التي الفها البروفيسور ديفيد أوتور وآخرون، وعنوانها “ما الذي يُميز العمل الجديد عن العمل الإضافي؟” على الرابط: (2026). DOI: 10.3386/w34986

*تمت الترجمة بتصرف
المصدر:

https://techxplore.com/news/2026-05-technology-jobs-young-skilled-workers.html

المهندس محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *