من الامثال الشعبية القطيفية “إبليس ما يكسّر مواعينه” – بقلم صادق علي القطري

الأمثال الشعبية القطيفية (الخليجية)، تراثًا شفويًا حيًّا، وذاكرةً اجتماعية تختزل خبرة الإنسان مع الحياة، وتكشف ملامح وعيه الأخلاقي، وسلوكه اليومي، ونظرته إلى العمل والعلاقات والزمن. فالأمثال هنا لا تُعرض باعتبارها عبارات دارجة فحسب، بل تُقرأ كنصوص إنسانية مكثّفة، ونتاج عقل جمعيٍّ صاغ حكمته عبر التجربة والممارسة.

“إبليس ما يكسّر مواعينه”

يُضرَب هذا المثل الشعبي القطيفي في فطنة المصلحة وحفظ المكتسب، ويُقال لمن يعرف قيمة ما لديه، ويحرص على حقوقه ومكاسبه، ولا يضيّع وقته أو جهده فيما لا ينفعه. وهو مثل دقيق في تصويره، يجمع بين الحكمة والفكاهة، ويُسلِّط الضوء على اليقظة والذكاء في إدارة الموارد الشخصية والمصالح العملية.

تقوم صورة المثل على شخصية إبليس، المعروفة بالمكر والدهاء في التراث الشعبي والديني، إذ لا يترك فرصة إلا ويستغلها لصالحه، ولا يكسر مواعيده أو يخالف مصلحته. وهنا تكمن الحكمة ان من أراد الحفاظ على ما يمتلك، أو الاستفادة مما لديه، عليه أن يكون حذراً، منظماً، ومستعدًا، مثل إبليس الذي لا يضيع وقته ولا يفوّت فرصته.

يُقال هذا المثل في سياقات الحياة العملية والاجتماعية، عند الإشارة إلى من يعرف كيف يدير مصالحه، أو يحفظ حقوقه، أو يحذر من الاستغلال، أو عند نصح الآخرين بعدم التسرع في التخلي عما يملكون. فهو يشيد بالحكمة، ويؤكد على ضرورة الحفاظ على المكتسبات وعدم التفريط فيها بسهولة.

وفي عمقه، يعكس المثل إدراكًا شعبيًا لطبيعة الإنسان والمجتمع وان ليس كل من يملك قوة أو قدرة ماديّة يستطيع الحفاظ على مكتسباته بلا حذر، فالدهاء والتنظيم والمبادرة عوامل أساسية للحفاظ على الحقوق. ومن هنا، يظهر المثل أهمية الإدراك واليقظة، وعدم التهور أو التراخي في الأمور التي تمس المصلحة الشخصية.

كما يحمل المثل بعدًا تربويًا وأخلاقيًا؛ فهو يُعلّم الصبر والتفكير قبل العمل، ويحث على التقدير الصحيح للقيمة، وتقدير العواقب قبل اتخاذ القرار. فالذي يحفظ وقته ومصالحه مثل الذي يحافظ على مكتسباته، ويستثمرها بحكمة، لن يضيع جهده ولا يذهب ثماره هدراً.

ويُستَخدم المثل أيضًا في نقد من يُفرّط أو يُهمل مصالحه، أو من يتسرع في التخلي عما له، مقارنة بمن يحفظ حقه بحكمة ويعرف متى وكيف يتحرك. فالمثل يذكّر بأن الفطنة في المصلحة ليست خديعة، بل وسيلة للبقاء والاستمرار.

هكذا، يختصر مثل “إبليس ما يكسّر مواعينه” حكمة شعبية نافذة وهي ان احفظ مصالحك، لا تهدر وقتك، واحذر التفريط فيما تملكه، فالحياة لا تكافئ اللامبالاة. الذكاء في إدارة الحقوق، واليقظة في استغلال الفرص، هما ما يضمنان الاستقرار والفائدة، تمامًا كما يعرف إبليس ألا يترك موعوده تتكسّر.

المهندس صادق علي القطري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *