يقول الأستاذ حسن إنه في أوّل أيام دراسته في جامعة الرياض، وبينما كان واقفًا مع زملائه الجدد، مرّ بهم زكي الذي كان يسبقهم بعدّة سنوات في الدراسة في الكلية نفسها. فدعاه بعضهم للمشاركة في جلسة سمر يقيمونها في إحدى الليالي، إلا أنّ زكي أجاب سريعًا:
“أنا هنا لأدرس”.
لم يرق هذا الردّ لزملاء حسن، فصاروا إذا رأوه مقبلًا يتهامسون ساخرين:
“جاء: أنا هنا لأدرس”.
وأصبح بعض المقصرين منهم يستهزئون بهذه العبارة ويصورونها كعيب. إذ يظنون، أو هكذا يريدون أن يصدقوا، أن التفوق لا يكون إلا لأصحاب المواهب الفطرية، وأن الجادّين المثابرين الذين يحاولون ويجتهدون ويضيئون لياليهم بنور العلم وصبر الكفاح هم في الأصل غير مؤهلين، وأنّ ما يفعلونه فوق قدراتهم.
كريف – سليّخ – دافور
كلمات يطلقها المقصّرون في حقّ المجتهدين.

غير أن حسن التقط هذه العبارة بجدية وإيجابية. رنّت في أذنيه ولم تمرّ مرور الكرام. سمعها ووعاها، وصار يرددها بصوت عالٍ:
“أنا هنا لأدرس”.
وقال: “هذا عين الصواب ومربطُ الفرس”.
وجد فيها نشيدًا جميلًا وترنيمةً منعشة تذهب عنه الأوهام، وتحثّه على الجدّ والاجتهاد، وتمده بالصبر على إغراءات الهوى، وتمنعه من التسويف واختلاق الأعذار، وتجعله قادرًا على مواجهة صعوبات الواقع. كانت تولّد في نفسه قوة دفعٍ رباعية تعينه على عبور التضاريس القاسية.
صارت عبارة “أنا هنا لأدرس” منهجًا دراسيًا لحسن؛ تغلّب بها على المعضلات التي واجهته: مادة صعبة هنا، وأستاذ غير كفء هناك، ومقرر يحتاج إلى تفكيك وتحليل دقيق.
ظلّ يتذكرها ولم ينسها قطّ. ولاحقًا كان يعزو إليها سرّ تفوقه الدراسي ونيله شهادتي البكالوريوس والماجستير بتفوق مع مرتبة الشرف. كانت وقودًا يغذي طاقة خضراء داخله. وكثيرًا ما كتب على ظهر كراسته عبارات مثل:
• لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله … لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
• بقدر الجد تكتسب المعالي ومن طلب العلا سهر الليالي
• ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر
بعد تخرجهما في الجامعة ونيلهما شهادة الماجستير، عملا معًا في مؤسسة تعليمية متقدمة لتدريب الموظفين في مهارات الإدارة والهيكلة التنظيمية. غير أن طموح زكي دفعه لاحقًا لترك الوظيفة وتأسيس شركة متطورة مستندًا إلى تخصصه وخبرته الإدارية.
وهذه المرة صار شعاره:
“أنا هنا لأعمل وأطوّر وأسهم في تنمية الاقتصاد”.
وأنا أسمع حسن يروي هذه القصة المحفِّزة، عدت بذاكرتي إلى السبعينات. حينها كنت أدرس في الصف الثالث المتوسط، بينما كان زكي في الصف الثالث الثانوي — بيننا ثلاث سنوات — وكان حسن في الصف الأول المتوسط. بدأت أُحَلِّل شخصية زكي وشخصية حسن وشخصيات المحبطين.
كان زكي يملك إرادة صلبة ومنهجية واعية وواضحة لهدفه الأكاديمي والمهني، ويرى في الدراسة وسيلة لتحقيق مشروعه الشخصي لا مجرد مرحلة عابرة. لذلك اختصر موقفه بجملة محددة: “أنا هنا لأدرس”؛ هذا التركيز اللغوي يعكس تركيزًا ذهنيًا. ومن يوجز أهدافه في عبارة واحدة عادةً ما يحمل وضوحًا معرفيًا وقدرة على تنظيم الجهد.
كانت شخصيته تربط قيمتها الذاتية بالإنجاز، لذا لا تسمح للبيئة بصياغة أولوياتها. وهذا ما يفسّر نجاحه لاحقًا في تأسيس مشروع مستقل.
أما حسن فكان طالبًا مهذبًا يتميز بالهدوء وحسن الاستماع، ولديه ما يمكن تسميته “الاستجابة للمعنى”؛ إذ يمكن لكلمة صادقة أن تجد في داخله أرضًا خصبة. هذا الحسّ الالتقاطي مكّنه من التأثر بالصدى النفسي لعبارة “أنا هنا لأدرس”، التي شكّلت لحظة تحوّل وفتحت أمامه بابًا لإعادة تعريف الهوية:
لم يعد طالبًا فقط، بل طالبًا يدرس بإرادة.
تحولت العبارة لديه إلى:
• مانترا (تعويذة ذهنية محفّزة)
• بوصلة سلوكية تمنع الانحراف عن الهدف
• حاجزٍ ضد الأعذار
وهذا ما يفسّر تسميته لها منهجًا دراسيًا.
أما المقصّرون فيتصرفون بدوافع نفسية سلبية تدفعهم لأحباط المتفوقين. وهو سلوك دفاعي لا واعٍ يمتد من ثلاثة محركات أساسية:
النرجسية الدفاعية: رؤية شخص يدرس بجدّ تفضح عيوبهم الذاتية وتكشف تقصيرهم؛ فيلجؤون للسخرية لحماية صورتهم الذاتية.
إعادة تعريف التفوق خارج الإرادة: عبر ادّعاء أن النجاح موهبة فقط، يكسب المقصّر تبريرًا نفسيًا يعفيه من الشعور بالذنب والتقصير.
الإزاحة الاجتماعية: تحويل التوتر الداخلي إلى الخارج عبر الاستهزاء، لتخفيف الضغط الناتج عن مقارنة النفس بالآخرين.
ولهذا كانت الكلمات مثل “دافور” و**“سليّخ”** درعًا نفسيًا أكثر منها وصفًا واقعيًا.
الدرس المستفاد
الجدّ ليس صفة عابرة، بل قرارٌ متجدد. قد تُلهِمك كلمة صادقة، لكن قوتها لا تظهر إلا حين تجعلها منهجًا يوجّه سلوكك اليومي. وفي الطريق إلى هدفك ستجد من يستهزئ، لا لأنك مخطئ، بل لأن جديّتك تذكّره بما أخفاه عن نفسه.
فاجعل عبارتك واضحة، وحدد سبب وجودك في كل مرحلة، وقل — بثقة وهدوء —:
“أنا هنا لأدرس”.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية
شكرا ابا حسن على هذه القصة. 🌹🙏💐
ملخص القصة:
يروي الأستاذ حسن قصة من أيامه الأولى في جامعة الرياض، حيث مرّ عليه وعلى زملائه الجدد طالب أكبر سنًا يُدعى زكي. دعاه الزملاء لجلسة سمر، فردّ زكي ببساطة وثقة: “أنا هنا لأدرس”. لم يعجب هذا الردّ الزملاء المقصّرين، فبدأوا يسخرون منه ومن العبارة، ويصفون المجتهدين بكلمات مهينة مثل “كريف”، “سليّخ”، “دافور”، معتبرين أن التفوق موهبة فطرية فقط، لا نتيجة جهد ومثابرة.
أما حسن فقد تأثر إيجابيًا بهذه العبارة، فاعتبرها شعارًا ومنهجًا دراسيًا، ردّدها لنفسه، واستخدمها كمحفّز للجدّ والصبر. ساعدته على تجاوز الصعوبات الدراسية (مواد صعبة، أساتذة غير كفءين…)، ويعزو إليها تفوّقه ونيله البكالوريوس والماجستير بمرتبة الشرف. كان يكتب أبيات شعرية تحثّ على الجدّ والصبر.
لاحقًا، عمل حسن وزكي معًا في مؤسسة تعليمية، ثم ترك زكي الوظيفة ليؤسس شركته الخاصة، محوّلاً شعاره إلى: “أنا هنا لأعمل وأطوّر وأسهم في تنمية الاقتصاد”.
تحلّيل الشخصيات: زكي صاحب إرادة قوية ووضوح هدف؛ حسن صاحب استجابة إيجابية للكلمة الصادقة؛ والمقصّرون يسخرون دفاعًا عن أنفسهم (نرجسية دفاعية، تبرير التقصير، إزاحة التوتر).
العبر والدروس المستفادة من القصة:
1. وضوح الهدف هو مفتاح النجاح: عبارة بسيطة مثل “أنا هنا لأدرس” تعكس تركيزًا ذهنيًا عميقًا، وتساعد على تنظيم الجهد ورفض الملهيات.
2. الجدّ قرار يومي متجدد، وليس موهبة فطرية فقط: التفوق يأتي بالمثابرة والصبر، لا بالاعتماد على “الموهبة” كتبرير للتقصير.
3. الكلمة الصادقة قد تغيّر حياة: قد تمرّ عبارة عابرة على الكثيرين دون أثر، لكن من يلتقطها بجدية ويحوّلها إلى “مانترا” أو منهج يومي يحصد ثمارها.
4. السخرية من المجتهدين غالبًا دفاع نفسي: المقصّرون يستهزئون ليحميوا صورتهم الذاتية، ويبرروا تقصيرهم بإنكار دور الجهد، فلا تأخذ سخريتهم على محمل شخصي.
5. حدّد سبب وجودك في كل مرحلة: سواء في الدراسة أو العمل، اجعل لنفسك شعارًا واضحًا يذكّرك بالهدف ويمنع التسويف والأعذار.
6. الإنجاز يبني القيمة الذاتية: من يربط قيمته بالإنجاز (مثل زكي وحسن) يتقدم، بينما من يخاف المواجهة يبقى في مكانه.
في النهاية، القصة تذكير محفّز: قل بثقة “أنا هنا لـ… [هدفك]”، واجعل هذا الوضوح وقودًا لطريقك.
فعلا الثقه بالنفس تجعل الانسان في احلك الظروف يتصرف وكأن لا ضغوط عليه ولا يتأثر بما يقال وجمل الإحباط إنما هي عتبات يرتقي بها لتقربه الى هدفه….ما شاء الله تبارك الله ابو حسن جددت فينا الروح وكأن الإنسان يجب أن يتعلم الى اللحد وإن مرت عليه تلك الاقاويل والناس المحبطين….تسلم ابو حسن ورحم الله والديك.