هل تصنع المدن عقولًا أكثر كفاءة؟ …. قراءة علمية في الذكاء الحضري – بقلم صادق علي القطري

في العقود الأخيرة، تزايد اهتمام الباحثين بدراسة العلاقة بين البيئة الحضرية والقدرات المعرفية، خصوصًا في ظل التحول العالمي المتسارع نحو التمدّن. وتُعدّ المدن، بما تحمله من كثافة سكانية وتعقيد اجتماعي واقتصادي، مختبرًا حيًا لفهم كيفية تفاعل العقل البشري مع البيئات عالية التحفيز. في هذا السياق، أظهرت دراسات أُجريت على مستخدمي تطبيقات تدريب الدماغ مثل (Lumosity) أن الأفراد المقيمين في المدن الكبرى يحققون أداءً أعلى في اختبارات الذكاء السائل، ويتحسنون بوتيرة أسرع في مهام الذاكرة العاملة وتبديل المهام، وهي مؤشرات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما يُعرف بالوظائف التنفيذية.

تشير الوظائف التنفيذية إلى مجموعة من العمليات المعرفية العليا التي تشمل التخطيط، وضبط الانتباه، والمرونة الذهنية، والقدرة على إدارة مهام متعددة في آنٍ واحد. وتُعد هذه الوظائف أساسية للتكيف مع البيئات المعقدة، حيث تتطلب الحياة اليومية في المدن اتخاذ قرارات متكررة، ومعالجة معلومات متدفقة، والاستجابة السريعة لمواقف غير متوقعة. ومن هذا المنظور، يمكن افتراض أن البيئة الحضرية تُسهم في تنمية هذه القدرات عبر ما توفره من تحفيز معرفي مستمر.

غير أن هذا التفسير البيئي لا يكفي وحده لتفسير الفروق الملحوظة بين سكان المدن وسكان المناطق الأقل كثافة. فالأدبيات العلمية في مجال علم الوراثة السلوكي تشير إلى أن جزءًا معتبرًا من الفروق في الوظائف التنفيذية يعود إلى عوامل وراثية. وقد أظهرت دراسات التوائم، على سبيل المثال، أن الذاكرة العاملة والمرونة المعرفية تتمتعان بدرجات متفاوتة من التوريث، مما يفتح المجال لفرضية “الانتقاء الذاتي”. ووفقًا لهذه الفرضية، فإن الأفراد ذوي القدرات المعرفية الأعلى يكونون أكثر ميلًا للانتقال إلى المدن، نظرًا لما توفره من فرص تعليمية ومهنية تتطلب مستويات عالية من الكفاءة الذهنية.

ينتج عن ذلك تداخل معقد بين عاملين رئيسيين: الاستعداد البيولوجي من جهة، والتأثير البيئي من جهة أخرى. فلا يمكن اعتبار المدن مجرد عامل مُنشئ للقدرات المعرفية، ولا يمكن في المقابل اختزال الأمر في كونها مجرد نقطة جذب للأفراد ذوي القدرات المرتفعة. بل الأرجح أن العلاقة بين الطرفين تفاعلية، حيث تعمل البيئة الحضرية على تعزيز الإمكانات الكامنة لدى الأفراد، في حين يختار هؤلاء الأفراد بدورهم البيئات التي تتوافق مع خصائصهم المعرفية.

وتُفسَّر هذه الديناميكية التفاعلية في ضوء مفهوم “اللدونة العصبية”، الذي يشير إلى قدرة الدماغ على إعادة تنظيم بنيته ووظائفه استجابةً للخبرة. فالانخراط المستمر في أنشطة تتطلب انتباهًا مركّزًا، وتبديلًا سريعًا بين المهام، ومعالجةً لمثيرات متعددة، يؤدي إلى تقوية الشبكات العصبية المرتبطة بالوظائف التنفيذية. ومن هنا، يمكن النظر إلى المدينة بوصفها بيئة “تدريبية” غير رسمية، تُعيد تشكيل الأداء المعرفي عبر التعرض المتكرر للتحديات.

مع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه النتائج بحذر منهجي. فالدراسات المعتمدة على بيانات مستخدمي التطبيقات الرقمية قد تعاني من تحيزات في العينة، إذ إن المشاركين غالبًا ما يكونون أكثر تعليمًا واهتمامًا بتطوير الذات مقارنةً بعامة السكان. كما أن أداء الأفراد في الألعاب المعرفية لا يُمثل بالضرورة قياسًا شاملًا للذكاء أو الكفاءة المعرفية في السياقات الواقعية. إضافةً إلى ذلك، تلعب العوامل الاجتماعية والاقتصادية, مثل مستوى التعليم والدخل ونوعية الرعاية الصحية, دورًا حاسمًا في تشكيل الأداء المعرفي، وقد تكون هذه العوامل أكثر توافرًا في البيئات الحضرية.

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن العلاقة بين العيش في المدن والقدرات المعرفية ليست علاقة سببية بسيطة، بل هي نتاج تفاعل متعدد المستويات بين الوراثة والبيئة والخبرة. فالمدن قد تُسهم في صقل الوظائف التنفيذية من خلال ما توفره من تحديات مستمرة، لكنها في الوقت ذاته تجذب الأفراد الذين يمتلكون بالفعل استعدادات معرفية عالية. ويؤكد هذا التداخل على أهمية تبني مقاربات تكاملية في دراسة السلوك الإنساني، تأخذ في الاعتبار البعد البيولوجي والنفسي والاجتماعي في آنٍ واحد.

إن فهم هذه العلاقة لا يقتصر على البعد النظري، بل يحمل دلالات تطبيقية مهمة، خصوصًا في مجالات التخطيط الحضري والتعليم. فتصميم بيئات حضرية تُعزّز من التفاعل المعرفي الإيجابي، وتقلل في الوقت ذاته من الضغوط المفرطة، قد يُسهم في دعم الصحة العقلية وتحسين الأداء المعرفي للسكان. كما أن إدماج عناصر التحفيز الذهني في البيئات غير الحضرية قد يساعد في تقليص الفجوة المعرفية بين المجتمعات المختلفة. وبذلك، يصبح السؤال ليس فقط كيف تؤثر المدن في عقولنا، بل كيف يمكننا تصميم بيئات تُنمّي أفضل ما في هذه العقول.

المهندس صادق علي القطري

المصادر العلمية الأساسية:
• Bailenson, J. N., & Yee, N. (2005). Digital self-representation: The impact of virtual environments on social cognition and behavior. Presence: Teleoperators and Virtual Environments, 14(3), 349–359.
• Diamond, A. (2013). Executive functions. Annual Review of Psychology, 64, 135–168.
• Gottfredson, L. S. (1997). Why g matters: The complexity of everyday life. Intelligence, 24(1), 79–132.
• Kaufman, S. B., & Sternberg, R. J. (Eds.). (2019). The Cambridge Handbook of Intelligence. Cambridge University Press.
• Lakes, K. D., & Hoyt, W. T. (2004). Promoting executive function development through environment. Developmental Review, 24(1), 1–26.
• Lumosity Research. (2016). The effects of cognitive training on urban vs. rural populations. Lumos Labs White Paper.
• McEwen, B. S., & Gianaros, P. J. (2010). Central role of the brain in stress and adaptation: Links to socioeconomic status, health, and disease. Annals of the New York Academy of Sciences, 1186, 190–222.
• Owen, A. M., et al. (2010). Putting brain training to the test. Nature, 465, 775–778.
• Plomin, R., DeFries, J. C., Knopik, V. S., & Neiderhiser, J. M. (2016). Top 10 replicated findings from behavioral genetics. Perspectives on Psychological Science, 11(1), 3–23.
• Shohamy, D., & Adcock, R. A. (2010). Dopamine and adaptive memory. Trends in Cognitive Sciences, 14(10), 464–472.
• Storper, M., & Venables, A. J. (2004). Buzz: Face-to-face contact and the urban economy. Journal of Economic Geography, 4(4), 351–370.
• Uttal, D. H. (2001). The new phrenology: The limits of brain science. MIT Press.
• van den Heuvel, M. P., & Sporns, O. (2013). Network hubs in the human brain. Trends in Cognitive Sciences, 17(12), 683–696.
• Woolley, A. W., et al. (2010). Evidence for a collective intelligence factor in the performance of human groups. Science, 330(6004), 686–688.

مصادر داعمة حول التحفيز الحضري والذكاء:
• Glaeser, E. (2011). Triumph of the City. Penguin Press.
• Florida, R. (2002). The Rise of the Creative Class. Basic Books.
• Newman, P., & Kenworthy, J. (1999). Sustainability and cities: Overcoming automobile dependence. Island Press.
• Evans, G. W., & Kim, P. (2013). Childhood poverty, chronic stress, and adult working memory. Proceedings of the National Academy of Sciences, 110(16), 663–668.
• Mehta, R., & Zhu, R. (2009). Blue or red? Exploring the effect of color on cognitive task performances. Science, 323(5918), 1226–1229

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *